رشا عوض وتكييف العدالة التاريخية في قالب العدالة الانتقالية من يملك حق تعريف الماضي السوداني، ومن ي

رشا عوض وتكييف العدالة التاريخية في قالب العدالة الانتقالية من يملك حق تعريف الماضي السوداني، ومن ي


08-23-2026, 05:08 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1787458126&rn=0


Post: #1
Title: رشا عوض وتكييف العدالة التاريخية في قالب العدالة الانتقالية من يملك حق تعريف الماضي السوداني، ومن ي
Author: خالد كودي
Date: 08-23-2026, 05:08 AM

05:08 AM August, 23 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر



رشا عوض وتكييف العدالة التاريخية في قالب العدالة الانتقالية
من يملك حق تعريف الماضي السوداني، ومن يحدد استحقاقات المصالحة؟

في تسجيل مهم للأستاذة رشا عوض على منصة "صحيح السودان" تناولت فيه مفهوم المصالحة الوطنية، قدمت رشا رؤية أكثر تقدماً من الخطاب السوداني التقليدي الذي يتعامل مع المصالحة باعتبارها مجرد دعوة إلى التسامح، أو صيغة سياسية من نوع "عفا الله عما سلف"، أو مصافحة بين قادة الحرب يعقبها الإعلان عن بداية جديدة.
ومن المهم الاعتراف منذ البداية بأن في حديث رشا عوض نقاطاً صحيحة وجديرة بالبناء عليها. فهي ترفض المصالحة المجانية، وتعترف بأن السودانيين لم يتعرضوا للمظالم بالقدر نفسه، وأن بعض المجتمعات دفعت أثماناً تاريخية أكبر من غيرها، وتربط المصالحة بالعدالة والديمقراطية والتنمية والسلام المستدام، كما تؤكد ضرورة وضع الذين "دفعوا الثمن" علي حد تعبيرها في قلب العملية.
لكن أهمية حديثها لا تمنع مساءلته.
بل إن تقدمه النسبي هو بالضبط ما يجعل مساءلته أكثر ضرورة، لأنه يكشف عن مشكلة أعمق في خطاب قطاع معتبر من النخب المدنية الديمقراطية السودانية: الاعتراف بالمظلومية التاريخية، ثم إعادة تكييفها داخل مفهوم "العدالة الانتقالية" بصورة قد تختزل سؤالاً يتعلق ببنية الدولة وتاريخ تكوينها إلى ملف لمعالجة انتهاكات مرحلة سياسية محددة.
وهنا يكمن جوهر هذا المقال.
السؤال ليس ما إذا كانت الأستاذة رشا عوض مع العدالة أو ضدها. خطابها واضح في الانحياز إلى العدالة.
السؤال الأكثر عمقاً هو:
أي عدالة؟ ولأي تاريخ؟ ومن يملك حق تعريف الظلم؟ ومن يحدد متى بدأ؟ ومن يحدد من هم الضحايا؟ ومن يقرر ما الذي ينبغي إصلاحه؟

أولاً: ماذا قالت رشا عوض؟
يمكن تلخيص أطروحتها، مع الاحتفاظ بلغتها ومفاهيمها قدر الإمكان، في النقاط الآتية:
- المصالحة الوطنية لا ينبغي تناولها "بخفة" وكأنها وصفة جاهزة تقوم على "عفا الله عما سلف ونبتدي من جديد"
- المصالحة تقع، في تصورها، في مساحة ما بين مقولة منسوبة إلى غاندي بأن "العين بالعين" تنتهي بعالم أعمى، وبين الفكرة المرتبطة بتجربة نيلسون مانديلا بأن التسامح لا يعني نسيان الماضي.
- بعد كل الدماء والدمار والأرواح والعذابات والانتهاكات التي عانى منها السودانيون، فإن التعافي الاجتماعي والمصالحة الحقيقية لا يمكن أن يتما "بالمجان".
- للمصالحة استحقاقات لا بد من دفعها.
- المشروع السياسي الذي تقوم عليه المصالحة ينبغي أن تكون «بوصلته مضبوطة صوب الأمام»؛ نحو السلام المستدام والعدالة والديمقراطية والتنمية.
- السودانيون لم يتعرضوا للمظالم نفسها، ولم يدفعوا الأثمان نفسها؛ فهناك من تعرضوا لمظالم أكبر، وللتهميش التاريخي والاستبعاد والإقصاء المنهجي.
- لا توجد دولة خرجت من هذا الحجم من الحروب والانتهاكات من دون عملية جادة للعدالة الانتقالية والتعافي الاجتماعي.
- العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكم ونيابات وقوانين؛ بل تحتاج أيضاً إلى خطاب فكري وسياسي وإعلامي يهيئ المجتمع للانتقال إلى «مربع جديد».
- المصالحة لا تتحقق بمجرد أن يأتي الجنرالات الذين تحاربوا ويتصافحوا، بينما يظل الضحايا وعائلاتهم يحملون نتائج الحرب.
- الذين دفعوا الثمن يجب أن يكونوا في قلب المصالحة الوطنية
- تصميم العدالة الانتقالية وآلياتها القضائية والمؤسسية والمساعدات الدولية المطلوبة لها هو، في تصورها، من واجبات القوى المدنية الديمقراطية والمجتمع المدني.
- كما ترفض اختزال الإسلاميين للمصالحة في نسيان جرائمهم وإعادتهم إلى السلطة، وتعتبر ذلك "مصالحة لمصالح المؤتمر الوطني" وليس مصالحة وطنية..
هذه أطروحة متقدمة مقارنة بخطابات سودانية كثيرة. لكن تقدمها يقف، في تقديري، عند عتبة السؤال الأكثر صعوبة:
هل أزمة السودان هي أساساً أزمة انتهاكات تحتاج إلى عدالة انتقالية، أم أن الانتهاكات نفسها كانت نتائج لنظام تاريخي لإنتاج السلطة والثروة والهوية والأرض والمواطنة، وبالتالي فإن السودان يحتاج، إلى جانب العدالة الانتقالية، إلى عدالة ومحاسبة تاريخية وإعادة تأسيس للدولة؟

ثانياً: العدالة الانتقالية ليست هي العدالة التاريخية
لابد هنا من ضبط المفاهيم.
وفق الإطار الذي طورته الأمم المتحدة، تشير العدالة الانتقالية
Transitional Justice
إلى مجموعة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تتعامل بها المجتمعات مع إرث الانتهاكات الجسيمة، وتشمل عادة: كشف الحقيقة، والمساءلة القضائية، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، مع وضع الضحايا في مركز العملية. وهي ليست آلية واحدة، بل منظومة يفترض أن تعمل عناصرها بصورة متكاملة.
أما المصالحة الوطنية فهي أوسع من التسوية بين القوى السياسية. إنها عملية طويلة لإعادة بناء العلاقات والثقة والاعتراف المتبادل بين الجماعات والدولة والمواطنين بعد العنف والانقسام. ولذلك لا ينبغي اعتبار المصالحة بديلاً عن العدالة، وإنما نتيجة محتملة لعملية عدالة ناجحة.
أما ما نسميه هنا العدالة والمحاسبة التاريخية
Historical Justice and Accountability
فهو سؤال أعمق زمنياً وبنيوياً.
إنه لا يسأل فقط:
من قتل خلال الحرب الأخيرة؟ بل كيف تأسست الدولة التي جعلت قتل بعض السودانيين ممكناً ومتكرراً؟ ومن ارتكب الجريمة؟ بل من بنى المؤسسات التي جعلت الجريمة قابلة للتكرار، ومن استفاد تاريخياً من تلك المؤسسات؟ ومن يجب أن يحاكم؟ بل ما الذي يجب إعادة توزيعه وإصلاحه وإعادة بنائه حتى لا تنتقل نتائج الظلم من جيل إلى جيل؟ وهذا هو الفارق الجوهري بين محاسبة الجريمة باعتبارها فعلاً منفرداً، ومساءلة البنية التاريخية التي أنتجت شروط وقوعها واستمرارها.

ثالثاً: السودان لا يخرج من حرب واحدة
أكبر خطر في أي مشروع سوداني للعدالة هو افتراض أن السودان يعيش مجرد "انتقال" من حرب إلى سلام!
انتقال من ماذا بالضبط؟
إذا بدأنا التاريخ من 15 أبريل 2023، فسنصمم عدالة تناسب ضحايا 15 أبريل، وإذا بدأناه من 30 يونيو 1989 فسنصمم عدالة لمعالجة جرائم نظام الإنقاذ، وإذا عدنا إلى حرب دارفور ستتسع الخريطة، لكن ماذا عن جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وقضايا الأرض، والرق وتجارته وموروثاته الاجتماعية والثقافية، وسياسات التعريب والأسلمة القسرية، والاستبعاد من التعليم ومؤسسات الدولة، والتفاوت في التنمية، واحتكار تعريف الهوية السودانية نفسها؟ هنا يصبح اختيار نقطة البداية فعلاً سياسياً وليس مجرد قرار تقني، لأن من يحدد بداية المأساة يحدد بصورة غير مباشرة من هو الضحية، ومن هو الجاني، وما هو الضرر، وما هو التعويض، وما الذي ينبغي إصلاحه، ولامش كده؟
وقول رشا عوض إن "ناس انظلمت أكتر" من أهم ما ورد في تسجيلها، لأن اعترافها بأن السودانيين "ما اتعرضنا لنفس المظالم كلنا"، وأن هناك من "انظلموا أكتر" وعانوا من "تهميش تاريخي" و"استبعاد وإقصاء منهجي"، يفتح الباب مباشرة أمام سؤال العدالة التاريخية، لكنها لا تمضي بهذا الاعتراف إلى نهايته المنطقية. فإذا كان الظلم تاريخياً ومنهجياً، فإن معالجته لا يمكن أن تكون انتقالية فقط، لأن الظلم التاريخي لا يترك خلفه موتى وضحايا مباشرين فحسب، بل يترك الأرض في يد طرف دون آخر، والتعليم متركزاً في مجتمعات أكثر من غيرها، والثروة متراكمة في أسر ومناطق ومؤسسات بعينها، وشبكات الدولة في أيدي جماعات اجتماعية محددة، وفرصاً غير متساوية، وذاكرة رسمية تنتصر لطرف وتمحو آخر، ومناهج تعليم تعيد إنتاج رواية واحدة، وعاصمة تتضخم لأن الأطراف حُرمت طويلاً من الاستثمار، ونخبة تمتلك اللغة والمؤسسات والعلاقات الدولية التي تتيح لها، حتى بعد الثورة، أن تتحدث باسم الضحايا أنفسهم. ولهذا فإن عدم تساوي المظالم يعني بالضرورة عدم تماثل استحقاقات العدالة، لأن المساواة الشكلية بعد تاريخ طويل من اللامساواة قد تتحول هي نفسها إلى وسيلة لإدامة اللامساواة.
أما استدعاء غاندي ومانديلا فهو مفهوم أخلاقياً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الإطار الذي نعرّف داخله العدالة. فمشكلة مقولة "العين بالعين تجعل العالم أعمى" أنها تختزل العدالة في اختيار بين الانتقام والتسامح، بينما ضحايا الظلم التاريخي في السودان لا يطالبون بالضرورة بعين مقابل عين، بل يطالبون بالأرض، والمدرسة، والمستشفى، وحقهم في كتابة تاريخهم، وإعادة هيكلة الدولة، وتمثيل عادل في مؤسساتها، وتفكيك المؤسسات التي صنعت التفاوت، والحق التاريخي في الأرض والموارد، وإعادة توزيع الفرص، واعتراف الدولة بأن ما وقع عليهم لم يكن مجرد "أخطاء" منفصلة، بل كان في نتاجاً لبنية سياسية واقتصادية وثقافية كاملة. ولهذا فإن الثنائية بين الانتقام والتسامح ثنائية مضللة، لأن السؤال الحقيقي ليس: هل نسامح؟ بل: ما الذي يجب أن يتغير حتى تصبح المسامحة، إن حدثت، قراراً حراً للضحية، لا ثمناً مفروضاً عليها من أجل استقرار الدولة؟
وحتى تجربة مانديلا لا ينبغي اختزالها في أسطورة أخلاقية عن قوة التسامح. فجنوب أفريقيا نفسها تكشف حدود المصالحة عندما لا يصاحب التحول السياسي تحول اقتصادي واجتماعي كافٍ. وقد أقر تقرير لجنة الحقيقة والمصالحة بأن الفجوات الهائلة بين الأغنياء والفقراء كانت جزءاً من ميراث الأبارتهايد، وأن قطاعات اقتصادية استفادت تاريخياً من ذلك النظام، ودعت اللجنة إلى أشكال أوسع من جبر الضرر. وذهب محمود ممداني أبعد من ذلك في نقده للجنة حين رأى أن تضييق تعريف "الضحية" و"الجاني" إلى انتهاكات محددة يمكن أن يحجب الطبيعة النظامية للأبارتهايد، وأن يترك المستفيدين من النظام خارج دائرة المساءلة التاريخية. وهذا درس سوداني بامتياز، لأن اختزال العدالة في الانتهاكات المباشرة قد يحاسب بعض الفاعلين، لكنه يترك البنية التي أنتجت التفاوت والعنف قائمة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها.

أخطر ما في خطاب النخبة السودانية هنا هو مصادرة حق تعريف المشكلة نفسها. تقول الأستاذة رشا عوض إن تفاصيل العدالة الانتقالية وكيفية تصميمها، والأجهزة المطلوبة لتنفيذها، والمساعدات الدولية اللازمة لها، هي "والواجب المدرسي للقوى المدنية الديمقراطية" و"أساساً واجب المجتمع المدني". لكن السؤال هو: من منح القوى المدنية الديمقراطية السودانية هذه الولاية التاريخية؟ المسألة هنا ليست لغوية، وإنما مسألة سلطة وتمثيل، لأن القوى المدنية الديمقراطية ليست موجودة خارج التاريخ السوداني، بل إن قطاعات معتبرة منها تشكلت داخل البنية الاجتماعية والتعليمية والجغرافية نفسها التي أنتجت التفاوت. ولهذا ينبغي أن نسأل: من امتلك فرص التعليم الحديث مبكراً؟ ومن كان أقرب إلى جهاز الدولة؟ ومن امتلك الصحيفة والمنبر والجامعة والنقابة والحزب والمنظمة غير الحكومية؟ ومن امتلك اللغات والشبكات التي تفتح أبواب المؤسسات الدولية؟ ومن اكتسب القدرة على كتابة المشروعات للمانحين والوصول إلى جنيف ونيويورك وأديس أبابا والقاهرة ونيروبي؟ ومن امتلك، نتيجة لذلك كله، القدرة على تحويل تجربته الخاصة ورؤيته للعالم إلى ما يقدم باعتباره "الخطاب الوطني"؟ هذه ليست أسئلة اتهامية بقدر ما هي أسئلة سوسيولوجية ضرورية عن كيفية إنتاج النخبة، وإنتاج المعرفة، وتوزيع القدرة على تمثيل الآخرين والتحدث باسمهم.
ومن أخطر الظواهر في تاريخ السياسة السودانية أيضاً أن كثيراً من الأفكار التي خرجت من مناطق الحرب والهامش بعد عقود من المقاومة مرت في المركز بثلاث مراحل متكررة: الرفض، ثم التخفيف، ثم الاستحواذ. عندما تحدثت قوى الهامش عن التهميش قيل إنه خطاب جهوي، وعندما تحدثت عن إعادة بناء الدولة قيل إنها تريد هدم السودان، وعندما طالبت بالعلمانية قيل إنها تتبنى مشروعاً متطرفاً وغريباً عن المجتمع، وعندما تحدثت عن إعادة توزيع السلطة والثروة قيل إنها تطالب بالمحاصصة، وعندما طرحت سؤال الهوية قيل إنها تهدد الوحدة الوطنية. وبعد عقود، بدأت قطاعات من النخبة المركزية نفسها تستخدم مفردات التهميش والتنوع والعدالة والسلام والمواطنة، ولكن في كثير من الأحيان بعد تخفيف وتسويف مضمونها السياسي وإبعادها عن الأسئلة الأكثر صعوبة المتعلقة بإعادة توزيع القوة والثروة وإعادة تأسيس الدولة.
وهذه آلية معروفة في دراسات الهيمنة. يساعدنا أنطونيو غرامشي على فهم أن الهيمنة لا تعمل بالقهر وحده، وإنما أيضاً من خلال إنتاج القبول والقدرة على استيعاب بعض أفكار القوى المعارضة وإعادة ترتيبها داخل الإطار المهيمن. ومن هنا تصبح إحدى أخطر لحظات مقاومة الظلم هي اللحظة التي تتبنى فيها النخبة لغة المظلوم، لكنها تحتفظ لنفسها بحق تفسير هذه اللغة، وتحديد معناها السياسي، ورسم الحدود التي يجوز أن تصل إليها مطالب المظلومين. فالمشكلة لم تعد عندئذ إنكار المظلومية، وإنما السيطرة على تعريفها وعلى الحلول المقبولة لمعالجتها.
وهنا يمكن أن يحدث الانتقال من مطلب العدالة التاريخية إلى مجرد "برنامج للعدالة الانتقالية" بوصفه عملية لترويض المطلب الأصلي. يقول الهامش إن الدولة نفسها تحتاج إلى إعادة تأسيس، فتجيب النخبة بأن المطلوب هو إصلاح مؤسسات الدولة. ويقول الضحايا إن الأرض قضية تاريخية مرتبطة بالسلطة والهوية والاقتصاد، فيتحول الأمر إلى برنامج محدود لجبر الضرر. ويقول المهمشون إن تراكم الثروة والفرص غير متكافئ تاريخياً، فتتحول القضية إلى مشروعات تنمية للمناطق المتأثرة بالحرب. ويقولون إن نظام الهوية والمواطنة نفسه أنتج مواطنين بدرجات متفاوتة، فيصبح الرد هو الحاجة إلى خطاب جديد للتعايش وقبول التنوع. ويطالبون بالمحاسبة والعدالة التاريخية، فتختزل القضية في العدالة الانتقالية. هنا لا يجري إنكار المظلومية بصورة مباشرة، بل يحدث شيء أكثر تعقيداً: يُعترف بالمظلومية، ولكن يعاد تعريف علاجها بطريقة قد تترك البنية التي أنتجتها دون تغيير جذري... ده كلام ده؟
تقدم التجربة الأمريكية بعد إلغاء الرق واحداً من أهم الدروس في هذا الصدد. فقد انتهت العبودية قانونياً، ثم جاءت تعديلات دستورية رسخت إنهاء الرق والمواطنة وحقوق التصويت، لكن السؤال الذي بقي كان: هل تكفي الحرية القانونية لإنسان خرج من قرون من الاستعباد بلا أرض ولا ثروة ولا تعليم، بينما بقي جانب كبير من الأرض ورأس المال والقدرة الاقتصادية في أيدي الذين استفادوا من النظام السابق؟ في المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية وبدايات إعادة البناء ظهرت محاولات لمنح المحررين إمكانية الوصول إلى الأرض، لكن إدارة الرئيس أندرو جونسون تراجعت عن جانب مهم من سياسات إعادة توزيع الأراضي وأعادت مساحات إلى ملاكها السابقين. وكانت النتيجة أن حصل المحرر على الحرية القانونية دون أن يحصل بالقدر نفسه على البنية المادية التي تجعل تلك الحرية قابلة للممارسة على قدم المساواة.
ومن هذه الفجوة نشأت أشكال جديدة من التبعية الاقتصادية، ومنها نظام المزارعة بالمشاركة، ثم جاءت قوانين الفصل العنصري والحرمان السياسي، وتطورت لاحقاً أنماط أخرى من التمييز البنيوي. ولهذا كانت قراءة
W.E.B. Du Bois
لإعادة البناء في كتابه
Black Reconstruction in America
أعمق من اختزال التحرر في إلغاء الملكية القانونية للإنسان؛ فقد ربط مشروع الديمقراطية بعد العبودية بأسئلة التعليم والعمل والأرض ورأس المال والحقوق المدنية والقوة السياسية. فالتحرر القانوني الذي لا يغير شروط توزيع القوة قد ينهي الشكل القانوني للظلم بينما يسمح لآثاره الاجتماعية والاقتصادية بأن تستمر بأشكال جديدة.
وهنا تكمن أهمية المقارنة بالنسبة إلى السودان. يستطيع السودان أن يعلن السلام والمواطنة والديمقراطية والمصالحة، لكنه إذا ترك نظام الأرض كما هو، وتوزيع الثروة كما هو، ومركزية الدولة وقوانينها المنحازة لدين بعينه كما هي، والتفاوت في التعليم والتنمية كما هو، ومؤسسات إنتاج المعرفة كما هي، واحتكار الرواية الوطنية كما هو، فإنه يكون قد غير القواعد السياسية الرسمية دون أن يغير الشروط التاريخية غير المتساوية التي يدخل بها السودانيون إلى النظام الجديد. وعندها قد تتحول الديمقراطية نفسها إلى منافسة شكلية بين مواطنين يحملون الحقوق القانونية ذاتها، لكنهم لا يمتلكون الموارد والفرص ورأس المال الاجتماعي والثقافي نفسه لممارسة تلك الحقوق.
وهذا هو جوهر العدالة التاريخية: الماضي ليس زمناً انتهى بمجرد أن نعلن نهايته، بل يتحول إلى مؤسسات وثروات وخرائط وفرص وامتيازات وأشكال من الحرمان. الأرض التي انتقلت بالأمس من جماعة إلى أخرى يمكن أن تنتج دخلاً وثروة اليوم، والمدرسة التي لم تُبنَ قبل خمسين عاماً تظهر آثار غيابها اليوم في عدد الأطباء والمهندسين والأساتذة والقضاة والإداريين الذين يستطيع المجتمع إنتاجهم، والطريق الذي بُني في منطقة وحُرمت منه أخرى يتحول مع مرور العقود إلى تفاوت في الأسواق والاستثمار وقيمة الأرض وفرص العمل. والجامعة التي تركزت في المركز أنتجت طبقة متعلمة أصبحت بدورها أكثر قدرة على دخول مؤسسات الدولة وقيادة الأحزاب والنقابات والمنظمات المدنية، ثم أصبحت هذه المواقع نفسها مصدراً جديداً لرأس المال الاجتماعي والسياسي. وهكذا يتحول الماضي إلى رأس مال متراكم لدى بعض المجتمعات، وإلى حرمان متراكم لدى مجتمعات أخرى.
وهذا قريب مما يفسره بيير بورديو في تحليله لأشكال رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي وآليات إعادة إنتاجها بين الأجيال. فالامتياز لا يحتاج دائماً إلى مؤامرة واعية أو قرار تمييزي جديد حتى يستمر؛ يكفي أن يرث الأبناء شروطاً غير متساوية، ثم يدخلوا مؤسسات يفترض أنها محايدة، وبعد ذلك نصف المنافسة بينهم بأنها متساوية. وبذلك تستطيع اللامساواة التاريخية أن تعيد إنتاج نفسها داخل نظام يعلن رسمياً التزامه بالمساواة.
ولهذا لا تكفي عبارة رشا عوض الصحيحة بأن «الذين دفعوا الثمن يجب أن يكونوا في قلب المصالحة». فالسؤال هو: ماذا يعني أن يكون الضحايا «في القلب»؟ هل يعني أن نستمع إلى شهاداتهم فقط، أم أن يمتلكوا سلطة تعريف الضرر وتحديد أسبابه واقتراح وسائل معالجته؟ هل نستدعي امرأة من جبال النوبة إلى ورشة في الخرطوم لكي تروي ما حدث لها، ثم يعود الخبراء إلى مكاتبهم وفنادقهم ليكتبوا «الإطار الوطني للعدالة الانتقالية»؟ وهل يصبح أهل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق وغيرهم من المجتمعات المتضررة موضوعاً للدراسة والاستشارة، أم شركاء حقيقيين في إنتاج المعرفة وتصميم المؤسسات واتخاذ القرار؟ هناك فرق جوهري بين مشاركة الضحايا في عملية صممها الآخرون وبين مشاركتهم في تصميم العملية نفسها.
والأمر نفسه ينطبق على القوى المدنية الديمقراطية. فلا يمكن قبول الفكرة القائلة إنها، بمجرد كونها مدنية وديمقراطية، تصبح الجهة الطبيعية المؤهلة لتعريف العدالة المطلوبة للسودان. وهذا لا يعني رفض هذه القوى أو إقصاءها، وإنما يعني إخضاعها هي نفسها لسؤال العدالة والمحاسبة التاريخية. فالقوى المدنية السودانية الحديثة تشكلت داخل مجتمع غير متساوٍ، وأحزابها ونقاباتها وجامعاتها ومنظماتها وصحفها ليست جميعها مسؤولة بالدرجة نفسها عن إنتاج الظلم، لكنها أيضاً ليست مؤسسات بلا تاريخ اجتماعي. لقد ورثت قطاعات منها امتياز القرب من المركز، والتعليم، واللغة السياسية، والعلاقات الخارجية، والوصول إلى الدولة ومؤسسات إنتاج المعرفة والتمثيل.
ولهذا فإن صفة «مدني» أو «ديمقراطي» لا تنتج في حد ذاتها براءة تاريخية. فقد يكون الفاعل ديمقراطياً من حيث دفاعه عن الانتخابات والحريات السياسية، لكنه مستفيد في الوقت نفسه من بنية اجتماعية غير ديمقراطية في توزيع الفرص والموارد. وقد يدافع عن حقوق الإنسان لكنه يتهرب من سؤال الأرض، وقد يطالب بالمواطنة المتساوية لكنه يتحفظ على إعادة توزيع السلطة والثروة، وقد يطالب بمحاكمة مجرم الحرب لكنه لا يريد مساءلة النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي جعل حروب الهامش ممكنة ومتكررة لعقود. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للقوى المدنية الديمقراطية ليس مقدار ما تقوله عن العدالة، بل مدى استعدادها لأن تجعل العدالة تمتد إلى البنية التاريخية التي ساهمت في إنتاج امتيازاتها هي نفسها.

تجربة جنوب أفريقيا تقدم تحذيراً مهماً من اختزال المصالحة في قصة مانديلا الذي سامح. فالسؤال الذي بقي بعد نهاية الأبارتهايد لم يكن فقط من ارتكب الانتهاكات، بل من امتلك ماذا بعد انتهاء النظام؟ لقد أنجزت لجنة الحقيقة والمصالحة عملاً تاريخياً في كشف الجرائم والاعتراف بالضحايا، لكن النقد الذي وجهه محمود ممداني كان أساسياً، لأن تعريف الجريمة من خلال الانتهاك الفردي وحده قد يحجب النظام الذي صنع ملايين الضحايا العاديين. يمكن عندها أن نعرف اسم الشرطي الذي عذب ناشطاً، لكننا لا نسأل بالعمق نفسه عن النظام الذي وزع الأرض والتعليم والسكن والعمل والثروة وفق تراتبية عنصرية. وهكذا تتحول العدالة من محاكمة النظام إلى محاسبة بعض أفعال النظام، وهذا هو الفارق بين عدالة انتقالية ضيقة وعدالة تاريخية تسائل البنية التي أنتجت الظلم وراكمت آثاره.
ومن الضروري أيضاً توضيح أن العدالة التاريخية لا تعني الانتقام الجماعي، ولا تحميل أبناء اليوم ذنب جرائم أجدادهم، ولا محاكمة قبيلة أو منطقة، ولا استبدال هيمنة بهيمنة أخرى. العدالة التاريخية ليست نظرية للذنب الوراثي، بل نظرية للمسؤولية المؤسسية عن الآثار المتوارثة. لا يمكن القول إن شخصاً ولد اليوم مذنب لأن جده امتلك امتيازاً، لكن إذا كان الامتياز الذي صنعه النظام القديم ما يزال يعمل من خلال الأرض والثروة والتعليم والمؤسسات والسلطة، فمن المشروع أن نسأل كيف نصحح هذه النتائج. العدالة لا تعاقب الأحفاد على الماضي، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تقول للضحايا إن من ظلمهم قد مات، ولذلك عليهم الاحتفاظ بالفقر والحرمان، بينما يحتفظ الآخرون بنتائج الامتياز، ثم يبدأ الجميع من اللحظة الراهنة باعتبارهم متساوين. هذه ليست مساواة، بل تجميد للتاريخ عند اللحظة التي أصبح فيها توزيع القوة مناسباً لمن استفادوا منه.
ومن هنا تكتسب عبارة رشا عوض «المصالحة لا تتم بالمجان» أهميتها الحقيقية، لكنها تحتاج إلى سؤال إضافي: من يدفع، وماذا يدفع، ولمن؟ إذا كانت المجتمعات السودانية قد دفعت أثماناً تاريخية متفاوتة، فإن استحقاقات المصالحة لا يمكن أن تكون متماثلة. بعض الضحايا يحتاجون إلى كشف الحقيقة، وبعضهم إلى محاكمة الجناة، وبعضهم إلى التعويض، وبعضهم إلى العودة إلى أرضه، وبعض المجتمعات تحتاج إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وبنية تحتية بوصفها شكلاً من أشكال جبر الضرر التاريخي، وبعضها يحتاج إلى استعادة لغته وثقافته داخل المجال العام، وإلى مراجعة المناهج التي همشته أو محته من التاريخ الوطني. والدولة نفسها تحتاج إلى مؤسسات جديدة تمنع إعادة إنتاج المركز والهامش. هذه هي استحقاقات المصالحة إذا أخذنا عبارة «لا تتم بالمجان» إلى نهايتها المنطقية.
وهنا يظهر الفارق بين الخطاب المدني الديمقراطي التقليدي، حتى في أكثر صيغه تقدماً، وبين رؤية السودان الجديد. فالسؤال التقليدي غالباً هو: كيف نصلح الدولة السودانية وننقلها إلى الديمقراطية؟ أما سؤال السودان الجديد فهو أكثر جذرية: أي دولة هذه التي نريد نقلها إلى الديمقراطية أصلاً؟ هل تكفي ديمقراطية انتخابية فوق بنية تاريخية غير متساوية؟ وهل يمكن تحقيق المواطنة المتساوية من دون حياد الدولة تجاه الأديان والهويات؟ وهل يمكن تحقيق السلام من دون معالجة قضية الأرض؟ وهل يمكن تحقيق العدالة من دون إعادة توزيع السلطة والموارد؟ وهل يمكن ضمان عدم التكرار من دون إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية؟ وهل يمكن الحديث عن وطن جديد إذا ظل المركز محتفظاً بحق تعريف الوطن نفسه؟ هذه ليست تفاصيل تضاف بعد المصالحة، بل هي شروط المصالحة ذاتها.
وإذا أرادت القوى المدنية الديمقراطية أن تكون حليفاً حقيقياً لقوى الهامش والضحايا، لا مديراً جديداً لمظالمهم، فعليها أن تقوم بتحول فكري وسياسي عميق. عليها أولاً أن تعترف بأن العدالة الانتقالية ضرورية لكنها غير كافية للسودان، وأن تقبل صراحة بمفهوم العدالة والمحاسبة التاريخية بوصفه إطاراً يتجاوز الجرائم المباشرة إلى البنى التي أنتجت التهميش. وعليها ألا تبدأ العدالة من 15 أبريل 2023، ولا من انقلاب 1989 وحده، بل أن تفتح نقاشاً وطنياً علمياً حول الجذور التاريخية لتكوين الدولة السودانية ومؤسساتها وتراتبياتها. كما يجب أن تتخلى النخب عن ادعاء الوكالة الحصرية في تعريف العدالة، وأن تنتقل من التحدث باسم الضحايا إلى تقاسم السلطة المعرفية والسياسية معهم، وأن تصبح قضايا الأرض والتعليم والتنمية واللغة والثقافة والذاكرة وتوزيع مؤسسات الدولة والثروة جزءاً أصيلاً من مشروع العدالة، لا ملفات جانبية منفصلة عنه. كما ينبغي أن تخضع القوى المدنية نفسها للمراجعة: من يقودها، ومن يمثل داخلها، ومن يملك مواردها، ومن يحدد أجندتها، ولماذا ظلت قطاعات واسعة من الهامش خارج مؤسسات إنتاج القرار والمعرفة؟ وضمان عدم التكرار لا يعني فقط إصلاح الشرطة والقضاء، بل إعادة بناء شروط المواطنة نفسها.
ولهذا فإنني أتفق مع الأستاذة رشا عوض في رفض المصالحة المجانية، وفي أن الجنرالات لا يستطيعون أن يتصافحوا فوق قبور الضحايا ثم يطلبوا من المجتمع أن ينسى، وفي أن السودانيين لم يدفعوا الثمن نفسه. لكنني أختلف معها عندما ينتهي الطريق، عملياً، عند العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية كما تعيد النخب المدنية الديمقراطية تعريفهما وتصميمهما. فالسؤال السوداني أكبر من ذلك. نحن لا نحتاج فقط إلى الانتقال من الحرب إلى السلام، بل إلى الانتقال من دولة صنعت الحرب إلى دولة تجعل شروط الحرب نفسها غير قابلة لإعادة الإنتاج. ولا نحتاج فقط إلى معرفة من أطلق الرصاصة، بل إلى معرفة من صنع البنية التي جعلت حياة بعض السودانيين أقل قيمة من غيرهم. ولا يكفي أن نسأل من قتل ومن عذب ومن نهب، بل علينا أيضاً أن نسأل من امتلك الأرض، ومن امتلك الدولة، ومن امتلك التعليم، ومن امتلك تعريف الهوية، ومن كتب التاريخ، ومن استفاد من التنمية، ومن دفع تكاليف غيابها، ومن يملك اليوم حق تعريف العدالة نفسها.
هذه ليست دعوة إلى الانتقام، بل دعوة إلى تحرير المصالحة من الخوف من التاريخ. فالعدالة الانتقالية تعالج الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال مراحل الصراع، أما العدالة التاريخية فتسأل عن المجتمع والدولة والمؤسسات التي جعلت تلك الجرائم ممكنة ومتكررة، وعن الكيفية التي استمرت بها آثارها بعد توقف العنف المباشر. والسودان يحتاج إلى الاثنين، لكن الخطر هو أن تستخدم العدالة الانتقالية لإغلاق باب العدالة التاريخية.
لقد أظهرت التجربة الأمريكية أن التحرر القانوني من الرق، من دون إعادة توزيع كافية لشروط الاستقلال الاقتصادي، ترك المحررين عرضة لبنى جديدة من التبعية، وأظهرت جنوب أفريقيا أن الاعتراف الأخلاقي والسياسي، على أهميته التاريخية، لا يلغي تلقائياً الميراث الاقتصادي والاجتماعي للأبارتهايد. والتجربتان تحذران السودان من بناء مصالحة عظيمة في لغتها، لكنها فقيرة في قدرتها على تغيير توزيع القوة والثروة والفرص.
ومن موقع قوى الهامش ورؤية السودان الجديد، المطلوب ليس استبدال نخبة بأخرى، ولا تحويل الضحايا إلى جلادين، بل إنهاء القواعد التي أنتجت الجلاد والضحية كموقعين تاريخيين قابلين لإعادة الإنتاج. وعندما تقول رشا عوض إن «المصالحة ما بتتم بالمجان»، فإن العدالة التاريخية تجيب: صحيح، لكن الثمن ليس أن يسامح الضحايا فقط، بل أن تتغير الدولة نفسها، وأن تتغير مؤسساتها وعلاقات السلطة والثروة فيها، وأن يعاد الاعتبار للأرض والهوية والذاكرة، وأن تتغير علاقة المركز بالأطراف، وأن يفقد المستفيد من الظلم القدرة على تعريف العدالة نيابة عن من وقع عليهم الظلم، وأن يصبح الضحايا ليسوا مجرد شهود أمام لجنة حقيقة، بل شركاء في تأسيس الدولة التي ستأتي بعد الحقيقة. عندها فقط تصبح المصالحة أكثر من هدنة، والعدالة أكثر من محكمة، والسلام أكثر من توقف البنادق، وعندها فقط يمكن الحديث بجدية عن السودان الجديد بوصفه قطيعة دستورية وأخلاقية واقتصادية مع الشروط التاريخية التي أنتجت السودان القديم.