تعليق على حوار النشبة كتبه د. الوليد آدم مادبو

تعليق على حوار النشبة كتبه د. الوليد آدم مادبو


08-31-2026, 02:33 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788183187&rn=0


Post: #1
Title: تعليق على حوار النشبة كتبه د. الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 08-31-2026, 02:33 PM

02:33 PM August, 31 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






المنشوب (أو المهبوش) في اللغة العامية هو من استوطن الوهم عقله، أو أصابه الهَبَش السياسي، فأصبح يرى الواقع من خلال ما يتمنى أن يكون، لا ما هو كائن. ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما يجري حول ما سُمّي بحوار واللجنة التي اختارها البرهان.

ما يجري، في حوار النشبة، ليس أكثر من محاولة من بعض النخب الأم درمانية لاستنقاذ «دولة الأفندية»؛ تلك الدولة التي ظل المركز فيها، لعقود طويلة، يحتكر تعريف الوطن ومصالحه، ثم يختار من يمثله ومن يتحدث باسمه، قبل أن يدعو بقية السودان إلى حوار تُرسم حدوده ومقاعده من فوق.

غير أن المشكلة أن السودان الذي تحاول هذه النخب استنقاذه لم يعد موجوداً.

فالحرب لم تغيّر السلطة وحدها، وإنما غيّرت خريطة السودان السياسية والاجتماعية والجغرافية. لم يعد هناك مركز واحد يمكن أن يعاد إليه كل شيء، بل تشظى مركز الثقل إلى قوى متعددة، لكل منها أرض ومصالح وأدوات تأثير. ولذلك فإن استدعاء الوجوه القديمة لإدارة حوار جديد يشبه محاولة إصلاح خريطة بعد أن تغيرت الجغرافيا نفسها.

ومن هنا أرى أن التركيز على أعضاء اللجنة، رغم مشروعية نقد بعضهم، يريحنا من السؤال الأهم: هل يصلح هذا النوع من الحوار أصلاً لمخاطبة السودان الجديد؟

المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في الفجوات التي تحيط بالمشروع كله.

فثمة أزمة شرعية: الدولة القديمة فقدت جانباً كبيراً من شرعيتها، لكن سقوط شرعية القديم لا يعني أن طرفاً آخر ورثها تلقائياً. وثمة انكشاف إقليمي: عجز القوى السودانية عن إنتاج رؤية مستقلة جعل الخارج شريكاً في تحديد مسارات الأزمة. وثمة غياب للرؤية الاستراتيجية: لا يبدو أن القوى الرئيسية تملك مشروع دولة يتجاوز حسابات البقاء والنفوذ والرعاية الخارجية.

وحين تغيب الرؤية، تضعف المؤسسات، وحين تضعف المؤسسات، يصبح الانتماء والولاء والسلاح أكثر تأثيراً من القواعد السياسية. وهكذا تتحول أزمة الدولة إلى أزمة اجتماعية أيضاً، ويجد المواطن نفسه خارج المعادلة، بينما تتنقل النخب بين عواصم التفاوض بحثاً عن مواقعها وضماناتها.

لكن الفجوة الأكثر وضوحاً في اللجنة الحالية هي فجوة التمثيل.

فالوزن التاريخي أو الإعلامي لا يساوي بالضرورة وزناً سياسياً أو اجتماعياً على الأرض. ومن يملك القدرة على الحديث عن السودان ليس بالضرورة من يملك القدرة على تنفيذ ما يُتفق عليه. ولذلك لا بد من التمييز بين أصحاب المصلحة وأصحاب الرأي.

لا غنى عن الأكاديميين والخبراء والتكنوقراط؛ فهم يمنحون الحوار المعرفة والرؤية. لكنهم لا يستطيعون أن يحلوا محل القوى الاجتماعية والسياسية التي تملك القدرة الفعلية على إنفاذ الاتفاقات. الحوار الناجح يحتاج إلى الاثنين، لكن لا يجوز الخلط بين أدوارهما.

ولهذا لا أرى أن معركتنا الحقيقية ينبغي أن تكون مع أعضاء اللجنة، وإن كان نقدهم مشروعاً. المعركة مع الفكرة التي أنتجت اللجنة.

فإذا كان الهدف هو إعادة النخبة القديمة إلى مواقعها وترميم «دولة الأفندية»، فلن تنقذها كثرة اللجان ولا براعة المتحدثين. أما إذا كان الهدف بناء سلام مستدام، فعلينا أن نعترف أولاً بأن السودان قد تغيّر، وأن من يتحدثون باسمه يجب أن يعكسوا هذا التغير.

لقد جرّبنا الحوارات النخبوية والصيغ والوجوه والاتفاقيات، وكانت النتيجة في كل مرة تأجيل الأزمة حتى تعود بصورة أكثر عنفاً.

وقديماً قيل:

«من جرّب المجرَّب، عقله مخرَّب.»

ليس المطلوب أن نجرّب المجرّب مرة أخرى، بل أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن ما نجح بالأمس لم يعد بالضرورة صالحاً لليوم.

وإذا كان لا بد من إنقاذ شيء، فليست «دولة الأفندية» هي ما ينبغي إنقاذه؛ بل الدولة السودانية نفسها.

والفرق بين الاثنين هو، في جوهره، الفرق بين استعادة الماضي وبناء المستقبل.

د. الوليد آدم مادبو