Post: #1
Title: اللعبة بقانون متغير كتبه د.امل الكردفاني
Author: أمل الكردفاني
Date: 08-22-2026, 11:47 PM
11:47 PM August, 22 2026 سودانيز اون لاين أمل الكردفاني-القاهرة-مصر مكتبتى رابط مختصر
تابعت في الآونة الأخيرة مباريات مايك تايسون وبدون هدف محدد. عشرات المباريات التي أسقط فيها تايسون غرماءَه بالضربة القاضية، وخمس هزائم، لم أجد لها تبريراً سوى مباراته الأخيرة مع هوليفيلد حينما عض تايسون اذن هوليفيلد. وأقول بأنني لم أجد هزائمه الأخرى مبررة؛ لأن تايسون لم يكن يلاكم، بل كان يمتلك قوة تكتيكية لا تقل عن ارتفاع لياقته البدنية. ولذلك أعدت مشاهدة بعض المباريات، ولاحظت أن تايسون لم يكن فقط قادراً على سحق منافسيه بالضربة القاضية، بل كان يستطيع فعل ذلك في الجولة الأولى ومنذ الدقيقة الأولى، مع ذلك كان يتعمد إطالة المباريات للجولات الخامسة والسادسة وأحيانا لآخر جولة لينال الفوز بحُكم القضاة وليس بالضربة القاضية. وفي هزائمه الأولى كان لا ينال لكمة قوية بل يتزحلق على الأرض ويسقط دون لتعرضه للكمة حقيقية، بل وكان في أحيان أخرى -متعمداً- يتخلى عن حماية وجهه بقبضتيه وكأنما ينادي على خصمه ليسدد له اللكمة القاضية. تأكد لي أن تايسون كان كنزاً لا يمكن التخلي عنه بسهولة، فهو يحقق إيرادات مشاهدة عالية جداً، وكلما امتد زمان المباراة كلما تدفقت الملاين على المنظمين وعلى تايسون. في إحدى المباريات، لم يتمكن الخصم من البقاء لثلاثين ثانية، ويبدو أن تايسون أخطأ في حساب قوة لكمته التي لم تكن خفيفة كما هو مطلوب لكي يستمر النزال لوقت أطول. هكذا سقط خصم تايسون بعد بضع ثوانٍ من بدء النزال، فشعر الجمهور بالسخط الشديد. وكان على تايسون ألا يكرر ذات الخطأ. لذلك في نزالاته الأخرى، وبعد أن يسدد لكمات قوية للخصم، لم يكن يواصل القتال، بل كان يرتمي في أحضان الخصم ليمنح هذا الأخير زمنا كافياً لالتقاط أنفاسه ومواصلة النزال لبضع جولات أخرى. كان الخصم ينهار جسدياً ومعنوياً، ويمكننا ملاحظة ذلك من انحناء كتفيه وخمول عضلاته وتعرق جسده بل وحتى نظراته المرهقة، غير أن تايسون لا ينقض عليه بل يستخدم تكتيكات غريبة لابقاء الخصم واقفاً على قدميه. في آخر نزال له مع اليوتوبر الشاب، لاحظ الجميع أن تايسون كان يتلاعب بالنتيجة لصالح خصمه، وكان من الواضح أنه يلعب من أجل المال فقط. هذا ما حدث مع تايسون في كل نزالاته ما عدا نزاله مع هوليفيلد. الذي كان خاتمة مشواره قبل مباراته مع اليوتوبر. ربما كان مايك تايسون قد همس لخصمه: "حان الوقت لتلكمني كي أسقط على الأرض".
المال تدره رغبات الجماهير، والجماهير ترغب في النسيان، والنسيان يحدث عندما ينشغل عقل الانسان باشباع متعـِهِ الصغيرة. أو كما أشار وودي آلان إلى ذلك حين قال بأنا نشاهد الأفلام كي نشتت انتباهنا عن رؤية الحقيقة. هنا يتم صنع المال، تتدفق النقود،ملاين النقود، من خلال بيع نشوة مؤقتة للإنسان. لم تعد الحاجات الأساسية هي السلع التي يدر بيعها نقوداً، بل شذرات المتع العابرة. لقد تغير العالم تغيراً كبيراً منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين، وقبلها بقليل الاصلاح الاقتصادي في الصين على يد دينغ شياو بينغ حيث لم يبق بعدها من الحزب الشيوعي الصيني سوى الاسم. وأصبحت روسيا الداعم الأكبر للرأسمالية والكارتيلات الروسية، وانفتحت أغلب دول العالم -بمافي ذلك دول أمريكا اللاتينية التي كانت تقود النزعة الثورية في العالم- على قانون العرض والطلب، ونهاية عصر غطاء العملات بالذهب. انتهى كل ذلك، وبدأ عصر جديد، تقلصت فيه الآيدولوجيات التي كانت تمنح مبررات أخلاقية وفلسفية للصراع في العالم. إذ لا يمكن الآن أن ننسب أي حرب ما إلى أي بعد آيدولوجي ما. أصبحت النزالات تكتيكية فقط، إطالة أمدها لتحقيق مكاسب، كدعم البنوك، تحريك الاقتصادات الراكدة، رفع سعر الفائدة أو تخفيضها، نفوذ على المعابر والممرات البحرية..الخ. لكن أين هي الآيدولوجيا التي كانت تمثل قانون اللعبة؟ لم تعد هناك آيدولوجيا، بل صراع أقطاب مفتوح، يتغير فيه القانون باستمرار ووبراغماتية معترف بها من الجميع، وربما تكون هي القانون الوحيد الذي يمنح النزالات شرعيتها. هذا يعني أن هناك تقهقر إلى المجتمعات البدائية، التي لم تمتلك أي آيدولوجيات تتمحور حولها لخوض حروبها سوى الصراع على الموارد الشحيحة، ونزعة البقاء والتوجيهات الكونية لحفظ النوع. غير أن هذا التقهقر أمتلك أدوات جديدة للصراع، امتلك التكنولوجيا الفائقة جداً، لذلك فإن الصراع اليوم ليس صراع آيدولوجيا بل صراع منظومات عبر شركات هي في الحقيقة مجرد واجهات عملاقة، تم صناعتها بدقة لتمتلك المنظومة أسلحتها لاختراق الخصوم. لذلك حينما نتحدث إلى الأفراد، إلى أولئك الراغبين في تغيير واقعهم الخاص، كرواد للأعمال مثلاً، فيجب أن نخبرهم بأهم قاعدة في لعبة متغيرة القانون وهو أن يعرفوا متى يهمسوا: "الكمني الآن كي أسقط على الأرض".. أي أن يتعلموا كيف يصمموا تكتيكان الهزيمة قبل تكتيكات النصر، أن يخفضوا قليلا قبضاتهم عن وجوههم لتلقي اللكمات، أن يرتموا في أحضان الخصم المنهزم كي لا يسقط عن الأرض، أن يترنحوا لكي يتلقوا لكمة قاضية أو هكذا يجب أن تبدوا لجمهور المتفرجين الذين يدفعون ثمن التذاكر.
|
|