Post: #1
Title: دعوة للحوار أم دعوة لشرعنة الجريمة* ؟ كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 08-31-2026, 02:24 PM
02:24 PM August, 31 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
*
عندما يوجه من أشعل الحرب نداءً للحوار، لا ينبغي أن ننظر إلى الشعار بمعزل عن الواقع الذي يقام فيه. فالحوار ليس كلمة، بل هو عملية لها شروطها وسياقها، ولا تكتسب معناها إلا ممن يدعو إليه، وبأي صفة، وعلى أي أساس؟ وقبل أن نتحدث عن أي حوار، لا بد أن نسأل: أين نضع أرواح شهداء ثورة ديسمبر؟ هل ننسى من سقطوا في الميادين وهم يهتفون: «حرية، سلام، وعدالة.. الثورة خيار الشعب»؟ هل ننسى جريمة فض الاعتصام أمام القيادة العامة؟ هل ننسى انقلاب مجرم الحرب برهان على حكومة الثورة؟ هل ننسى إشعاله لهذه الحرب اللعينة التي مزقت الوطن وأهلكت الناس؟ هل ننسى استخدامه للأسلحة الكيماوية في حرب أشعلها لتعطيل مسار التحول المدني والديمقراطي؟ هل نتجاهل المسيرات التي تمطر المدن والقرى بالموت يومياً؟ هل نجلس بعد ذلك مع من دمر الوطن وقتل الأبرياء بدم بارد؟ ألا يُعد تجاوز هذه الجرائم خيانة للثورة نفسها ولشهدائها الأبرار؟ إن الذين يهرولون لتلبية دعوة المجرم برهان قد سقطوا في مزبلة التاريخ. إذا لم نحمِ دماء من سقوا أرضنا شرفاً وعزاً، فلا عزة ولا شرف فينا. إذا كان من يدعو للحوار هو من أشعل هذه الحرب، ومن ما زال يديرها ويواصل تدمير البلاد وتشريد أهلها، ويستخدم أسلحة محرمة وأدوات قتل جماعي، فإن الدعوة في حد ذاتها ليست محاولة لإنهاء المعاناة، بل محاولة لتعميق الأزمة ومفاقمة المعاناة. الحرب ما زالت مستمرة، والدماء تسفك، والمناطق تُدمر، والتهجير قائم، والمؤسسات تنهار، والمسيرات تقتل المدنيين العزل كل يوم. هذه ليست دعوة للحوار، بل وقاحة منقطعة النظير تستفز من دفع الثمن ووقع عليه الضرر. إن الحوار الذي يُقام في ظل استمرار العدوان واستخدام كل أنواع الأسلحة الفتاكة لا يُنتج سلاماً عادلاً، بل يُرسّخ منطقاً خطيراً، وهو أن من يرتكب الجرائم يمكنه بعد ذلك أن يطلب الجلوس ليتفاوض على كيفية إدارتنا لما أفسده. وهذا هو بالضبط ما فشلت فيه تجارب السودان السابقة: حيث كانت الحلول تُفرض على من عانى، وتُقام على حساب العدالة والحقوق، فسرعان ما تتفكك وتنفجر من جديد. الحوار الحقيقي يتطلب شروطاً لا يمكن التنازل عنها: وقف فوري لإطلاق النار، ووقف فوري لاستخدام الأسلحة المحرمة والمسيرات وكل ما يقتل المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والالتزام بعدم فرض أي واقع ناتج عن استمرار القتال كأساس للحل. وبدون هذه الشروط، فإن الدعوة ليست طريقاً للسلام، بل هي محاولة لتهيئة الأجواء لقبول ما لا يجب أن يُقبل: أن يُعامل المجرم وكأنه طرف ندّ للضحايا، ويُطلب ممن تضرر أن يتفاوض على حقوقه مع من سلبها. الشعب السوداني لا يبحث عن حوار يشرعن جريمة الحرب، بل يبحث عن حوار يوقف المعاناة، ويُعالج ما ارتُكب، ويمنع تكرار المأساة. الفرق شاسع بين دعوة نجلس فيها لنتجاوز الجريمة وكأنها لم تكن، وبين حوار نجلس فيه لكي نضمن محاسبة من تسبب في الكارثة، وتعويض من تضرر، وعدم تمكين المجرمين من الإفلات من المحاسبة والمحاكمة في الساحات العامة حتى يكونوا عظة وعبرة لمنتهكي حقوق الإنسان. ليس كل من قال «حوار» داعياً للسلام. السلام لا يتحقق بالتضليل، وإنما بالصدق والأفعال والوقائع على الأرض. هل توقف القتل في السودان؟ أم أن الدعوة مجرد جولة أخرى في مسار طويل من المناورات والمراوغات والخداع، الذي لا يخدم إلا من يريد الهروب من المسؤولية؟ إن الحوار الذي نريده ليس حواراً بين من أشعلوا الحرب وجنوا فوائدها أمثال مسلمية الكذاب مندوب مبيعات مجرم الحرب برهان «الحارث إدريس» وبقية التيوس والمخانيس، بل هو حوار وطني شامل يُعيد للشعب إرادته وصوته وقراره، ويكون للضحايا ولأسر الشهداء ولكل من تعرضوا للضرر فيه الكلمة الأولى والأخيرة. أما الدعوة التي تُطرح الآن، فهي محاولة لقول: لقد تسببنا في كل هذا الدمار، وقتلنا وشردنا، واستخدمنا كل وسائل القتل، والآن هيا بنا نناقش كيف نعيش معه. وهذا ليس حواراً، بل هو وقاحة لا نظير لها: أن يُطلب من المتضرر أن يتفاوض مع من أضر به، وكأن الجريمة مجرد خلاف يمكن التوفيق بينه. لا يمكن للمجرم أن يفرض شروطه على من وقع عليه الضرر. لا يمكن لمن دمر الوطن وارتكب كل هذه الجرائم أن يحدد جدول أعمال من يريد إعادته. والطريق الصحيح ليس القبول بالأمر الواقع، بل وقف العدوان، ووقف كل أنواع الأسلحة المحرمة أولاً، ثم محاسبة من تسبب في كل هذه الجرائم، ثم بناء مستقبل لا يُفرض *بالسلاح وشراء الذمم بالدولارات والريالات* ، بل بإرادة وطنية حرة غير ملوثة بالمال الحرام الذي يسرق من الخزينة العامة وبعضه الآخر مدفوع من جهات تريد قتل الثورة. الطيب الزين كاتب وباحث في القيادة والإصلاح المؤسسي
|
|