Post: #1
Title: الشتات الثقافي السوداني ليس اختياراً للمثقف، بل هو شكل من أشكال الإقصاء الخفي والإبعاد القسري
Author: يحيى ابنعوف
Date: 09-02-2026, 08:20 AM
08:20 AM September, 02 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
الشتات الثقافي السوداني ليس اختياراً للمثقف، بل هو شكل من أشكال الإقصاء الخفي والإبعاد القسري بقلم: يحيى أبنعوف يحتل موضوع الشتات الثقافي موقعاً محورياً في الوجود الفعلي، وأنماط الحراك، والتناولات النقدية والفكريَّة المعاصرة، ولا سيما في واقعنا السوداني. فحين نتأمل هذه الظاهرة في عمقها ومآلاتها، نجد أنها تستبطن دلالة موجعة تتمثل في غياب حرية التعبير في أرض الوطن. وفي ظل الأنظمة ذات الطبيعة الأحادية، يعاني المثقف المستنير بوصفه حالة نقدية تقف بالمرصاد لـ "دورة الظلام"؛ ومن هنا، يجد نفسه مدفوعاً نحو المنفى قسراً، كي لا يتورط في إنتاج حالة "العفونة" الفكرية مع مجتمعه، وهي الحالة التي تؤدي بالضرورة إلى تشكيل وعي ظلامي مضاد للاستنارة. تبدو ظاهرة الشتات للوهلة الأولى وكأنها اختيار شخصي يمارسه المثقف ليتقمص دور البطل، غير أنها في حقيقتها شكل من أشكال الإقصاء الخفي والإبعاد القسري الذي تفرضه الأنظمة الأحادية. إنها لسان حال قمعي يقول للمثقف: "اذهب إلى أي مكان في الخريطة وقل ما تشاء، أما داخل الوطن فلا توجد سوى المعتقلات والمشانق والمصحات والمقاول!". إن بقاء الأنظمة الظلامية مرتبط عضوياً بصناعة شتاتها الثقافي، لتستمر تلك العلاقة الزائفة والمأزومة بين المثقف والسلطة. البعد التاريخي والإنساني لظاهرة الشتات لقد ظلت هجرة المثقف عبر التاريخ جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية الممتدة؛ فقد تدفق الأفارقة إلى أوروبا، وعبر الأندونيسيون البحر ليَستقروا في مدغشقر، وتشتت الهنود في أرجاء المعمورة. وهذه نقطة جوهرية في ظاهرة الشتات الثقافي: إن هجرة الأفواج البشرية والمجموعات القبلية من مكان إلى آخر تحمل معها طبائعها وقيمها، لتشكل هجرة ثقافية كبرى تنقل الثقافات وتحفظ حالات الشتات. وشواهد التاريخ ناطقة بذلك: السبي البابلي: الذي استلهمته الأدبيات والروايات المعاصرة. الاسترقاق التاريخي: وتهجير الأفارقة القسري إلى العالم الجديد، والذي أدى إلى نشأة دولة الشتات الكبرى (أمريكا). وهذه الظاهرة ليست حكراً على السودان؛ فتجليات الشتات تمتد عبر التاريخ والجغرافيا: أرغم جنرالات أمريكا اللاتينية الكاتب "غارسيا ماركيز" على اختيار منفاه الموزع بين فرنسا وإسبانيا. كانت باريس الستينات مؤلاً للمبدعين، كما كانت وطناً لرواد الأدب الأسود الفارين من جحيم العنصرية، ووطناً روحياً وثقافياً لرموز كبار مثل "جيمس جويس"، و"سامويل بيكيت"، و"فرانتس كافكا"، وغيرهم من قامات الفكر والأدب. وفي هذا السياق، كتب الأديب السوداني الطيب صالح روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) في منتصف ستينيات القرن العشرين؛ حيث بدأ بتأليفها خلال إجازة في جنوب فرنسا عام 1962، ثم توقف لفترة قبل أن يكملها، ونُشرت لأول مرة بشكل متسلسل في مجلة (حوار) البيروتية عام 1966، قبل أن تصدر كتاباً عن دار العودة ببيروت. جذور الشتات السوداني الحديث ومظاهره حين نسقِط هذا الفهم على الواقع السوداني، نجد أن ظاهرتنا ليست خارج السياق الإنساني العام، بل هي تعبير عن انهيار عالم ونشأة وضع جديد، أو حالة صدام مباشر مع السلطة. ويقف خلف هذا الشتات مظهران فادحان شكلا أساسه التاريخي: الحرب الأهلية: الدائرة في الماضي والحاضر، والتي أتت على الأخضر واليابس. الحكومات الديكتاتورية: المتلاحقة على سدة الحكم في السودان. أرقام ومحطات في الشتات السوداني: نزيف العقول: تشير تقديرات لجنة الإنقاذ الدولية إلى أرقام مفجعة من الضحايا وملايين النازحين. وتؤكد الإحصاءات التقديرية للمثقفين السودانيين خارج الوطن أن عددهم يتجاوز 1400 (ألفاً وأربعمائة) شخص، يتوزعون بين كاتب، وأديب، وصحفي، وشاعر، وفنان، وطبيب، ومهندس، وأكاديمي، تتجاذبهم المهاجر والمنافي. الشتات النوبي (مطلع الستينات): الذي امتد من وادي حلفا إلى "خشم القربة"، مما أدى إلى انشطار ثقافي داخل المجموعة السكانية: جزء بقي في وادي حلفا متمسكاً بالتراب الأصلي. جزء انتقل إلى "حلفا الجديدة". جزء ثالث فضّل الانتماء والامتداد إلى النوبة المصرية. شتات الجنوب: الشتات الأكبر لأبناء جنوب السودان، الذين غدوا اليوم جزءاً آخر من الوطن. ويعود السبب الأساسي وراء هجرة هذا القطاع الثقافي إلى أساليب القهر المادي ومصادرة الحقوق المدنية والسياسية، وهي الممارسات التي بادر بها نظام الجبهة الإسلامية؛ حيث أدت هذه الموجة المتأخرة (بعد موجة السبعينيات ثم موجة عام 1989) إلى تشكيل اللب الصلب لظاهرة الشتات الثقافي السوداني المعاصر. وقد أدى هذا التشتت الثقافي إلى إنشاء كيانات سياسية ونقابية وثقافية خارج حدود الوطن. ونحن اليوم أمام ظاهرة تستهدف احتواء الشتات وتوظيفه؛ ليكون منبراً يوجه خطاباً سودانياً جديداً للعالم، يقاوم فكرة الاقتلاع، ويطالب باستعادة الحق في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. صور التشظي في العلاقة بين المثقف والسلطة إن العلاقة بين المثقف والسلطة المستبدة يحكمها الشك، وعدم الثقة، والتناقض الدائم. وفي مواجهة آلة التدجين، تنقسم الفئة المثقفة إلى ثلاثة مواقف: فريق يرفض التطويع: فيواجه الإقصاء والتشريد والمنفى. فريق يلوذ بالصمت: انكفاءً وتوارياً اتقاءً للبطش. فريق تجرّه أساليب الإغراء: ليصبح أداة شرعية زائفة بيد السلطة. وتظل الكثرة المبدعة هائمة على وجوهها، بضمائر مثقلة ونفوس جريحة، بينما تبقى القاعدة المجتمعية مهمشة ومقصية من أي دور فاعل. مهام المثقف في المرحلة الراهنة ما دور المثقف في ظل هذا الوضع المأزوم؟ التواصل ووحدة الصف: ضرورة تلاحم المثقفين على قاعدة الثوابت الوطنية العليا، وتنسيق جهود الشتات بعيداً عن الطموحات النرجسية. نشر الوعي الديمقراطي: ترسيخ وعي وحدوي، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وبث روح التسامح الديني والعرقي. مواجهة منطق القوة: إن القناعات والأفكار لا تُهزم بالسجون والبطش، بل بالمنطق السليم والفكر الحر؛ فقوة المنطق لا تقابل بمنطق القوة. خاتمة: ضمير الأمة الحي المثقف الحقيقي هو ضمير أمته النابض، يعيش آلام الطبقات الكادحة والفقراء، ويغترف حبره من عرقهم ودموعهم، رافضاً تزييف الحقائق أو تضليل الجماهير. فالحق باقٍ لا يتغير باتفاق الناس أو اختلافهم، وإن تمكنت السلطة من إخفائه حيناً، فلن يختفي إلى الأبد. إن ثقافة الشتات اليوم، بمنابرها المنتشرة من القاهرة إلى لندن وكندا وأفريقيا والخليج وأمريكا، تمثل الحصن الأخير لمقاومة الرضوخ، وخط الدفاع الأول عن الماعون التاريخي للهوية السودانية من الاندثار. إنها دعوة صادقة للمثقف كي يوجه بوصلته نحو أوجاع الناس، ويقف بحزم في وجه الأنظمة الأحادية وصراع السياسة المدمر.
|
|