حين يتجاوز الوطن حدود الجغرافيا كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر

حين يتجاوز الوطن حدود الجغرافيا كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر


09-01-2026, 02:03 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788224587&rn=0


Post: #1
Title: حين يتجاوز الوطن حدود الجغرافيا كتبه د. الهادي عبدالله أبوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 09-01-2026, 02:03 AM

02:03 AM August, 31 2026

سودانيز اون لاين
د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK
مكتبتى
رابط مختصر




٢٠٢٦/٠٩/٠١


قد لا يكون الشعر أحيانا كلاماً يقال وإنما بصيرة تسبق زمانها، نسمع القصيدة فنطرب لكلماتها، ثم تمضي السنوات فنكتشف أنها كانت ترى في الغد ما عجزنا عن رؤيته في الحاضر .

وهذا ما يجعل كلمات ابن فاشر السلطان حافظ عباس، تبدو في ظاهرها أغنية آسرة لكن في جوهرها رؤية لوطن يتجاوز الحدود المصطنعة.

(والله نحنّ مع الطيور، الما بتعرف ليها خرطة، ولا في إيدا جواز سفر، نمشي فى كل المدائن نبني عشنا بالغناوي وننثر الأفراح درر)

ثم تأتي كلماته (إلا باكر يا حليوة، لما أولادنا السُّمُر يبقوا أفراحنا البنمسح بيها أحزان الزمن)، وكأن ذلك (الباكر) لم يكن زمناً بعيدا، يوم وقف أولادنا السُّمُر (المشتركة)، مع إخوانهم في القوات المسلحة والقوات المساندة، يحملون معاً عبء الوطن، ويمسحون أحزان الزمن.

في المحن الكبرى تسقط حواجز الجغرافيا فعندما ننظر إلى أبطال الفاشر وأبناء الجنينة، وود النورة، ندرك أن المشتركة تجاوزت معناها العسكري لتغدو قيمةً وطنية وأخلاقية أعمق. إنها مشتركة في التضحية ومشتركة في الوجع ومشتركة في مسؤولية حماية الأرض والإنسان ومشتركة في الحلم بوطن واحد لا تمزقه الحدود ولا تُفرّقه الإختلافات السياسة.

حين يكون الوطن أكبر من المصالح والصراعات، تصبح التضحية من أجله أسمى معاني العطاء. قدّم هؤلاء الشباب أغلى ما يملك الإنسان (الروح) بذلوها لوطن أرادوا له أن يبقى واحداً تسع أرضه الجميع وتصان فيه كرامة الإنسان.

وطنٌ تتحقق فيه نبوءة الشاعر (والحبيبة تغنّي لينا لا هموم تسكن دروبنا ولا يلاقينا الخطر)، وطنٌ لا تتحول فيه التضحية إلى باب لفقد جديد، وإنما إلى جسرٍ نعبر عليه من الخوف إلى الأمان ومن الحرب إلى الحياة.

والطريق إلى ذلك الوطن لا تُختبر فيه قيمة الإنسان بقدرته على القتال وحدها، فالاختبار الأصدق يبدأ حين ينتصر على غريزة الانتقام ويحفظ إنسانيته في اللحظة التي يصبح فيها الآخر أسيراً أو عاجزاً.

في الميدان حين تضيق المسافة بين الإنسان وخصمه يصبح الحفاظ على الأخلاق أصعب من خوض المعركة نفسها. وفي الصحراء حين وجدوا مقاتلين أنهكهم العطش والجوع قدّموا لهم الماء والطعام وغلبت المروءةُ منطقَ القتال. وهنا تكتمل الشجاعة في معناها الأرفع. أن تقاتل بشرف حين يكون القتال واجباً وأن ترحم بشرف حين تصبح الرحمة ممكنة.

في الذاكرة، مكاوي، هنادي، محمد صديق ومهند واخوانهم، أسماءٌ ارتبطت بأشد لحظات الحرب قسوة أبطال المصفاة، الإذاعة والتلفزيون، كبري حنتوب، ارياف كردفان وقرى الجزيرة، وكل موقع وقفوا فيه دفاعاً عن الوطن. اختلفت مواقعهم وتباينت ظروف رحيلهم، غير أن ما جمعهم أعمق من المكان. أن يبقى الوطن لأبنائه وأن تظل أرضه أوسع من خلافاتهم وأبقى من صراعاتهم.

فاختزال هؤلاء الشباب في تجاوزات فردية ارتكبها بعض المنفلتين، أو من يدّعون الانتساب إليهم ظلمٌ للحقيقة قبل أن يكون ظلماً لهم. فالعدل يقتضي أن يُنسب الفعل إلى فاعله وأن يُحاسَب المخطئ على ما اقترفت يداه دون أن يُحمَّل الجميع وزر من خرج على القانون أو تجاوز حدود الانضباط.

ومن يحاول طمس قيمة هذه التضحيات بأفعال قلة لن يستطيع، فالذاكرة الوطنية أوسع من حملات التشويه، والتاريخ حين تهدأ الأصوات لا يحتفظ بالضجيج، وإنما بما بذله الناس من أعمارهم ودمائهم ثمناً لما آمنوا به.

هؤلاء الشباب لم يذهبوا إلى الميدان بحثاً عن وطنٍ خاص بهم، ذهبوا دفاعاً عن وطن يرونه ملكاً للجميع. عندهم أم في الفاشر، وأب في الأبيض، وأخ في أم درمان، وأخت في مدني، وابن في عطبرة، وبنت في بورتسودان، أسرةٌ واحدة تتوزع على امتداد الوطن من أقصى الشمال إلى أقصى الغرب ومن الشرق إلى الوسط.

التضحية أن يفنى الإنسان ليبقى الوطن لا أن يُفنى الوطن ليبقى فردٌ أو جماعة.

لا يُبنى الوطن حين تتغلب هوياتنا الصغيرة على انتمائنا الأكبر، فحين تصبح القبيلة أو الجهة أو السلاح أقرب إلى الإنسان من الدولة، يتحول التنوع من ثراء إلى متاريس. الوطن الذي استُشهدوا من أجله يتسع لاختلاف أبنائه ويحوّل تنوعهم إلى قوةٍ للتكامل لا ذريعةً للتناحر.

إذا كانت المشتركة قد جمعت رجالاً في ساحات القتال، فإن الوطن يحتاج إلى مشتركةٍ أوسع. إرادة وطنية تجمع أبناءه حول قيمة الإنسان وحرمة الدم وكرامة المواطن، وسيادة القانون ووحدة الأرض وحق الجميع في وطن آمن وعادل.

وطنٌ لا يُسأل فيه الفرد إلى أي قبيلةٍ تنتمي، ولا من أي جهةٍ أتيت ولا إلى أي دين تنتسب يكفي أن تكون سودانياً. وهنا يعود صوت الشاعر من بعيد (نمشى فى كل الدروب الواسعة ديك والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن)

كأن القصيدة لم تكن تحلم بمدينة أو قرية، وإنما كانت تحلم بإنسان حرّ من خوفه وعصبيته وحدود الوهم، (إيدى فى إيدك نغنى) يدرك أن الوطن لا يحتاج أبناءً يتقاتلون على امتلاكه، وإنما أبناءً يتشاركون في حمايته وبنائه .

وفي الختام لا ينبغي أن تتحول دماء الذين ضحوا إلى وقود لحرب جديدة، وإنما إلى عهد أخلاقي يضع حداً للحرب، تورثنا مسؤوليةَ البناء لا ضغينةَ الثأر، وتجمعنا حول وطن يستحق ما بُذل من أجله وطن لا عنصرية فيه ولا كراهية يكون فيه الانتماء إلى الوطن فوق كل انتماء وتبقى فيه قيمة الإنسان أسمى من أي راية.
abudafair@hotmail.com