Post: #1
Title: الحوار أم التفاوض؟ معركة السودان القادمة حول الدولة لا السلطة! من احتكار "الفضاء المدني او العسكري"
Author: خالد كودي
Date: 08-30-2026, 09:29 AM
09:29 AM August, 30 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
الحوار أم التفاوض؟ معركة السودان القادمة حول الدولة لا السلطة! من احتكار "الفضاء المدني او العسكري" إلى الاعتراف بواقع القوى ومشروع إعادة تأسيس الدولة
29/8/2026 خالد كودي، بوسطن
مقدمة: ليست المشكلة في غياب الحديث، بل في تعريف من يتحدث مع من، وعن ماذا. تواجه محاولات إنهاء الحرب السودانية مشكلة مفاهيمية وسياسية عميقة: يجري استخدام كلمات الحوار، والتشاور، والتفاوض، والتسوية، والعملية السياسية، والسلام كما لو كانت مترادفات. لكنها ليست كذلك. ولكل واحدة منها وظيفة مختلفة، وأطراف مختلفون، وشروط نجاح مختلفة. وهذا الخلط ليس لغوياً فحسب. إنه جزء من الصراع حول من يملك تعريف الأزمة السودانية، ومن يمثل السودانيين، ومن يملك حق الجلوس إلى أي طاولة، وما الذي يجوز التفاوض حوله أصلاً. فالحرب السودانية الراهنة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية يمكن إنهاؤها بترتيبات لوقف إطلاق النار، كما أن الأزمة السودانية لم تبدأ في 15 أبريل 2023. نحن أمام طور جديد من أزمة تاريخية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هويتها، ومركز السلطة فيها، وعلاقة الدين بالدولة، وتوزيع الأرض والثروة، وشكل الحكم، وطبيعة المؤسسة العسكرية، ومعنى المواطنة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والعدالة عن الجرائم التاريخية، وحق الشعوب في اختيار شكل علاقتها بالدولة. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس فقط: كيف نوقف الحرب؟ بل أيضاً: أي دولة نريد أن تنتج عن السلام؟ وهنا يقع الفرق بين سلام يعيد ترميم السودان القديم، وسلام يعيد تأسيس السودان على عقد اجتماعي جديد.
تتحرك الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب في السودان حالياً عبر آليتين رئيسيتين. الرباعية الدولية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، طرحت في سبتمبر 2025 خارطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية، تليها ترتيبات لوقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقال سياسي تقود إلى حكم مدني. أما الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي، وإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، فتركز بصورة أكبر على المسار السياسي والمدني. وقد أجرت منذ يونيو 2026 مشاورات مع قوى سودانية متعددة بهدف الإعداد لحوار سياسي وتشكيل آلية تحضيرية له. غير أن الخلاف لم يعد متعلقاً بمضمون السلام وحده، بل بـتصميم العملية السياسية ذاتها: من يختار المشاركين؟ وبأي معايير؟ ومن يحدد جدول الأعمال؟ ومن يملك حق تعريف وتمثيل "القوى المدنية"؟ وقد برز هذا الخلاف في اعتراض بعض القوى، ومنها "صمود" و"تأسيس"، على منهج اختيار المشاركين في بعض مشاورات الخماسية. وهذه ليست تفاصيل إجرائية؛ ففي عمليات السلام، تصميم الطاولة جزء من تصميم النتيجة. فمن يحدد من يجلس إليها يسهم، منذ البداية، في تحديد طبيعة السلام الذي يمكن أن تنتجه.
ثانياً: ما الحوار؟ في أدبيات بناء السلام، لا يعني الحوار مجرد اجتماع أطراف مختلفة أو تبادل الآراء بينها، بل هو عملية معرفية وعلاقية وسياسية تهدف إلى بناء فهم مشترك للأزمة وتغيير طبيعة العلاقات بين الأطراف المتنازعة. ويرى الكثير من الدبلوماسيين ومنظّري "الحوار المنتج"، أن الحوار عملية ممتدة تمكّن المشاركين من إدخال تجارب الآخرين ومخاوفهم ومصالحهم في فهمهم للمشكلة، حتى مع استمرار الاختلاف بينهم. وعليه، ليست وظيفة الحوار بالضرورة الوصول إلى اتفاق أو توقيع تسوية، وإنما خلق مساحة يستطيع فيها السودانيون، بمختلف مجتمعاتهم وقواهم السياسية والمدنية، فهم تجارب بعضهم بعضاً، والاستماع إلى الروايات التاريخية التي جرى تهميشها أو إسكاتها، وإعادة التفكير في معنى الدولة والمواطنة والانتماء الوطني. فالحوار السوداني الحقيقي ينبغي أن يطرح أسئلة من قبيل: كيف وصل السودان إلى أزمته الراهنة؟ ما المظالم التاريخية التي أنتجت الحروب؟ كيف تفهم المجتمعات المختلفة الدولة وعلاقتها بها؟ وما شروط المواطنة المتساوية التي تجعل الجميع يشعرون بأنهم شركاء في الوطن لا جماعات خاضعة لسلطة مركزية بعيدة عنهم؟ بهذا المعنى، لا يبدأ الحوار الحقيقي بالبحث عن صفقة سياسية جاهزة، بل بإنتاج معرفة مشتركة بالأزمة وأسبابها، وبناء الحد الأدنى من الثقة والفهم المتبادل الذي يسمح لاحقاً بصياغة حلول قابلة للاستمرار.
ثالثاً: ما التفاوض؟ يختلف التفاوض عن الحوار من حيث الوظيفة والأطراف والنتائج المتوقعة. فالتفاوض هو عملية منظمة بين أطراف تمتلك مصالح ومطالب محددة، ولديها القدرة على اتخاذ القرار والقبول أو الرفض والالتزام بما يتم الاتفاق عليه وتنفيذه. وهدفه الوصول إلى اتفاق عملي بشأن قضايا محددة تتعارض أو تتقاطع حولها مصالح الأطراف. Getting to Yes وفي كتابهم الكلاسيكي يميز روجر فيشر ووليام يوري وبروس باتون بين المواقف التي يعلنها الأطراف، والمصالح الكامنة وراءها، ويطرحون "التفاوض القائم على المبادئ" بوصفه منهجاً يبحث عن المصالح الفعلية، والخيارات الممكنة، والمعايير الموضوعية التي يمكن أن يقوم عليها الاتفاق. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحوار والتفاوض. فالحوار يمكن أن يضم الفنانين والأكاديميين والنازحين واللاجئين والنساء والقيادات المجتمعية والقوى المدنية والسياسية بهدف توسيع الفهم وبناء الثقة والرؤية المشتركة. أما التفاوض فيتطلب أطرافاً تملك الصفة والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار وتنفيذ ما تتفق عليه. فالتفاوض على وقف إطلاق النار، مثلاً، يجب أن يجري بين القوى التي تملك القوات والسلاح وسلطة إصدار الأوامر بوقف القتال؛ فلا تستطيع مجموعة مدنية أو نخبة من المثقفين التفاوض نيابة عن قوة عسكرية لا تملك عليها سلطة، كما لا يستطيع القادة العسكريون احتكار التفاوض حول مستقبل الدولة والعقد الاجتماعي نيابة عن المجتمع. وهذه قاعدة أساسية في تصميم عمليات السلام: لكل قضية طاولة، ولكل طاولة أطرافها الفعليون الذين يملكون المصلحة والشرعية والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.
رابعاً: لماذا يختلط الحوار بالتفاوض في السودان؟ يرتبط الخلط بين الحوار والتفاوض في السودان بسؤال أعمق: من يشارك، ومن يملك حق تمثيل السودان؟ وهنا تتدخل علاقات القوة والميراث التاريخي للنخب المركزية التي اعتادت، منذ نشأة الدولة الحديثة، تقديم نفسها بوصفها المتحدث الطبيعي باسم المجتمع والدولة، رغم محدودية معرفتها في أحيان كثيرة بتاريخ مجتمعات السودان المختلفة وثقافاتها ومظالمها وتجاربها مع الحرب والتهميش. وتعيد بعض القوى التي تقدم نفسها اليوم بوصفها "القوى المدنية الديمقراطية" إنتاج هذا الإرث. فهي تضم أحزاباً ومهنيين وأكاديميين ومنظمات وشبكات مجتمع مدني تمتلك تعليماً حديثاً وعلاقات واسعة بالمؤسسات الإقليمية والدولية، لكنها لا تمثل بالضرورة مجمل الفضاء المدني السوداني. والمشكلة ليست في حقها في المشاركة، بل في تحول حق المشاركة إلى ادعاء احتكار التمثيل المدني، ثم استخدام هذا الادعاء لتحديد من يحق له الحوار ومن يحق له التفاوض! فالمجتمع المدني السوداني أوسع وأكثر تنوعاً من نخب المركز. هناك قوى مدنية ومجتمعية تشكلت داخل مناطق الحروب والنزوح واللجوء، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان وغيرها، ولها تجاربها ورؤاها المختلفة للدولة والسلام والعدالة. لذلك لا توجد اليوم كتلة مدنية سودانية واحدة ولا رؤية مدنية واحدة، بل يوجد خلاف حقيقي داخل المجال المدني نفسه حول معنى الدولة والديمقراطية والسلام، وحول ما إذا كان المطلوب إصلاح السودان القديم أم تأسيس دولة جديدة تتجاوز بنيته التاريخية.
خامساً: صراعان داخل السلام: سلام الترميم وسلام التأسيس يمكن فهم الخلاف السياسي الراهن بوصفه صراعاً بين تصورين للسلام. الأول يسعى إلى وقف الحرب، واستعادة الحكم المدني، وإصلاح المؤسسات القائمة، وإطلاق انتقال "ديمقراطي" مرة اخري. وهي أهداف مشروعة، لكن مشكلتها تبدأ عندما يصبح الانتقال مجرد إصلاح للسودان القديم وإعادة تشغيل مؤسساته دون معالجة البنية التاريخية التي أنتجت الحروب والتهميش وعدم المساواة. أما التصور الثاني فينطلق من أن الحرب ليست خللاً عارضاً في دولة سليمة، بل نتيجة لأزمة تاريخية في بنية الدولة نفسها؛ ولذلك فإن وقف القتال دون إعادة تأسيس الدولة لا ينهي أسباب الحرب، وإنما يؤجل انفجارها من جديد. وهنا يفيد تمييز عالم السلام يوهان غالتونغ بين "السلام السلبي"، الذي يعني غياب العنف المباشر، و"السلام الإيجابي"، الذي يتطلب معالجة العنف البنيوي الكامن في المؤسسات، والعلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ووفق هذا المنظور، لا يكفي السودان أن يوقف المدافع؛ فإذا بقيت الدولة التي أنتجت الحروب على بنيتها القديمة، نكون قد أوقفنا القتال دون أن نوقف أسباب إنتاجه...
سادساً: القوى المدنية المركزية ومحاولة احتكار الفضاء المناهض للحرب ينبغي توجيه نقد واضح إلى قطاع من النخب والقوى المدنية المركزية التي تسعى إلى احتكار الفضاء المناهض للحرب، وكأن رفض الحرب يعني بالضرورة القبول ببرنامجها السياسي ورؤيتها لمستقبل الدولة. غير أن مناهضة الحرب ليست أيديولوجية واحدة ولا مشروعاً سياسياً واحداً. فهناك قوى مدنية في الهامش ترفض الحرب، لكنها في الوقت نفسه تطالب بإعادة تأسيس الدولة على مبادئ العلمانية والديمقراطية واللامركزية والمواطنة المتساوية والعدالة التاريخية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وترفض العودة إلى مركزية السودان القديم. كما تتمسك الكثير من هذه القوى بحق تقرير المصير بوصفه ضمانة للشعوب إذا فشلت الدولة في توفير شروط الوحدة الطوعية والمواطنة المتساوية. لذلك فإن اختزال "القوى المدنية" في الجماعات التي تسعى إلى انتقال مدني داخل بنية السودان القديم يمثل إقصاءً سياسياً تحت لافتة المدنية. فالمدنية ليست حكراً على حزب أو تحالف، والديمقراطية لا تمنح جهة بعينها حق تمثيل المجتمع، ومناهضة الحرب ليست تفويضاً لأي نخبة كي تتحدث باسم جميع السودانيين وضحايا الحروب
سابعاً: الواقع الموضوعي الجديد: السودان لم يعد مركزاً واحداً أي تصميم واقعي للتفاوض يجب أن يبدأ من الاعتراف بالتحولات المادية على الأرض. السودان اليوم موزع عملياً بين فضاءات سياسية وعسكرية وإدارية متنافسة، وفي مقدمتها المناطق الخاضعة لسلطة الجيش وحلفائه، والمناطق الواقعة تحت سيطرة القوى المنضوية في تحالف "تأسيس" وحكومته المدنية. وهذا توصيف للواقع السياسي والعسكري، وليس حكماً قانونياً بشأن الاعتراف الدولي بأي من السلطتين. وتتبني "تأسيس" مشروعاً مدنيا وثوريا لبناء دولة علمانية وديمقراطية ولا مركزية، ويعلن ميثاقها المواطنة المتساوية، والوحدة الطوعية، والحريات الأساسية، والحكم الديمقراطي، واللامركزية، كما يربط حق تقرير المصير بانتهاك المبادئ فوق الدستورية، ومنها العلمانية. وينص خطابها المؤسسي كذلك على بناء جيش قومي مهني جديد، وبهذا تتقدم على الحكومة السودانية التي تدعي المدنية وعلي تحالف صمود معا بما يطرحه ومن مشروع تغيير لا يطال بنية دولة السودان القديم. سواء اتفق المرء مع "تأسيس" أو اختلف معها، فإن تجاهل وجودها ومناطق نفوذها وتحالفاتها وقاعدتها الجماهيرية السياسية والعسكرية لا ينتج سلاماً؛ بل ينتج تصميماً تفاوضياً منفصلاً عن الواقع. يقدم زارتمان فكرة عميقة مهمة للسودان: بعض الصراعات ليست خلافاً على توزيع مكاسب داخل نظام قائم، وإنما جزء من عملية تغيير تتطلب التفاوض على نظام جديد يحل محل النظام القديم. وهذه تحديداً هي المسألة السودانية.
ثامناً: من يتفاوض مع من؟ ومن يتحاور مع من؟ إذا انطلقنا من الواقع الموضوعي على الارض، فلا يمكن جمع القوى العسكرية والحكومات والقوى المدنية والمجتمعية في طاولة واحدة وتسميتها "حواراً سودانياً ـ سودانياً". فاختلاف طبيعة الأطراف وقدرتها على التأثير يقتضي التمييز بين من يُتفاوض معه، ومن يُتحاور معه، وحول ماذا. في المسار العسكري والأمني، يكون التفاوض بين القوى التي تمتلك القوة العسكرية الفعلية والقدرة على إصدار الأوامر وتنفيذ الاتفاقات. ولذلك قد تتفاوض القوى العسكرية المنضوية في تحالف تأسيس مع الجيش السوداني والقوى العسكرية المقابلة حول وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والممرات الإنسانية، والأسرى، وحركة القوات، والترتيبات الأمنية، ومستقبل المؤسسات العسكرية وبناء الجيش الجديد. فلا تستطيع قوة مدنية أن تحل محل طرف عسكري في قضايا لا تملك وسائل تنفيذها. أما في المسار السياسي والحكومي، فالواقع أفرز سلطات سياسية وإدارية تدير مناطق وسكاناً ومؤسسات، ولذلك ينبغي أن ينطلق التفاوض من الاعتراف بالواقع الفعلي وموازين القوة على الأرض عند بحث وقف الحرب ومستقبل السلطة وإعادة بناء الدولة، من دون أن يتحول ذلك إلى إعفاء من المسؤولية أو منح شرعية سياسية جديدة. فالتفاوض مع طرف قادر على التأثير وتنفيذ الاتفاق لا يعني تبرئته من الانتهاكات. وفي المقابل، يجب التمييز بين الأطراف التي يفرض إنهاء الحرب التفاوض معها، وبين قوى الإسلام السياسي المرتبطة بنظام الإنقاذ ومؤسساته وشبكاته التي حكمت السودان ثلاثة عقود، وأقامت مشروعاً سلطوياً إقصائياً، وأسهمت في إشعال الحروب وتقويض الدولة وارتكاب الانتهاكات. فهذه القوى لا ينبغي أن تعود عبر عملية السلام بوصفها شريكاً مؤسساً للنظام الجديد؛ إذ لا معنى لسلام يعيد تأهيل المشروع السياسي الذي كان أبرز منتجي الحرب والأزمة التي يسعى السلام إلى إنهائها.
في المسار المدني والسياسي، محلياً وإقليمياً ودولياً، ينبغي أن يقوم تصميم العملية على الواقع السياسي والمؤسسي القائم، لا على تصورات مسبقة للتمثيل. فحكومة تأسيس المدنية، بوصفها سلطة مدنية تتبنى مشروع السودان الجديد وتمارس نشاطها في مناطق واسعة، تمثل طرفاً لا يمكن تجاهله في أي عملية جادة تتناول السلام ومستقبل الدولة. ويحدد شكل التعامل مع الأطراف الأخرى وفق طبيعتها وموضوع القضية: يكون التفاوض مع الجهات التي تمتلك سلطة فعلية وقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات، بينما يكون الحوار أكثر ملاءمة عند مناقشة الرؤى السياسية المختلفة مع القوى المدنية، بما فيها "صمود" و"التغيير الجذري" وغيرهم وهنا يحكم العملية مبدأ بسيط: طبيعة الطرف، ووزنه الفعلي، وموضوع القضية، وقدرته على اتخاذ القرار وتنفيذه هي التي تحدد متى يكون التفاوض ضرورياً ومتى يكون الحوار مناسباً.
تاسعاً: الخلاف المدني ليس حول الحكم فقط، بل حول طبيعة الدولة يتجاوز الخلاف بين القوى المدنية السودانية مسألة إنهاء الحكم العسكري واستعادة الحكم المدني إلى سؤال أكثر جوهرية: ما طبيعة الدولة التي ينبغي أن ينتجها السلام؟ فهناك قوى وتيارات مركزية متعددة، من بينها الحزب الشيوعي وحلفاؤه في تحالف التغيير الجذري، و"صمود"، وقوى أخرى مناهضة للحرب. ورغم اختلاف برامجها ومواقفها، فإنها تلتقي بدرجات متفاوتة في تصور التحول الديمقراطي من داخل بنية الدولة القائمة، عبر وقف الحرب، واستعادة الحكم المدني، وإصلاح المؤسسات، وإطلاق انتقال سياسي جديد. والمشكلة في هذا المسار أنه سينتهي إلى إعادة إنتاج السودان القديم في صيغة مدنية من دون معالجة البنى التاريخية التي ولّدت التهميش والصراع؛ وهو يعني عملياً إبقاء شروط الحروب المؤجلة قائمة. في المقابل، تنطلق القوى المدنية المتبينة لمشروع السودان الجديد، وفي مقدمتها حكومة تأسيس المدنية وفق ميثاقها المعلن، من أن الديمقراطية لا تتعلق بسؤال من يحكم فقط؟ بل بالسؤال الأعمق: ما طبيعة الدولة التي سيحكمها؟ ومن هنا تضع في مركز مشروعها علاقة الدين بالدولة، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، وتوزيع السلطة والثروة، وقضايا الأرض، والهوية الوطنية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، والعدالة التاريخية، والوحدة الطوعية وحق تقرير المصير. وعليه، فجوهر الخلاف المدني ليس مجرد الاختيار بين حكم عسكري وحكم مدني، بل بين مشروع لإدارة انتقال ديمقراطي داخل بنية السودان القديم، ومشروع لإعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. ولذلك فإن هذه القضايا ليست ملفات مؤجلة إلى ما بعد الحرب؛ بل هي في صميم تعريف السلام نفسه وشروط استدامته.
عاشراً: ما الذي يمكن التفاوض حوله؟ التفاوض لا يعني أن كل شيء قابل للمساومة. وكما يبين فيشر ويوري، فالمعيار ليس الوصول إلى أي اتفاق، بل إلى اتفاق عادل وقابل للاستمرار؛ إذ قد يكون عدم الاتفاق أفضل من تسوية تعيد إنتاج أسباب الصراع. وهذا مهم في الحالة السودانية، لأن المبادئ التي حملها الهامش عبر مشروع السودان الجديد، وتبناها لاحقاً ميثاق تأسيس، ليست مطالب طارئة ظهرت مع الحرب الراهنة، بل حصيلة صراع تاريخي طويل دفعت المجتمعات المتأثرة بالحروب أثماناً باهظة من أجلها. ولذلك لا يصح التعامل معها بوصفها سقفاً تفاوضياً مرتفعاً ينبغي خفضه للوصول إلى "حل وسط". فالتمييز الضروري هنا هو بين التفاوض على كيفية بناء الدولة الجديدة، والتفاوض على المبادئ التي تمنح هذه الدولة مشروعيتها. الأول مجال طبيعي للتسويات السياسية؛ أما الثاني، عندما يتعلق بالحقوق الأساسية والمساواة وكرامة المواطنين، فلا ينبغي أن يتحول إلى مقايضة تعيد إنتاج المظالم التي قامت عملية السلام أصلاً لمعالجتها. ومن ثم، فإن وظيفة التفاوض ليست مطالبة أصحاب المظالم التاريخية بالتراجع عن جوهر ما ناضلوا من أجله، بل البحث عن الصيغ السياسية والمؤسسية التي تجعل تلك المبادئ أساساً لدولة عادلة لجميع السودانيين.
حادي عشر: المطلوب سلام تاريخي لا تسوية إدارية شهد السودان اتفاقيات عديدة أوقفت بعض الحروب أو أعادت توزيع السلطة دون أن تفكك البنية التي أعادت إنتاج الصراع. ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد تسوية سياسية تعيد توزيع المقاعد بين النخب، بل عملية إعادة تأسيس للدولة تعالج توزيع السلطة والثروة والأرض والأمن والاعتراف والكرامة. كما لا يجوز اختزال العدالة في الجرائم التي وقعت منذ 15 أبريل 2023. فالحرب الراهنة فصل من تاريخ أطول يشمل حروب الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، والتهجير والاستيلاء على الأرض والتهميش الاقتصادي والثقافي وسياسات فرض الهوية والإفلات المتكرر من العقاب. لذلك لا تكفي العدالة الانتقالية لمعالجة آثار الحرب الراهنة وحدها، بل يحتاج السودان إلى عدالة تاريخية تمتد إلى مساءلة البنى والسياسات والمؤسسات التي راكمت التهميش والتمييز وأنتجت العنف والضحايا عبر عقود. فالمطلوب ليس محاسبة مرتكبي الانتهاكات فحسب، بل معالجة النظام الذي جعل تكرارها ممكناً.
ثاني عشر: الخماسية ليست سلطة لاختيار من يمثل المدنيين ينبغي ألا تتحول الخماسية أو غيرها من الوساطات الدولية إلى سلطة تأسيسية تختار للسودانيين من يمثلهم. دور الوساطة هو تيسير العملية وضمان شمولها، لا صناعة ممثلين سياسيين أو هندسة النتائج مسبقاً. ومن ثم لا ينبغي أن يكون السؤال: من هي القوى المدنية التي يقبل بها المجتمع الدولي؟ بل: ما القوى السياسية والمدنية والاجتماعية الموجودة فعلياً؟ ماذا تمثل؟ ما وزنها وقدرتها على التأثير؟ وما رؤيتها لمستقبل الدولة؟ والاعتراف بتعدد القوى المدنية يعني أيضاً الاعتراف بأن حكومة تأسيس المدنية تمثل مشروعاً سياسياً ومدنياً قائماً له رؤيته ومؤسساته، ولا يجوز تجاوزها ثم اختيار قوى مدنية أخرى للتحدث نيابة عن المجتمعات والمناطق الواقعة ضمن فضائها السياسي.
ثالث عشر: نحو هندسة متعددة المسارات للسلام إن تعقيد الأزمة السودانية يجعل من الصعب اختزال عملية السلام في مفاوضات عسكرية أو حوار سياسي واحد. Intersectionality فمن منظور التقاطعية لا تعمل أسباب الصراع منفصلة بعضها عن بعض؛ فالحرب تتقاطع مع اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والثروة، والهوية والدين، والأرض، والنوع الاجتماعي، والتنمية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وبنية المؤسسة العسكرية، وأنماط التهميش والإقصاء. ولذلك فإن معالجة أحد هذه المستويات مع إبقاء المستويات الأخرى على حالها قد توقف جانباً من الصراع، لكنها لا تعالج النظام الذي يعيد إنتاجه. ويزداد الأمر تعقيداً لأن الحرب الراهنة لم تنشأ في فراغ، بل داخل بنية السودان القديم التي تراكمت فيها المركزية السياسية والاقتصادية والثقافية، ثم عمّق نظام الإنقاذ، بطبيعته السلطوية والأيديولوجية، أزماتها عبر ثلاثة عقود من احتكار الدولة، وتسييس المؤسسات، وتوظيف الدين، وتوسيع أجهزة القمع، وإدارة الحروب الداخلية. ولذلك لا يكفي إنهاء الحرب الحالية إذا بقيت البنية السياسية والمؤسسية التي جعلت الحرب ممكنة وقابلة للتكرار. ومن هنا يحتاج السودان إلى عملية سلام متعددة المسارات ومتكاملة الوظائف: مسار عسكري وأمني لوقف القتال والترتيبات الأمنية والجيش الجديد؛ مسار إنساني لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات؛ مسار سياسي وحكومي لمعالجة قضايا السلطة والانتقال؛ مسار مدني للحوار والتفاوض بين المشاريع المختلفة للدولة؛ ومسارات مجتمعية، قانونية وسياسية للمحاسبة والعدالة التاريخية، والأرض والعودة وإعادة بناء العلاقات التي مزقتها الحروب.
وفي هذه الهندسة، تتولى حكومة تأسيس المدنية تمثيل مشروع السودان الجديد في المسار المدني والسياسي، بينما تتولى القوى العسكرية المختصة داخل التحالف التفاوض في المسائل العسكرية والأمنية الفنية. وفي الطرف الآخر، يُرجح أن يواجه مشروع السودان الجديد طيفاً واسعاً من قوى النخب السودانية، تختلف في أسمائها وبرامجها ودرجة محافظتها، لكنها تتقاطع بدرجات متفاوتة عند قضايا التأسيس الكبرى: العلمانية، واللامركزية، والمحاسبة والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير لكل شعوب السودان، وبناء جيش وطني جديد. CODESA وتقدم تجربة جنوب أفريقيا ومفاوضات كوديسا مثالاً تاريخياً مفيداً، مع اختلاف السياقين. فالصراع لم يكن مجرد تفاوض حول من يتولى الحكومة بعد الأبارتهايد، بل حول مدى تفكيك النظام السياسي والقانوني والمؤسسي الذي أنتج الامتياز العنصري. وقد قاومت قوى مختلفة جوانب من التحول لأنها كانت تعني فقدان امتيازات وضمانات تاريخية، بينما كان جوهر مشروع التحرر هو أن تغيير الحكام دون تغيير قواعد الدولة لا يكفي لبناء نظام ديمقراطي جديد. وهنا يكمن الخطر في الحالة السودانية: أن تتحول عملية السلام إلى تفاوض حول من يرث السودان القديم بدلاً من تفاوض حول كيفية تجاوزه. فقد تتعدد الأحزاب والتحالفات والشعارات المدنية، بينما تتقاطع قوى متباينة موضوعياً في الدفاع عن عناصر من البنية القديمة عندما تصبح قضايا العلمانية، والأرض، والسلطة، والعدالة التاريخية، والجيش، وحق تقرير المصير مطروحة بصورة جدية. لذلك فإن الصراع السياسي القادم قد لا يكون بين "مدنيين" و"عسكريين" فقط، بل بين مشروع لإعادة تأسيس الدولة، وطيف واسع من المشاريع التي تريد الاحتفاظ بدرجات مختلفة من بنيتها التاريخية. وهنا يؤدي كل مسار وظيفته: الحوار يكشف مواضع الاتفاق والاختلاف، والتفاوض ينظم المصالح والالتزامات، أما العملية التأسيسية فتحسم القواعد التي تمنع إعادة إنتاج السودان القديم في ثوب جديد.
اخيرا: السلام المستدام يقتضي تحولاً في بنية الدولة تكشف التجربة السودانية أن المشكلة لم تكن في غياب اتفاقيات السلام بقدر ما كانت في محدودية قدرتها على تغيير البنية التاريخية للدولة. فقد نجحت تسويات عديدة في وقف القتال أو إعادة توزيع السلطة، بينما بقيت عناصر أساسية من السودان القديم قائمة؛ ولذلك عادت الأزمات والحروب في أشكال ومناطق مختلفة. إن وقف الحرب الراهنة ضرورة إنسانية وسياسية عاجلة، لكنه يمثل بداية عملية السلام لا نهايتها. فالسلام المستدام لا يتحقق بإعادة تشغيل المؤسسات القديمة بعد تغيير الأشخاص، وإنما بمعالجة البنى السياسية والاقتصادية والعسكرية والقانونية والثقافية التي أنتجت التفاوت والإقصاء والعنف. وهذا يقتضي أيضاً تفكيك الإرث المؤسسي والأيديولوجي الذي رسخه نظام الإنقاذ، لا بإقصاء اجتماعي أو انتقام سياسي، وإنما عبر إصلاح مؤسسات الدولة، والمساءلة القانونية، وإنهاء التمكين، وإعادة بناء المجال العام على قواعد المواطنة وسيادة القانون. ومن هذا المنظور، يمثل مشروع السودان الجديد مشروع تحول بنيوي لا مجرد برنامج لتغيير الحكومة. فالمواطنة المتساوية، والدولة العلمانية الديمقراطية اللامركزية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، وبناء جيش وطني مهني جديد، والاعتراف بالتنوع، والوحدة الطوعية وحق تقرير المصير، تتصل جميعها بالسؤال نفسه: كيف تتحول الدولة من مؤسسة لإدارة الامتياز والتفاوت إلى إطار مشترك للمواطنة والحقوق؟ ولهذا مهم لقوي الهامش إدراك ان الراهن لحظة تاريخية يمكن فيها الحوار والتفاوض حول أشكال اللامركزية، وتوزيع الموارد والاختصاصات، وترتيبات الانتقال، والنظام الانتخابي، وآليات العدالة وإعادة بناء المؤسسات؛ لكن المواطنة المتساوية والكرامة والحرية والمساواة أمام القانون والحقوق الأساسية لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع للمساومة السياسية، لأنها الشروط التي تمنح العملية الديمقراطية نفسها شرعيتها. إن الانتقال من السودان القديم إلى السودان الجديد، بهذا المعنى، لا يتحقق بمجرد تغيير السلطة، بل يتطلب تفكيك البنى التي أعادت إنتاج الامتياز والتهميش والحرب، وإعادة تأسيس الدولة سياسياً ودستورياً، واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً. لذلك يحتاج السودان إلى الحوار لفهم تعدده، وإلى التفاوض لتنظيم صراعات المصالح والقوة، وإلى عملية تأسيسية لمعالجة جذور الأزمة. فالسلام المستدام ليس عودة إلى ما قبل الحرب، وإنما بناء دولة تقل فيها، بصورة بنيوية، قدرة المؤسسات والمجتمع السياسي على إنتاج حرب جديدة.
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|