Post: #1
Title: حين تُقْلَبُ موازين العدالة: مَنْ يَعْفُو عَنْ مَنْ؟ كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 09-02-2026, 08:19 AM
08:19 AM September, 02 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
في زحمة الفاجعة التي ألمّت بوطننا، وبينما تجوب الملايين من أبناء الشعب السوداني آفاق الأرض شتاتاً ومهجَّرين، يُطالعنا قائد الجيش ومعه وزير عدله بحديثٍ يمجّه العقل وتنكره الفطرة السليمة؛ حديثٌ يتكرمون فيه بـ "عفوٍ مشروط" و"حصانةٍ إجرائية مؤقتة" لأصحاب الرأي والفكر كي يطأوا ثرى الوطن مشاركين في حوارٍ سياسي. إن هذا المسلك يضعنا أمام سؤالٍ وجودي وأخلاقي محوري: مَنْ يَعْفُو عَنْ مَنْ؟ هل الشعب السوداني المكلوم—الذي سُفكت دماؤه، وهُتكت حرماته، ونُهبت دياره، وتشرّد أبناؤه تحت ضربات المدافع ووطأة الانتهاكات—هو صاحب الحق الأصيل في العفو والقصاص؟ أم أن القائمين على أمر السلاح هم من يملكون منح الضحايا صكوك الغفران؟ كيف يستقيم ميزان العدالة حين يُصبح المظلوم مُتَّهماً يُعرض عليه الأمان، بينما تبسط السلطة ظلالها لتمنح العفو بقرارٍ إداري لمن لم يرتكب سوى "جُرم الكلمة والموقف"؟ تنجلي الوقاحة السياسية في هذا الإعلان حين نجد أن هذه الحصانة المزعومة "مؤقتة" ورهينةٌ بجدولٍ زمني ينتهي بانتهاء فعاليات الحوار؛ وكأن أمان المواطن وسيد الكلمة بات لعبةً إدارية، يتحول معها الوطن إلى ممرٍ آمنٍ لمسرحيةٍ صورية، تعقبها مقصلة البلاغات الكيدية بمجرد انفضاض السامر. إنها محاولة مكشوفة لإعادة شرعنة نظامٍ ورّث البلاد الفشل العريض؛ سلطةٍ لم تحصد على مدار السنوات الماضية سوى الحروب المشتعلة، والفقر المدقع، والجوع، وتشريد الملايين. كيف لمن استباح مقدرات الوطن وجرّ شعبه إلى قاع الهاوية أن ينصّب نفسه راعياً للعدالة وموزّعاً لصكوك الأمان؟ إن القوانين السليمة والشرائع السماوية لم تجعل من الفكر جريمة، بل مناط العقاب هو الفعل الإجرامي المشهود؛ من قتلٍ، وتشريدٍ، وسلبٍ، وتدمير. إننا كأبناء هذا الشعب الصابر، لا نطلب سوى عدالةٍ شاملة غير متجزئة؛ عدالةٍ لا تستثني طرفاً ولا تُحابي قوة. يجب أن يُساق إلى مقصلة القانون كلُّ من ارتكب جريمةً بحق هذا الشعب، سواءً من قيادة الجيش أو من مليشيا الدعم السريع. لا حصانة لقاتل، ولا تجاوز عن نهب، ولا سقوط لجرائم الحرب بالتقادم أو بالتسويات السياسية الشكليّة. إن الحوار الحقيقي والمستدام لا يبدأ بـ "منحٍ إدارية" أو فخاخٍ سياسية، بل يبدأ برد المظالم إلى أهلها، وخضوع جميع الأطراف المتصارعة لقصاص العدالة الوطنية. فالشعب وحده هو وليُّ الدم، وهو المالك الحصري لشرعية العفو أو المطالبة بالحساب.
|
|