أُلُفات مجموعات الواتساب بين العام والخاص (جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب )

أُلُفات مجموعات الواتساب بين العام والخاص (جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب )


08-26-2026, 01:34 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1787704478&rn=0


Post: #1
Title: أُلُفات مجموعات الواتساب بين العام والخاص (جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب )
Author: يوسف ارسطو
Date: 08-26-2026, 01:34 AM

01:34 AM August, 25 2026

سودانيز اون لاين
يوسف ارسطو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



"أُلُفات" مجموعات "الواتساب" بين العام والخاص
(جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب )
(105)
يوسف أرسطو
​"الأُلْفَة" مصطلح سودانيٌّ قُحّ، يُقصد به ذلك الطالب الذي غالباً ما يختاره المعلم لكبر حجمه أو لهيبته بين أقرانه، لتكون مهمته الأساسية ضبط الفصل وإبلاغ الإدارة بمن يثير الشغب ويشتت تركيز زملائه. غير أنه في الغالب يستدرجه البعض بطريقة أو بأخرى فلا يكتب أسماءهم، كما يُسقط عمداً أسماء "رهطه" وأصدقائه من قائمة المخالفين!
​وفي عالمنا اليوم، نعيش في خضم أطنانٍ من الإعلام المشتَّت والموجَّه؛ إذ فرضت ثورة الاتصالات واقعاً جديداً أهم خصائصه الكثافة الفائقة للمعلومات والصور التي تُضخّ بالملايين في الثانية الواحدة. فالصورة لم تعد مجرد كادر ساكن، بل أضحت تحمل معنًى وفكرة ورؤية وهدفاً، تماماً كالكلمة.
​من هنا، يقع على عاتقنا في قبيلة المثقفين الدور الأكبر في النشر والردود، وتصميم الورش والدورات لاستغلال هذه التطبيقات في التصدي للغثّ، ونفي الشائعة، ونشر ما ينفع الناس. غير أن ما يُنشر لا يوافق دائماً أهواء الجميع؛ حتى القواعد والمفاهيم السامية قد يغفل عنها البعض بسبب تقصيرنا في مجاراة أساليب التواصل الحديثة في عالم سريع التغير، يُضاف إلى ذلك واقع أمتنا التي ابتعدت عن القراءة والمطالعة الجادة واكتفت بالسطحي من القول والكتابة.
​ومن بين هذه التطبيقات التي أفرزتها الثورة الرقمية، يبرز "الواتساب" كأحد أهم وسائل التواصل بعد "فيسبوك". وتشير كلمة (WhatsApp) في أصلها إلى التفقد والسؤال عن الأحوال ("ماذا هناك؟"). ومنه نشأت "المجموعات" لتبادل الأخبار والموضوعات التي تهم كل فئة، سواء كانوا أصدقاء، أو أبناء منطقة، أو أعضاء منظمة.
​والمؤكد أن جل هذه المجموعات تضم أغلبية صامتة؛ لا تنشر كثيراً لكنها تقرأ معظم ما يُطرح وتتفق معه وتباركه. وهذه الفئة هي المقصودة بالأساس، فإليها تُوجَّه المقترحات والأفكار والرؤى لتساهم فيها وتدفعها إلى الأمام، والدفع إلى الأمام لا يتم إلا عبر قناعة هذه المجموعة. إن الدعوة لترسيخ فكرة أو إبلاغ رسالة قد تستغرق سنوات من الجهود والتبليغ، وما نبي الله نوح منا ببعيد؛ فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ولم يستجيبوا له، لكن الرسالة لم تتوقف.
​لكن على الجانب الآخر، تظهر فئة من "الألُفات" الجدد الذين يضعون أنفسهم أوصياء على الآخرين؛ يحددون ما يُنشر، ومن ينشر، وكيف ينشر! وكأنهم يريدون مصادرة الفكرة والتحكّم في توقيت ولادتها في عالم لا يعترف إلا بالسرعة.
​بالنسبة لي شخصياً، تعرضتُ للكثير من هؤلاء الأوصياء، ولهم ولأمثالهم أقول: لكل فرد منا فكره ورؤاه لتطوير منطقته ومجتمعه، وأجد أن الاختلاف بيننا أمر طبيعي وبنّاء. ومن هذا المنطلق أحاول طرح هذه الأفكار بصفتي مثقفاً وكاتباً مهتماً بقضايا الوطن والفن والمجتمع والإنسانية، وأعتز بذلك من باب فتح باب الحوار وإثراء النقاش. ورغم قناعاتي، فإن واجبي يفرض عليّ ألا أنتظر إذناً من أحد ليحدد لي متى وكيف أكتب.
​لو توقفنا عن الإنتاج والكتابة لماتت الأفكار. نحن نخوض الحياة في قلب المتغيرات، وتوقفنا يعني موت الفكرة التي تتخلق في كل لحظة لتولد من جديد. هذا هو عالم اليوم.. عالم متجدد وسريع، لا يحتمل التوقف ولو لبرهة.
​أما تلخيص أسباب سلوك هؤلاء "الأُلُفات" المسكونين برغبة الوصاية على ما يطلع عليه الناس، فيرجع إلى عدة عوامل:
​الخلاف الفكري والأيديولوجي: فقد تنشر داعياً لفكرة "المولد" مثلاً، فيصفك أحدهم بأنك "أكبر من المشرك لأنك مُشْرِك وداعٍ له". كما تُوصف بالفكر الضال أو المنحرف إذا خالفت التصوف أو بعض سلوكيات مريديه التي تصل إلى حد الشرك عند بعضهم.
​التباين في القناعات والاهتمامات: وهو أمر طبيعي يرجع للتنشئة والتربية والبيئة المحيطة والثقافة. فهناك من يهتم بموضوعات وأسئلة وطنية كبيرة إلى جانب قضايا وطنه الصغير وتتطلب كتابات مطولة، وهناك المشغول الذي لا يملك الوقت؛ فهل نترك الكتابة لأن هناك من يمقت القراءة أو لم يعتد عليها؟ وهناك من يمل قراءة المقالات المتوسطة ولا يقرأ لسبب أو لآخر، ولا نعتقد أن هذه مشكلة الكاتب أو الناشر.
​البعد الاقتصادي وضعف الإمكانيات الرقمية: بعض الأعضاء يستخدم الباقات المجانية أو سعات محدودة من الميجابايت، فهل يتوقف النشر المعرفي لمجرد وجود حسابات معدمة؟
​اتساع مفهوم "الشأن المحلي": على الرغم من الاتفاق الكامل على الالتزام بشروط النشر الخاصة بكل مجموعة، إلا أن حجة "عدم تداخل الموضوع مع شأن المنطقة" كلام فضفاض؛ فالعالم أصبح قرية واحدة، وكل ما يحدث في الكون يؤثر في المنطقة. فالبعض مثلاً يرى أن التدريب العسكري للأطفال ضروري لبناء الأجساد وتنمية الشجاعة، بينما يراه آخرون مدخلاً للعنف والتطرف. وهناك من يحرم الموسيقى والغناء، ومن يمتد تحريمه للجمباز والتعبير الحركي لما يرافقه من موسيقى ولغة جسد. وهؤلاء أعداءٌ لأي نشر يخالف قناعاتهم، وبالتالي يعللون ذلك بأسباب واهية.
​ضعف الإمكانيات والشعور بالعجز (عقد النقص): يدفع العجز بعضهم للسيطرة على الأوعية الإعلامية وتحديد ما تتلقاه المجموعة؛ كونه محدود القدرات، وحرمته ظروفه من تطوير موهبته في ميادين أخرى، فيلجأ إلى حرمان البقية وتطبيق قاعدة: "يا نلعب يا نخرّب".
​ونحسب أن جل ما يُثار يدخل في إطار "صراع الوصاية"؛ فدور إدارة المجموعات الحقيقي هو التيسير والتنظيم، لا الممارسة الرقابية التي تخنق الفكرة قبل غرسها وتصادر المعرفة بناءً على أهواء أو انحيازات شخصية أو فئوية ضيقة.