Post: #1
Title: توسيع حظر الأسلحة على كل السودان لم ينهِ الحرب! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 08-25-2026, 05:26 PM
05:26 PM August, 25 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في مشهدٍ يتكرر بحذافيره كل عام تقريبا، وقف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية أمام مجلس الأمن، يتحدث بنبرة الحريص المتوجّس، عن توسيع حظر الأسلحة ليشمل كل السودان، وكأن هذا البلد، بحدوده الشاسعة وسمائه المفتوحة وثغراته الحدودية المنتشرة في كل اتجاه، كان ينتظر قرارا يصدر من قاعة اجتماعات في نيويورك ليكتشف فجأة أن الأسلحة ممنوعة عليه. انها عبقرية دبلوماسية، إذ فجأة تحوّلت حرب مموَّلة بعناية، مسلَّحة بمنظومات متطورة، ومُدارة بخيوط خارجية دقيقة، إلى مجرد سوء تفاهم محلي يكفي لإنهائه توقيع بضع أوراق إضافية على قرار قديم عمره عشرون عاما. هذا هو جوهر السخرية التي يستحقها هذا المقترح، وهي سخرية لا تنبع من رغبة في التقليل من جهود الأمم المتحدة، بل من واقع مرير عاشه السودانيون طويلا، وهو أن القرارات الدولية بشأن بلادهم غالبا ما تُصاغ لتبدو فاعلة، بينما تُصمَّم في جوهرها لتبقى عاجزة. لنكن واقعيين وصريحين أيضا، فحظر الأسلحة على إقليم دارفور مفروض منذ عام 2005، أي منذ عشرين عامًا كاملة، ظل خلالها يُجدَّد سنويا بشكل تلقائي شبه روتيني، دون أن يُحدث أي أثر يُذكر في موازين القوى الفعلية على الأرض، فما الذي يجعلنا نتوقع، بعد كل هذه السنوات من الفشل الموثّق، أن توسيع نطاق هذا الحظر جغرافيا من إقليم واحد إلى الوطن بأكمله سيصنع فرقًا حقيقيا هذه المرة؟ هل توقفت الأسلحة التي كانت تتدفق بغزارة إلى دارفور خلال عقدين كاملين لأن قرار مجلس الأمن رقم 1591 يقول ببساطة ممنوع؟ الجواب، بكل تأكيد، لا، لأن المنطق البسيط الذي لا يحتاج إلى خبير استراتيجي لفهمه، يقول إن حظرا جزئيا فشل تماما في وقف تهريب سلاح واحد طوال عشرين عاما، لن يتحول بقدرة قادر إلى أداة فاعلة لمجرد توسيع نطاقه الجغرافي على الورق. المفارقة الأكثر إثارة للسخرية في هذا المقترح، أنه يُقدَّم بلغة تقنية رصينة ومحكمة، توحي بجدية بالغة وحرص شديد بإضافة الطائرات المسيّرة والأنظمة والتكنولوجيات ذات الصلة إلى نطاق الحظر، وزيادة عدد الخبراء العاملين في فريق الرصد التابع للقرار. يا لها من إنجازات تُحتفى بها في بيانات صحفية رسمية، وكأن المشكلة الجوهرية التي تُغرق السودان في الدماء كانت، طوال هذا الوقت، مجرد نقص في عدد الخبراء الذين يكتبون التقارير الفنية المفصّلة، وليست في الدول التي تشحن الطائرات المسيّرة والذخائر والمعدات العسكرية النوعية بشكل مباشر أو غير مباشر إلى طرفي النزاع. هذه هي المهزلة بعينها، أن تُعالَج جريمة تسليح مستمرة ومنظمة بمزيد من الرصد والمراقبة، بدل معالجتها من جذورها بوقف المصدر الحقيقي لهذا السلاح، إذ الأمر يشبه تماما محاولة إيقاف نزيف غزير عبر تعيين طبيب إضافي مهمته الوحيدة كتابة تقرير مفصّل عن كمية الدم المفقودة يوميا، دون أن يقترب أصلا من الجرح النازف أو يحاول تضميده. الحقيقة التي يعرفها كل متتبع جاد لملف السودان، والتي يتحاشى مجلس الأمن الإقرار بها علنا بأي شكل صريح، هي أن الأسلحة التي تُغذي هذه الحرب الطويلة لا تسقط من السماء عشوائيا، ولا تُصنَّع في ورش يدوية بدائية داخل الخرطوم أو نيالا أو أي مدينة سودانية أخرى. هذه أسلحة نوعية ومتطورة، تشمل طائرات مسيّرة حديثة، وأنظمة اتصالات وتوجيه دقيقة، تحتاج بالضرورة إلى سلاسل توريد معقدة ومنظمة، وتصاريح تصدير رسمية، وشبكات لوجستية عابرة للحدود يصعب أن تعمل دون علم الجهات الرسمية في الدول المصدّرة، وهذا يعني، ببساطة لا تحتاج إلى تعقيد، أن هناك دولا محددة، وليست جهات مجهولة أو تنظيمات شبح تعمل في الظلام، تقف خلف تسليح طرفي هذه الحرب المدمرة، ومجلس الأمن يعلم هذه الحقيقة جيدا، أعضاؤه الدائمون يعلمونها أكثر من أي متابع عادي للأخبار. المبعوثون الذين يقفون شهريا ليقرأوا بيانات الأسف والقلق العميق يعلمونها تفصيليا، لكن أحدا لا يجرؤ على ذكر اسم دولة بعينها في نص قرار رسمي، لأن حسابات المصالح الاستراتيجية والعلاقات التجارية والتحالفات السياسية أهم بكثير، في ميزان هذا المجلس، من مصائر ملايين البشر الذين يُحصون كل يوم بين قتيل ونازح ولاجئ، فهل يُعقل، وبأي منطق أخلاقي أو سياسي، أن يُطلب من السودانيين، وهم يحصون قتلاهم بالآلاف شهريا، ويهيمون في العراء نازحين بالملايين داخل بلادهم وخارجها، أن يصفقوا لقرار يوسّع نطاق الحظر جغرافيا بينما يتجاهل تماما وبشكل متعمد من يخترق هذا الحظر أصلا ويمدّه بأسباب الاستمرار؟ هذا ليس حلا بأي مقياس، هذا استعراض دبلوماسي فارغ من أي محتوى فعلي، مصمم بعناية ليقول للعالم نحن نتحرك، نحن نهتم، نحن نعمل، بينما الرسالة الحقيقية الموجهة ضمنيا للسودانيين هي في الواقع، استمروا في تحمّل هذه الحرب، فقط بشكل أكثر تنظيما بيروقراطيا وأكثر توثيقا في التقارير الأممية. في الجلسة نفسها التي طُرح فيها هذا المقترح، تحدثت وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام عن أرقام مروّعة بكل المقاييس: ثلاثة عشر مليون شخص فرّوا من منازلهم منذ بداية هذه الحرب، من بينهم نحو ثمانية ملايين وسبعمئة ألف نازح داخليا يتوزعون على الولايات السودانية الثماني عشرة بأكملها، بالإضافة إلى نحو ألف وأربعمئة مدني قُتلوا خلال النصف الأول من هذا العام وحده، من بينهم ألف ومئة شخص سقطوا جراء هجمات الطائرات المسيّرة تحديدا. تخيّلوا هذا الرقم لحظة: ألف ومئة من أصل ألف وأربعمئة قتيل سقطوا بسبب طائرات مسيّرة، هذا ليس تفصيلا هامشيا يمكن تجاوزه بسهولة، بل هو جوهر القضية بأكملها ومفتاح فهمها الحقيقي، فالطائرات المسيّرة ليست أدوات تُصنَّع بشكل عشوائي في مرآب منزلي بسيط، بل هي منظومات تقنية متكاملة تحتاج إلى دعم فني متواصل، وقطع غيار مستمرة، وتدريب متخصص، وغالبا ما تحتاج إلى طرف خارجي يوفر البنية التقنية والدعم اللوجستي على المدى الطويل، ومع ذلك، يخرج البيان الأممي الرسمي وكأنه يصف كارثة طبيعية عابرة، زلزالا مفاجئا أو فيضانا غير متوقع، لا حربا مموَّلة عن قصد وبتخطيط من أطراف خارجية معلومة الهوية والانتماء لمن يريد فعلا أن يعرف الحقيقة دون مواربة. ثم يأتي منسق الشؤون الإنسانية ليضيف رقما آخر إلى هذه السيمفونية المأساوية المتصاعدة: تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لم يتجاوز أربعين بالمئة فقط من المبلغ الإجمالي المطلوب، البالغ نحو مليارين وثمانمئة وسبعين مليون دولار، رغم انقضاء ثلثي العام بالفعل. أي أن المجتمع الدولي نفسه، ذاته الذي يزعم اهتمامه العميق بمصير السودانيين لدرجة عقد جلسات طارئة متكررة في مجلس الأمن وإصدار بيانات مطولة، لا يجد حتى نصف المال اللازم فعليا لإطعامهم وتوفير المياه والدواء والمأوى لهم. هذا هو التناقض الفاضح الذي يجب أن يُقال بصراحة: خطاب إنساني رفيع المستوى ومليء بالعبارات المؤثرة، وميزانية شحيحة لا تغطي حتى نصف الحاجة الفعلية، وحظر أسلحة موسَّع على الورق لا يلمس مصدر السلاح الحقيقي من قريب أو بعيد، ثلاثة أضلاع متكاملة لمثلث واحد من النفاق المؤسسي الذي طال أمده كثيرا. ومن أكثر العبارات التي تستدعي السخرية العميقة في تصريحات المسؤول الأمريكي نفسه، قوله بجدية ظاهرة إن هذه الإجراءات لا تسعى إلى منح أي طرف مزايا أو عيوبا، أو تغيير ديناميكيات ساحة المعركة، باستثناء الدفع نحو إنهاء سريع للقتال. هذه جملة تُقال بثقة تامة أمام محفل دولي رسمي، وكأن إنهاء قتال دائر منذ سنوات يمكن أن يحدث فجأة دون أن يتغير أي شيء جوهري في موازين القوى القائمة، إذ ان السؤال المنطقي البسيط هنا هو: كيف يمكن لحظر شامل حقيقي، لو طُبّق فعليا وبجدية صارمة على جميع الأطراف الممدّة للسلاح، ألا يغيّر موازين المعركة بشكل جذري؟ الجواب الحقيقي، وإن لم يُقل صراحة، هو أن هذا الحظر لن يُطبَّق فعليا بالصرامة المطلوبة على الإطلاق، وهذا بالضبط ما يجعل الجملة السابقة معقولة من الناحية الفنية البحتة، حظر لا ينوي أحد فرضه بجدية حقيقية، لا يمكن منطقيا أن يغيّر موازين أي شيء، لأنه أصلا لن يخرج فعليا من حدود الورق الرسمي الذي كُتب عليه. الحل، في الواقع، ليس معقدا إلى هذا الحد، وليس بحاجة إلى فريق خبراء إضافي أو تقنيات رصد أكثر تطورا كما يُقترح دائما، بل الحل يبدأ من خطوة واحدة بسيطة وصريحة وشجاعة، وهو أن يسمّي مجلس الأمن، الدول التي تزوّد طرفي هذه الحرب بالسلاح والدعم اللوجستي، بالاسم الصريح والمباشر، وأن يفرض عليها هي بالتحديد، لا على السودان المنهك أصلا، عقوبات حقيقية وملموسة إن استمرت في هذا التزويد المستمر. أن يمارس المجلس نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي الفعلي، عبر أدواته المتاحة أصلا في ميثاقه، من عقوبات مالية مباشرة إلى تجميد أصول إلى ملاحقات قانونية جادة، ليس فقط على المتحاربين السودانيين على الأرض، بل بشكل أساسي على من يمدّهم بأسباب الاستمرار في هذا القتال المدمر. لكن هذا التوجه يتطلب شجاعة سياسية حقيقية تتجاوز حسابات المصالح الاستراتيجية الضيقة والعلاقات التجارية المربحة، وهو أمر يبدو، بكل أسف ومرارة، أن مجلس الأمن غير مستعد له بأي شكل، لا اليوم ولا في أي وقت منظور قريب. وفي النهاية، يبقى السودانيون هم الجمهور الأبدي المُتعِب لهذا العرض الدبلوماسي المتكرر بلا نهاية: بيانات قلق متتالية، جلسات طارئة متعددة، قرارات موسَّعة في نطاقها الشكلي فقط، وتمويل إنساني ناقص باستمرار. كل هذا يُقدَّم في غلاف رسمي أنيق ومصقول لغويا، بينما الحرب تستمر بلا هوادة حقيقية، والطائرات المسيّرة تحصد المزيد من الأرواح الآمنة، والملايين يفرّون من منازلهم لا لأن مجلس الأمن لم يوسّع الحظر بما فيه الكفاية الجغرافية، بل لأنه لم يواجه بجدية حقيقية من يخرق هذا الحظر أصلا ويستفيد من استمراره شكليا دون مضمون. ليعلم مجلس الأمن، وكل من يصوغ هذه القرارات المتتالية الفارغة، أن الشعوب المستضعفة، ومنها الشعوب السودانية التي عانت طويلا، لم تعد تنتظر منه خيرا حقيقيا، ولم تعد تصدّق أن "توسيع حظر" مكتوب على الورق يعني شيئا فعليا وملموسا في الميدان الدامي، وحتى يقرر هذا المجلس أن يكون جادا فعلا، بأن يسمّي الأسماء الحقيقية بجرأة، ويضغط بالفعل على من يستحق الضغط، ويحاسب الممولين الحقيقيين لهذه الحرب المستمرة، فإن كل هذه القرارات المتلاحقة ستبقى مجرد فصول جديدة تُضاف إلى مسرحية طويلة ومكررة، عنوانها الحقيقي المستتر ليس من أجل السودان كما يُعلن رسميا، بل كيف يبدون مهتمين ومنشغلين دون أن يفعلوا شيئا يُغيّر الواقع المأساوي فعليا على الأرض.
|
|