Post: #1
Title: نبيل أديب المحامي ومتلازمة الإعاقة الأخلاقية كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 08-31-2026, 02:29 PM
02:29 PM August, 31 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
يا للعار… ويا للفضيحة! فرض علينا هذا الزمن أن نعيش عصر الرجولة المخصية، والذاكرة المثقوبة، والأنيميا اللغوية الحادة؛ عصر أصبح فيه الكذب خطاباً، والنفاق سياسة، والزيف حقيقة مصنّعة، وأصبح تبديل المواقف أمراً عادياً ما دام صاحبه يجيد العثور على الكلمات التي تبرر انتقاله من ضفة إلى أخرى.
لكن بعض المواقف لا تحتاج إلى تفسير طويل، بل تحتاج فقط إلى أن نضع الأمس بجوار اليوم. الأستاذ نبيل أديب كان رئيساً للجنة التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي، وهي اللجنة التي تولت التحقيق في واحدة من أكثر جرائم المرحلة الانتقالية إثارةً للجدل والألم. وقد أعلن أديب بنفسه أن اللجنة حققت مع أعضاء المجلس العسكري، ومن بينهم الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
واليوم، يصبح الرجل مستشاراً للبرهان. فكيف يستقيم هذا عقلاً؟ لسنا هنا بصدد مناقشة حق المحامي في اختيار موكله؛ فهذا حق مهني أصيل. ولسنا بصدد إصدار حكم قضائي على أحد. لكننا نتحدث عن المعنى السياسي والأخلاقي للمشهد: كيف ينتقل من كان بالأمس على رأس لجنة تحقق في قضية كان البرهان، بحكم موقعه القيادي آنذاك، أحد أبرز من شملهم التحقيق، إلى موقع المستشار للبرهان نفسه؟
هل كانت لجنة التحقيق مجرد وظيفة انتهت بانتهاء التكليف؟ وهل يمكن للمواقف التي اتخذها رئيس اللجنة آنذاك أن تُمحى بمجرد أن تتغير المواقع؟ هل تغيرت الحقيقة… أم تغيرت المصالح؟ هذا هو السؤال الذي سيظل يطارد المشهد، مهما كثرت التبريرات.
لقد قيل لنا يومها إن القانون فوق الجميع، وإن المناصب لا تحمي أحداً، وإن اللجنة تبحث عن الحقيقة. واليوم، حين يجد السودانيون الشخص ذاته في موقع قريب من السلطة التي كانت موضع التحقيق، فمن حقهم أن يسألوا: أين انتهت مهمة المحقق وأين بدأت مهمة المستشار؟ وأين تقف المهنة وأين تبدأ السياسة؟
إن القضية ليست في حق أديب في ممارسة المحاماة، وإنما في رصيده الأخلاقي والمهني أمام الرأي العام. فالشخصية العامة لا تملك رفاهية التعامل مع ذاكرتها كما يتعامل السياسي مع بيان قديم؛ تمسحه حين لا يعود مناسباً، ثم يكتب بياناً جديداً.
والسودانيون ليسوا بهذه السذاجة. ذاكرة هذا الشعب أطول من ذاكرة السياسيين، ودماء ضحايا القيادة العامة ليست تفصيلاً يمكن دفنه تحت ركام التصريحات. أولئك الذين جلسوا في الاعتصام، والذين فقدوا أبناءهم، والذين انتظروا العدالة، لا يرون القضية لعبة كراسي في “كتشينة حريق” سياسية: اليوم محقق، وغداً مستشار، وبعد غدٍ ربما يصبح الجميع حلفاء!
لا يا سادة… الدم لا يبدّل مواقعه بتبدل الكراسي. وأتذكر اليوم ذلك المشهد الذي أثار غضب كثيرين، حين تحدثت فتاة نابهة مع الأستاذ أديب بلهجة حادة، فاستنكر كل من شهد المقطع المصور أسلوبها، وكنت واحداً ممن رأوا أن احترام سن الرجل ومكانته القانونية واجب حتى في لحظات الغضب. لكن الزمن علّمنا أن الفتاة كانت محقة في غضبها وأن الاحترام لا تصنعه الألقاب وحدها. الاحترام تصنعه المواقف.
والمحامي لا يحمي هيبة مهنته بالعباءة القانونية وحدها، وإنما باستقلال موقفه، وبقدرته على أن يقول لا حين يصبح قول نعم أكثر ربحاً وأسهل طريقاً. ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل يحق لنبيل أديب أن يكون مستشاراً للبرهان؟ بل السؤال الأكثر قسوة: ماذا بقي من المسافة بين المحقق والمتهم؟
وماذا بقي من المسافة بين القانون والسلطة؟ وماذا بقي من المسافة بين الموقف والمصلحة؟ نحن لا نريد شتيمة الرجل ولا مصادرة حقه المهني، لكننا نريد تفسيراً واضحاً يحترم عقول السودانيين. نريد أن نفهم كيف يمكن لرجل كان في قلب واحدة من أهم قضايا العدالة في الثورة أن يجد نفسه اليوم في موقع قريب من أحد أبرز أركان السلطة التي قامت الثورة ضدها.
فالقضية أكبر من نبيل أديب والبرهان معاً. إنها قضية معنى العدالة في السودان. ماذا يعني أن يكون القانون مستقلاً إذا كان رجاله يتبدلون بتبدل مواقع السلطة؟ وماذا يعني أن نقول للشباب إن العدالة ستأتي، ثم يرون الوجوه ذاتها تنتقل من مقاعد التحقيق إلى مقاعد المشورة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في بلد مثل السودان ليس أن يفشل السياسيون، وإنما أن يفقد الناس ثقتهم في الذين يتحدثون باسم القانون. وحين تفقد العدالة ثقة الناس، لا يعود الخطر في سقوط قضية واحدة؛ بل يصبح الخطر في سقوط الفكرة كلها.
ولذلك فإن المسألة لا تنتهي عند أديب، ولا تبدأ عند البرهان. المسألة هي: هل لا تزال للمواقف حرمة؟ وهل لا تزال للمهنة شرف؟ وهل لا تزال للعدالة ذاكرة؟ فالسلطة تتغير، والمناصب تزول، واللجان تنتهي، لكن المواقف لا تموت.
وإذا كان التاريخ لا يحاكم الناس على ما قالوه فقط، بل على ما فعلوه عندما تغيرت الظروف، فإن السؤال الذي سيبقى معلقاً فوق هذه المرحلة كلها هو: حين تغيّرت الكراسي… هل تغيّرت الحقيقة أيضاً؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى لجنة تحقيق جديدة. يكفي أن تجيب عنه المواقف.
Sent from Outlook for iOS
|
|