Post: #1
Title: الترابي لم يمت كتبه د. الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 08-22-2026, 11:58 PM
11:58 PM August, 22 2026 سودانيز اون لاين الوليد ادم مادبو-السودان مكتبتى رابط مختصر
رجعت الألوف بعد أن وارت الترابُ جسدَ الترابي، ظنًا منها أنها افتقدته؛ لكن بعد عشر سنوات من رحيله تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: لم يكن ما افتقده الناس هو الرجل بقدر ما كان حضوره الطاغي. غاب صاحب الصوت، وبقي بعض صداه؛ وغاب الشيخ، وبقيت الطريقة التي حاول بها أن يجعل السياسة تتكلم بلسان الدين، والدين يمشي في مواكب السياسة.
فهل تجاوزنا الرجل فعلًا، أم أننا ما زلنا نعيش، بطريقة أو بأخرى، في ظله؟
كان حسن الترابي أكثر من زعيم سياسي أو رجل دين؛ كان صاحب مشروع فكري امتلك قدرة استثنائية على الجمع بين الفقه والقانون والسياسة، وعلى إعادة صياغة الخطاب الإسلامي بلغة حديثة استقطبت النخب والشباب. لكن مأزقه لم يكن في نقص الذكاء أو ضيق المعرفة، وإنما في كيفية تحويل المعرفة إلى سلطة، والفكرة إلى ممارسة سياسية.
حاولت قناة الجزيرة، في حوارها الشهير مع الترابي، أن تقدمه بوصفه المفكر المتصالح مع تجربته، الناقد لأخطائها، والساعي إلى مراجعتها من موقع من تجاوزها. وكانت الصورة جذابة: رجل مثقف يتأمل تجربة سياسية انتهت إلى الخراب، ويبدو كأنه يملك من المسافة ما يكفي للحكم عليها.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة. فالترابي لم يكن مؤرخًا للتجربة، وإنما كان أحد أهم مهندسيها. ومن ثم فإن حقه في نقدها لا يلغي مسؤوليته عنها، كما أن اختلافه اللاحق مع بعض نتائجها لا يمحو دوره في تأسيس الإطار الفكري والسياسي الذي أتاحها.
وليس المقصود تحميل رجل واحد كل ما جرى في عهد الإنقاذ؛ فالتاريخ لا يُختزل في شخص. لكن ثمة فرقًا بين مسؤولية الفاعل عن كل تفصيل، ومسؤوليته عن الفكرة التي جعلت بعض الأفعال ممكنة، وبعض التجاوزات قابلة للتبرير.
كان إعلان الجهاد على جنوب السودان من أكثر اللحظات دلالة في هذا السياق. فلم يكن مجرد قرار عسكري اتخذته سلطة في لحظة حرب، وإنما كان تعبيرًا عن تصور وضع الدين داخل الصراع السياسي، وحوّل خصومة الدولة مع جزء من مواطنيها إلى قضية ذات غطاء ديني. ومن هنا مهدت تلك الرؤية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمزيد من الاحتراب الذي اتسع لاحقًا في أنحاء أخرى من السودان.
ولعل مفتاح شخصية الترابي السياسية يكمن في قدرته على تبديل الأدوات بحسب طبيعة الخصم: كان يلجأ إلى السياسة في مواجهة المتدينين، ويستدعي اللغة الدينية في مواجهة السياسيين. لم تكن تلك مجرد براعة في الخطاب؛ كانت إحدى صور الميكافيلية التي تجعل الوسيلة قابلة للتبديل، والمبدأ قابلًا للتكييف، بحسب مقتضى اللحظة.
ومن هنا يمكن فهم بعض أكثر مواقفه التباسًا. فعندما كان يستدعي، في تفسير ما آلت إليه تجربة أتباعه بعد المفاصلة، لغة من قبيل «غرّتهم الدنيا وفتنتهم مباهجها»، لم يكن ذلك، في تقديري، اعتزازًا بالمنطق الديني بقدر ما كان توظيفًا للغة الغيب لتغييب الحقائق؛ أي نقل المسؤولية من الوقائع التي يمكن مساءلتها إلى تأويل لا يمكن مساءلته. وتلك إحدى صور الميكافيلية: أن تُستخدم اللغة لا لتكشف الحقيقة، وإنما لتؤدي وظيفة تخدم الموقف.
وقد ظهرت هذه الميكافيلية بصورة أكثر فجاجة في تبدل النظر إلى الذين ماتوا في الجنوب بعد تغير موقعه السياسي؛ فما كان يُقرأ في زمن الحرب ضمن خطاب الجهاد لم يعد يحتفظ بالمعنى نفسه بعد تغير الموقف من المشروع. وهنا تصبح المسألة أكبر من لفظ أو واقعة بعينها: حين يتغير موقع السياسي، لا ينبغي أن تتغير معه قيمة الحقيقة نفسها.
كان الترابي يمتلك قدرة نادرة على الحركة بين عالمين: عالم الدين، بما يمنحه من سلطة رمزية وأخلاقية، وعالم السياسة، بما يمنحه من أدوات القوة والمناورة. لكن الجمع بين العالمين حمل في داخله تناقضه: كلما اقترب الدين من السلطة، تعرضت قدسيته للاستخدام؛ وكلما استعانت السياسة بالمقدس، أصبح من الصعب مساءلتها.
ومن هنا أيضًا ينبغي فهم «التمكين». لم يكن الأمر مجرد خلل في التعيين أو انحراف إداري؛ فالمشكلة أعمق: حين يصبح الولاء للمشروع سابقًا على الولاء للمؤسسة، تصبح الدولة نفسها جزءًا من التنظيم بدل أن يكون التنظيم خادمًا للدولة. وعندها لا يعود السؤال: من هو الأكفأ؟ بل: من هو الأكثر ولاءً؟ ولا تصبح المؤسسة ميزانًا للسلطة، وإنما تصبح السلطة ميزانًا للمؤسسة.
لكن سيكون من السهل جدًا أن نتوقف هنا ونقول: كانت المشكلة هي الترابي. وهذا استنتاج مريح، لكنه لا يكفي.
فالرجل الذي تلقى جانبًا مهمًا من تكوينه الفكري في الغرب، وعاد من باريس إلى الخرطوم، لم يعد بالضرورة حاملًا نقيض الحداثة. وربما كانت المفارقة أكثر تعقيدًا: فقد حمل معه تصورًا للدولة يشبه، في بعض وجوهه، التصور الذي صاحب الدولة الحديثة في مراحل تكوينها الأولى؛ دولة قوية تعيد تشكيل المجتمع، وتفرض قدرًا من التجانس والوحدة السياسية.
لكن التجربة نفسها تغيّرت. فالدولة التي استطاعت في مراحل تاريخية أن تصنع قدرًا من التجانس عبر القانون والتعليم واللغة والمؤسسات، أخذت تتعلم لاحقًا أن المجتمعات لا تحتاج بالضرورة إلى أن تذوب في قالب واحد، وأن المواطنة تستطيع أن تتسع لتعدد الهويات.
وهنا تقع المفارقة السودانية: ما تستطيع الدولة القوية ذات المؤسسات الراسخة أن تنجزه بالقانون، لا تستطيع الدولة الضعيفة أن تنجزه بالبطش. فإذا عجزت عن إنتاج الوحدة بالمؤسسات، لجأت إلى القوة؛ فتقمع الاختلاف بدل أن تديره، وتنتج الطاعة بدل المواطنة، وتخفي التصدعات بدل أن تعالجها.
ومن ثم فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس عن الترابي وحده، وإنما عن الفكر الذي أنتجه وأنتجته الظروف السياسية معه:
كيف تجمّد الفكر الإسلامي؟ ولماذا أخفقت محاولات تحديثه؟ ومن المستفيد من بقائه في صورته التخديرية؟ ولماذا تخشى الأنظمة لحظة استثارة العقل التنويري الذي ينقل الإنسان من موقع التلقي إلى موقع الفاعلية؟
وذلك حديثٌ آخر.
|
|