مناوي والخيارات الخاطئة: من الثورة إلى الحرب كتبه الطيب الزين

مناوي والخيارات الخاطئة: من الثورة إلى الحرب كتبه الطيب الزين


08-23-2026, 11:13 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1787480006&rn=0


Post: #1
Title: مناوي والخيارات الخاطئة: من الثورة إلى الحرب كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 08-23-2026, 11:13 AM

11:13 AM August, 23 2026

سودانيز اون لاين
الطيب الزين-السويد
مكتبتى
رابط مختصر




كل من تابع اللقاء الصحفي الذي أجراه الصحفي القدير متيانق شريلو مع مني أركو مناوي وقف على حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن الرجل بدا عاجزا عن تقديم تفسير مقنع للخيارات السياسية التي اتخذها منذ اندلاع ثورة ديسمبر. فقد ظهر مرتبكا ومنفعلا في أكثر من موضع، وهو يحاول الدفاع عن مواقف وتحالفات قادت البلاد بعيدا عن أهداف الثورة وتطلعات الجماهير. لقد خرج الشعب السوداني في ثورة شعبية عظيمة رفع خلالها شعارات الحرية والسلام والعدالة، وهتف الملايين في المدن والقرى من أجل وطن جديد يتجاوز إرث الاستبداد والحروب والتمييز. وكان من بين أكثر الشعارات تعبيرا عن روح الثورة ذلك الهتاف الشهير "يا عنصري يا مغرور كل البلد دارفور"، وهو شعار حمل رسالة واضحة مفادها أن قضية دارفور ليست قضية إقليم بعينه، بل قضية وطن بأكمله يسعى إلى المساواة والعدالة والمواطنة المتساوية.
لكن المفارقة المؤلمة أن بعض الذين قدموا أنفسهم ممثلين لقضايا الهامش اختاروا لاحقا التحالف مع القوى التي ثار الشعب ضدها أو مع قوى مثلت امتدادا للأزمة التي أنتجت الاستبداد والحروب. ومن هنا جاءت حالة الإحباط الواسعة لدى قطاعات من الثوار الذين شعروا بأن تضحياتهم قد تعرضت للالتفاف والسرقة على أيدي الانتهازيين الذين غلبوا حسابات السلطة والنفوذ على مقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
لقد كان اللقاء الصحفي مدرسة حقيقية في الأداء المهني الجاد، فقد اتسم بحرفية عالية وطرح أسئلة مباشرة لامست أوجاع الملايين من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح والتشرد وفقدان أبسط مقومات الحياة. وكانت قيمة اللقاء في أنه أعاد طرح الأسئلة التي يتداولها المواطنون يوميا حول مسؤولية الخونة والعملاء من السياسيين والعسكريين عن المآلات الكارثية التي وصلت إليها البلاد. ففي الوقت الذي كان ملايين السودانيين يحلمون بوطن تسوده الحرية والسلام والعدالة، وجدوا أنفسهم يواجهون واقعا مأساويا يتمثل في النزوح والتشرد وفقدان الأمن وسبل العيش. وبينما كانت الأسر السودانية تبحث عن الغذاء والدواء والمأوى والتعليم لأبنائها، انشغل الانتهازيون بصراعات السلطة وحسابات النفوذ.
وكانت النتيجة كارثة إنسانية غير مسبوقة، فقد وجدت ملايين الأسر نفسها بين نيران الحرب، وأجبر عدد كبير من المواطنين على مغادرة منازلهم ومدنهم وقراهم بحثا عن الأمان. وأغلقت مدارس وتعطلت جامعات وتدهورت الخدمات الصحية، فيما واجه المرضى والأطفال والنساء أوضاعا بالغة القسوة في ظل الانهيار الواسع لمؤسسات الدولة. وفي كثير من المناطق أصبح الحصول على الماء والغذاء والأمان تحديا يوميا يهدد حياة المدنيين.
ولم تتوقف آثار الحرب عند حدود النزوح الداخلي، بل امتدت إلى ملايين السودانيين الذين اضطروا إلى اللجوء إلى دول الجوار ومختلف دول العالم بحثا عن الأمان. فهناك أسر كانت تعيش حياة مستقرة في وطنها لتجد نفسها فجأة في مواجهة واقع قاس فرضته ظروف الحرب، وتعاني من الفقر والغربة وفقدان الاستقرار. وأصبح آلاف السودانيين يعتمدون على المساعدات الإنسانية أو الأعمال الهامشية لتأمين احتياجاتهم الأساسية بعد أن كانوا يعيشون حياة كريمة داخل بلدهم.
وكشفت قصص اللاجئين السودانيين حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب. فقد تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع وصورا لجوازات سفر سودانيين عرضتها سيدة مصرية قالت إن أصحابها أودعوها لديها ضمانا للحصول على الغذاء أو الاحتياجات الأساسية. وبغض النظر عن تفاصيل هذه الواقعة وغيرها، فإن انتشار مثل هذه المشاهد يعكس حجم الانهيار الذي دفع كثيرا من السودانيين إلى أوضاع لم يكونوا يتخيلون الوصول إليها. وهي مفارقة مؤلمة وموجعة لبلد يمتلك من الموارد الزراعية والطبيعية ما يؤهله لأن يكون في طليعة الدول المنتجة للغذاء لو توفرت له بيئة سياسية مؤاتية تحقق الاستقرار والسلام والتنمية. كما أن الأزمة السودانية لم تعد شأنا داخليا فحسب، بل أصبحت ساحة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية. وقد ساهمت التدخلات الخارجية في تعقيد المشهد السوداني وإطالة أمد الصراع خدمة لمصالحها الاستراتيجية على حساب معاناة الشعب السوداني. والمؤسف أن أمثال مني أركو مناوي وبقية الانتهازيين أصبحوا مجرد أدوات رخيصة لتمرير المؤامرة الشريرة على حساب المصلحة الوطنية، الأمر الذي عمق معاناة المواطنين وأطال أمد الحرب في وقت كان السودانيون يتطلعون فيه إلى الخلاص من عهد الاستبداد والفساد والظلم وبناء دولة الحرية والعدالة والسلام. لقد ساهمت تحالفات مناوي السياسية والعسكرية إلى جانب مواقف قوى أخرى في تعقيد المشهد السوداني وإطالة أمد الأزمة، وهو ما دفع المدنيون ثمنه من دمائهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم. لذلك يتزايد التساؤل حول مدى اتساق هذه المواقف مع الشعارات التي رفعتها ثورة ديسمبر المجيدة ومع الآمال التي عقدها السودانيون على مشروع التحول المدني والديمقراطي.

كلمة أخيرة يجب أن توجه إلى مناوي وإلى كل من اختار مصالحه الخاصة على حساب معاناة شعبه. قد يربح الانتهازيون جولة من جولات السياسة، لكنهم يخسرون معركة التاريخ، لأن الشعوب لا تنسى من وقف معها ولا تغفر لمن جعل جراحها وآلامها ومعاناتها سلما لمصالحه الخاصة.

الطيب الزين