Post: #1
Title: قراءة تكاملية في مقال: «جرعة وعي: صباح الخير يا وطن.. العنصرية معولٌ يهدم ولا يبني» بقلم: باشمهندس
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 08-23-2026, 11:18 AM
11:18 AM August, 23 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
قراءة تكاملية في مقال: «جرعة وعي: صباح الخير يا وطن.. العنصرية معولٌ يهدم ولا يبني» بقلم: باشمهندس يحيى ابنعوف
د. على عبدالله الخليفة طه
يطرح الباشمهندس يحيى ابنعوف في مقاله هذا تشخيصاً نافذاً لظاهرة العنصرية في السودان، ينتقل فيه من الحكمة الكونية في التنوع إلى المأزق الأخلاقي الذي يواجهه المناهض للعنصرية حين يُستهدف بها هو نفسه، وصولاً إلى الجذر النفسي والتاريخي للظاهرة، ودور السلطة في استثمارها وتغذيتها. وهو مقال جدير بالقراءة المتأنية، إذ يجمع بين البعد الأخلاقي الفردي والبعد البنيوي السياسي في آنٍ واحد، دون أن يقع في فخ التبسيط الذي يقع فيه كثيرٌ ممن يتناولون هذا الملف الحسّاس. وفق منهجية هذه السلسلة، نقف أولاً عند مواطن القوة في هذا التشخيص، ثم نفتح على الأسئلة البنيوية التي يتركها معلقة، لنقترح أخيراً كيف يمكن لآليات «ميثاق النجاة وبناء الدولة» أن تشتبك معها.
أولاً: مواطن القوة في التشخيص
◆ الفصل الحاسم بين الفعل الفردي والانتماء الجمعي: تأكيد الكاتب أن «الشرف والجريرة سلوك فردي خالص» يفكك أخطر آليات إعادة إنتاج العنصرية، وهي تعميم خطأ الفرد على قبيلته أو جهته. ◆ كشف المأزق الأخلاقي لمناهض العنصرية حين يُستهدف بعرقه أو نسبه، وهو سؤالٌ نادراً ما يُطرح بهذا الوضوح، لأنه يضع الأصبع على لحظة الاختبار الحقيقي للمبدأ لا على شعاره. ◆ المفارقة الدقيقة التي رصدها الكاتب في تحميل إنسان الشمال المهمّش أوزار نخبة حكمت باسمه ولم تُنصفه، وهي مفارقة تصلح مثالاً عاماً على خلط النخبة بالقاعدة الشعبية في أي إقليم سوداني. ◆ التفسير النفسي للعنصرية بوصفها «جلد ذات مرتد» يسقطه العنصري على الآخر، وهو طرح يزيح الظاهرة من خانة الطبيعة الجوهرانية إلى خانة الاضطراب القابل للمعالجة. ◆ السرد التاريخي الدقيق لتحوّل الصراع في الجنوب من سياسي إلى ديني، ثم تحوّل الحركة المطلبية العادلة في دارفور إلى صراع عرقي مسلح امتد إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق، وهو سردٌ يضع المسؤولية على باب مشروع سياسي بعينه لا على طبيعة السودانيين. ◆ كشف مصلحة السلطة القائمة في تغذية الخطاب العنصري بوصفه أداة تخويفٍ من التغيير، وهو ربطٌ يصل التحليل النفسي بالتحليل السياسي بدل تركهما منفصلين.
ثانياً: أسئلة مفتوحة على البنية
يبقى المقال، رغم قوته التشخيصية، عند حدود الإدانة الأخلاقية والتفسير النفسي والتاريخي، دون أن ينتقل إلى سؤال الآلية: كيف تُترجم هذه القراءة إلى ضمانات لا تعتمد على حسن نية اللاحقين؟ نطرح هذه الأسئلة لا نقضاً للمقال بل استكمالاً له: ◆ كيف نحوّل الإدانة الأخلاقية للعنصرية إلى ضمانة دستورية تمنع أي سلطة مقبلة من تكرار تسليح القبائل كما جرى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق؟ ◆ من يحاسب من استثمر سياسياً في الصراع العرقي؟ هل تكفي الإدانة الخطابية، أم يستلزم الأمر مساراً محدداً للعدالة الانتقالية يميّز بين من صمّم الاستقطاب ومن انساق إليه ضحيةً؟ ◆ كيف نعالج الجذر الاقتصادي الذي يمنح الخطاب العرقي تربته الخصبة؟ فالعنصرية، كما يشير المقال نفسه في حديثه عن تهميش الشمال، لا تنبت من فراغ نفسي وحده، بل من تفاوتٍ حقيقي في توزيع الموارد والتمثيل بين الأقاليم. ◆ من يملك سلطة تعريف الخطاب العنصري وتمييزه عن النقد السياسي المشروع لسياسات إقليم أو مكوّن بعينه، حتى لا تتحول مواجهته إلى أداة قمعٍ جديدة بيد سلطةٍ مقبلة؟ ◆ كيف يُبنى تمثيلٌ سياسي يعكس التنوع فعلياً في هياكل الحكم، بدل أن يظل الإقرار بالتنوع شعاراً أخلاقياً معلقاً فوق بنية حكم لا تزال مركزية في توزيع السلطة والثروة؟
ثالثاً: من التشخيص إلى الآلية، مقاربة الميثاق
يقترح إطار «ميثاق النجاة وبناء الدولة» جملة آليات يمكن أن تشكّل استجابة بنيوية للأسئلة أعلاه، لا بديلاً عن التشخيص الأخلاقي الذي قدّمه الكاتب، بل استكمالاً له من باب الآلية: ١/ صيغة التمثيل الإقليمي الموزون بين الأقاليم الوظيفية الستة تجيب مباشرة على سؤال التمثيل الفعلي (السؤال الخامس)، إذ تنقل التنوع من إقرارٍ خطابي إلى حصةٍ مضمونة في هياكل القرار، بما يقلّل من حافز أي مكوّن للجوء إلى العصبية كأداة تفاوضٍ بديلة. ٢/ فجوة «اقتصاد البوابات» ضمن بروتوكول التفعيل تستهدف تحديداً الجذر الاقتصادي للتهميش (السؤال الثالث)، بوصفه الحلقة التي تحوّل الغبن الإقليمي المشروع إلى وقودٍ للتعبئة العرقية حين لا يجد الغبن مساراً سياسياً واقتصادياً منصفاً. ٣/ تسلسل تقديم الشرعية السياسية على إعادة هيكلة الأمن، مع اعتبار المؤسسة العسكرية شريكاً موقّعاً لا ضامناً خارجياً، يقلّص المساحة التي استُخدمت فيها الأذرع الأمنية والميليشيات أداةً لتسليح الانقسام العرقي (السؤال الأول)، لأن إعادة الهيكلة تصبح استحقاقاً سياسياً متفقاً عليه لا ورقة ضغطٍ بيد طرفٍ بعينه. ٤/ النص القانوني الذي يستبعد المؤتمر الوطني المنحل من المشاركة الانتقالية، مقروناً بضمانات قضائية، يقدّم إجابة جزئية على سؤال المحاسبة (السؤال الثاني)، وإن كان لا يغطي وحده كل من استثمر في الاستقطاب العرقي من خارج ذلك التنظيم، وهي فجوةٌ تستدعي مساراً أوسع للعدالة الانتقالية. ٥/ النقاش العام السابق حول مرصدٍ وطني لخطاب الكراهية يقترب من سؤال تعريف الخطاب العنصري وضبطه (السؤال الرابع)، لكنه يبقى الأكثر إشكالاً داخل الإطار نفسه، إذ يتطلب توازناً دقيقاً بين مواجهة العنصرية وصون حرية النقد السياسي المشروع، ولا يزال هذا التوازن موضع نقاشٍ مفتوح لم يُحسم بعد.
خاتمة
يقدّم مقال الأستاذ ابنعوف تشخيصاً أخلاقياً ونفسياً وتاريخياً رصيناً لظاهرة العنصرية، وقيمته الأساسية أنه يرفض حلولاً سهلة كالرد بالمثل أو الصمت. وما يقترحه هذا الاستكمال ليس تجاوزاً لذلك التشخيص، بل محاولة لسدّ الفجوة بين الإدانة الأخلاقية والضمانة المؤسسية، بحيث لا يبقى رفض العنصرية متكئاً على حسن نية الأفراد وحدهم، بل مُسنداً إلى بنية حكمٍ لا تجد فيها العصبية القبلية أو الجهوية ما تقتات عليه.
|
|