Post: #1
Title: الأمراض المزمنة التي أدت إلى إنهيار دولة 56 كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 08-30-2026, 05:51 PM
05:51 PM August, 30 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
*الأمراض المزمنة التي أدت إلى إنهيار دولة 56* بناء السودان الحديث لن يتحقق ما لم يتم فهم أسباب الفشل. فالأمم لا تتقدم بالشعارات ولا بإعادة إنتاج السرديات القديمة، وإنما بالمراجعة النقدية لتجاربها التاريخية واستخلاص الدروس منها. إن الأزمة السودانية ليست نتاج حدث واحد أو نظام سياسي بعينه، بل هي حصيلة تراكمات طويلة من الاختلالات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي أعاقت بناء الدولة الوطنية الحديثة منذ الاستقلال. وفي تقديري فإن انهيار دولة ما بعد الاستقلال يمكن تفسيره من خلال تسعة عوامل رئيسية شكلت مجتمعة الأمراض المزمنة التي قادت إلى الأزمة الوطنية الراهنة: ١. الطائفية السياسية مثلت الطائفية السياسية أحد أكبر معوقات بناء الدولة الوطنية الحديثة. فقد ظلت الأحزاب الكبرى مرتبطة بمرجعيات طائفية وزعامات تقليدية أكثر من ارتباطها بمشروع وطني قائم على المواطنة والمؤسسات. وأدى الصراع المستمر بين القوى الطائفية إلى إضعاف التجربة الديمقراطية وتقديم المصالح الحزبية والطائفية على المصالح الوطنية العليا. ٢. هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية أدى ضعف النظام السياسي والصراع المستمر بين القوى المدنية إلى فتح الباب أمام تدخل المؤسسة العسكرية في الحكم. ومنذ انقلاب 1958 تحول الجيش من مؤسسة وطنية مهمتها حماية البلاد والشعب إلى فاعل سياسي رئيسي يتدخل بصورة متكررة في تقرير مصير الدولة. وهكذا أصبحت الانقلابات العسكرية جزءاً من المشهد السياسي السوداني وأحد أسباب تعطيل المسار الديمقراطي. ٣. صعود الإسلام السياسي وتسييس الدين شهد السودان صعوداً متدرجاً للإسلام السياسي انتهى بالاستيلاء على السلطة في عام 1989. وقد أدى توظيف الدين في الصراع السياسي إلى إضفاء غطاء أيديولوجي على الاستبداد وإقصاء الخصوم وتعميق الانقسام الوطني. وكان من أخطر نتائج هذه التجربة إضعاف مؤسسات الدولة وتوسيع دائرة الحرب والفساد وتراجع الثقة في المجالين السياسي والديني معاً. ٤. غياب العقد الاجتماعي والدستور التوافقي الوطني فشل السودانيون منذ الاستقلال في التوصل إلى دستور دائم يعبر عن توافق وطني شامل ومستدام. وظلت الدولة تدار عبر ترتيبات مؤقتة وتحالفات هشة وصراعات متكررة حول الهوية ومصادر الشرعية. وأدى ذلك إلى إضعاف سيادة القانون وتغليب الولاءات الطائفية والحزبية والجهوية على مفهوم المواطنة المتساوية. ٥. الإرث الاستعماري غير المعالج ورث السودان عند الاستقلال دولة غير متوازنة من حيث التنمية والخدمات والبنية التحتية. ولم تنجح الحكومات الوطنية المتعاقبة في معالجة هذه الاختلالات بصورة جذرية وعادلة. فاستمرت الفجوة التنموية والهيكلية بين المركز والأطراف، وتعزز الشعور بالتهميش والاغتراب في عدد من الأقاليم. ٦. البنية الاقتصادية غير العادلة رغم الموارد الطبيعية والبشرية الضخمة التي تمتلكها البلاد، ظل الاقتصاد السوداني قائماً على اختلالات هيكلية عميقة. فقد تركزت الثروة والخدمات والاستثمارات في مناطق محددة، بينما بقيت أجزاء واسعة من البلاد خارج دائرة التنمية. وتحولت السلطة السياسية في كثير من الأحيان إلى وسيلة للسيطرة على الموارد وتوجيهها لخدمة فئات ومناطق محددة، بدلاً من أن تكون أداة لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية الشاملة. ٧. التدخلات الإقليمية والدولية لم تكن الأزمة السودانية معزولة عن محيطها الخارجي. فقد شهدت البلاد عبر مراحل مختلفة تدخلات إقليمية ودولية أثرت مباشرة على الصراعات الداخلية ومسارات الحكم. وأسهمت هذه التدخلات في إضعاف القرار الوطني المستقل وتعقيد الأزمات، وربطت بعض القوى السياسية والعسكرية بأجندات خارجية متعارضة لا تتفق دائماً مع المصلحة الوطنية العليا. ٨. انتهازية بعض النخب السياسية والثقافية كان من المفترض أن تضطلع النخب السياسية والثقافية بدور ريادي وقيادي في بناء مشروع وطني حديث. غير أن جزءاً منها انحاز في مراحل مختلفة إلى السلطة العسكرية أو الطائفية أو الأيديولوجية، بدلاً من الانحياز إلى قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والمواطنة. كما انشغلت قطاعات واسعة من النخب بالصراع على السلطة وتقاسم المناصب، أكثر من انشغالها ببناء الدولة وإنتاج رؤية وطنية جامعة. ٩. انتهازية بعض نخب الهامش وإعادة إنتاج الأزمة رغم عدالة مطالب الهامش ومشروعية النضال ضد التهميش والظلم، فإن التجربة السودانية أفرزت أيضاً قيادات وتنظيمات حولت قضية الهامش في بعض الأحيان إلى وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة والمكاسب الشخصية. ويظهر ذلك في العدد الكبير من الانقسامات والحركات المسلحة التي شهدتها الأقاليم المختلفة. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل واحد: فمن جهة، مارست السلطة المركزية سياسات قائمة على الاحتواء والتفكيك وتشجيع الانقسامات لإضعاف خصومها ومنع تشكل جبهة موحدة تمثل الهامش. ومن جهة أخرى، ساهمت الطموحات الشخصية وضعف المؤسسية والصراعات القيادية في إضعاف المشروع السياسي لقوى الهامش، وتحويل جزء من الصراع من مواجهة عادلة مع المركز إلى صراعات داخلية بين مكونات الهامش نفسها. ومع ذلك، يبقى الفرق واضحاً بين مسؤولية المركز عن بنية التهميش، وبين أداء النخب التي انتهزت معاناة الناس لخدمة مصالحها الخاصة. إن هذه العوامل التسعة لم تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تفاعلت وتشابكت عبر عقود طويلة لتنتج أزمة بنيوية عميقة في الدولة السودانية. وكانت النتيجة استمرار الحروب وتفاقم التهميش وانفصال جنوب السودان وتكرار الانقلابات وتآكل مؤسسات الدولة وتراجع فرص الاستقرار والتنمية. لقد فشلت النخب السودانية بمختلف اتجاهاتها في إنجاز المهمة التاريخية المتمثلة في بناء دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون. وبدلاً من ذلك استمرت الصراعات على السلطة وتراكمت المظالم حتى وصلت البلاد إلى أعمق أزماتها. إن تجاوز هذه الحلقة المفرغة لا يقع على عاتق النخب وحدها، بل هو مسؤولية الشعب الذي أثبت مراراً — في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018 — أنه يملك الإرادة والقدرة على التغيير. ويتطلب هذا التغيير بناء دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واستقلال المؤسسات والتوزيع العادل للسلطة والثروة والتنمية بين جميع أقاليم السودان، على أن يحتفظ كل إقليم بنسبة 80% من موارده لصالح التنمية فيه، وتذهب نسبة 20% للحكومة الاتحادية لتمويل المشاريع المشتركة والخدمات الوطنية. دولة تقوم على الشراكة الوطنية الحقيقية، لا على الهيمنة ولا على الامتيازات التاريخية ولا على احتكار القرار السياسي أو الاقتصادي. دولة تعترف بالتنوع السوداني وتجعله مصدر قوة ووحدة واستقرار، وليس مصدر انقسام وتناحر. كلمة إخيرة في بريد تحالف تأسيس تعلموا من أخطاء الماضي، البدايات الخاطئة تقود الى نتاج خاطئة. السودان الجديد لن يولد من رحم المركزية والاستبداد، وإنما من مشروع وطني جامع يؤسس لدولة عادلة تتسع لجميع أبنائها، وتشارك فيها الأقاليم كافة بصورة متساوية في صناعة المستقبل. مستقبل يُبنى على العدالة لا على المحاصصة، وعلى المؤسسات لا على الأفراد، وعلى المواطنة لا على الولاءات الضيقة. الطيب الزين كاتب وباحث في القيادة والإصلاح المؤسسي
|
|