دبلوماسية «الواتساب» وطائرة الحاكم المتجول ..!!؟؟ كتبه د. عثمان الوجيه

دبلوماسية «الواتساب» وطائرة الحاكم المتجول ..!!؟؟ كتبه د. عثمان الوجيه


08-22-2026, 11:44 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1787438699&rn=0


Post: #1
Title: دبلوماسية «الواتساب» وطائرة الحاكم المتجول ..!!؟؟ كتبه د. عثمان الوجيه
Author: عثمان الوجيه
Date: 08-22-2026, 11:44 PM

11:44 PM August, 22 2026

سودانيز اون لاين
عثمان الوجيه-القاهرة-مصر
مكتبتى
رابط مختصر



-
في زمنٍ أعجَفَ تعصِفُ فيه بالسودان حربٌ ضروسٌ أكلت الأخضر واليابس منذ منتصف أبريل 2023، يرى كل رئيس حركة مسلحة نفسه خبيراً استراتيجياً وسفيراً فوق العادة! وفي وسط هذه الدوامة، يطل علينا السيد "مني أركو مناوي" قائد «حركة/جيش تحرير السودان» وحاكم إقليم دارفور بالشطحات ذاتها، بلا اختصاصٍ محدد ولا تنسيقٍ يُذكر، يتحرك مناوي بين العواصم بعقلية الوزير المتجول، يراهن على الفنادق واللقاءات الخارجية أكثر مما يلتفت لواقع الإقليم ومآسي المواطنين، وهنا يسودني تساؤل ساخر: كيف يمكن لقائد حركة نضال مسلح أن يمارس دور وزير الخارجية بطريقة «الهواة»؟ المنطق يحزم أمره بالرفض، لكن مناوي تعود أن يتجاوز كل منطق، ولم تقف الفوضى عند انتهاكات حركات الكفاح المسلح في المدن الآمنة وتحدي القانون، بل امتدت لتخريب السياسة الخارجية في ظرف كوارثي تمر به الدولة، أعجبُ كيف يطالب مناوي بتعديل حدود الولاية الشمالية واقتطاع أراضيها لتوفير منفذ بحري أو بري دائم لإقليمه مع مصر وليبيا؛ مطمع يبدو بريئاً لكنه يعكس رغبة واضحة في إعادة رسم الخريطة الجغرافية وفق هوى الحركة، واليوم، يطير إلى «جوبا» ليتحدث عن مخططات التغيير الديمغرافي وهجرات السكان، وهو موقف محق في ظاهره، لكنه يصبح انتنائياً حين يتعامى عن أراضي الشمال نفسها وكأنها بلا أصحاب!، والأشد إثارة للضحك والأسى أن هذه الرحلات تتم بمعزل عن الخارجية ومجلس السيادة، وربما برسالة «واتساب» سريعة للبرهان: «أنا ماشي جوبا»، ليغادر دون أن يستفسره أحد عن أجندة الزيارة! يتحدث هناك عن الدخول بلا تأشيرة وتسهيل حركة المواطنين، قضايا سيادية بحتة لا يُعلم بأي صفة يخوض فيها!، لقد تعاقب الوزراء على الخارجية السودانية حتى أصبحت الساحة مفرغة كملعب هواة، إن السودان، بأرضه وشعبه التاريخي، أكبر من أي شطحات فردية، ولا يمكن بناء الدولة وهيبتها إلا بتوحيد الصوت والخطاب السيادي، لا بفتح القنوات الدبلوماسية الخاصة عبر تطبيق «الواتساب».. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- خطوتُ عبر المعبر البري الفاصل بين مصر والسودان، أطأ أرض الوطن بعد غيابٍ استطال لرُبع قرن؛ ربع قرنٍ قضيتُه في مهجرٍ ناءٍ، وكانت آخر زيارة لي لهذه الأرض قبل نحو عقد ونيف، وبسبب ظروفي الصحية التي أرهقها السفر، أبيتُ إلا أن أستريح ليومين في "دنقلا"، عروس الولاية الشمالية، مسترجعاً أنفاسي قبل مواصلة الرحلة، وأنا في طريقي من الموقف العام بالميناء البري إلى الفندق، يعبر بي الموكب الى قلب سوق المدينة الكبير، لفتت نظري لافتةٌ شاخصةٌ على إحدى البنايات: "مكتب حاكم إقليم دارفور"، وقفتُ مشدوهاً أمام اللافتة، وعادت بي الذاكرة إلى الأسباب والمسببات؛ ففي مايو 2021، أصدر رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك قراراً بتعيين "مني أركو مناوي" حاكماً عاماً على إقليم دارفور، استناداً إلى الوثيقة الدستورية واستحقاقات اتفاقية جوبا لسلام السودان الموقع عام 2020، ليكون هذا المنصب مستحدثاً لإعادة نظام الحكم الإقليمي بدل نظام الولايات، ورغم أن التعيين أثار حينها سجالاً سياسياً واسعاً بين مؤيدٍ يراه خطوة لتنفيذ السلام ومتحفظٍ يراه استعجالاً قبل مؤتمر الحكم الإقليمي، إلا أن مناوي اتخذ من العاصمة الخرطوم مقراً لممارسة مهامه، ولكن، منذ منتصف أبريل 2023، اندلعت في البلاد حربٌ ضروس بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع المتمردة، حربٌ أتت على الأخضر واليابس، وحصدت أرواح الآلاف، وشردت الملايين، حتى اضطرت الدولة لنقل العاصمة الإدارية إلى "بورتسودان"، هناك انتقل مناوي بكامل حاشيته ومكتبه دون أن يطأ أرض دارفور التي يحكمها، بل والأدهى من ذلك، أنه أخذ يفتتح المكاتب التنسيقية في الولايات الآمنة كـ"دنقلا" وغيرها، تاركاً إقليمه المكلوم يكتوي بنار الحرب، ومثقلاً كاهل خزانة الدولة الشحيحة بمصروفات مكاتب لا طائل منها سوى الترضية والمجاملة السياسية، أبحر بي الفكر أبعد من ذلك، فتذكرتُ أغسطس من عام 2006، حين أصدر الرئيس الأسبق عمر البشير مرسوماً بتعيين مناوي كبيراً لمساعدي رئيس الجمهورية ورئيساً للسلطة الانتقالية لدارفور عقب اتفاقية أبوجا، ليصبح حينها الرجل الرابع في هرم السلطة، لكنه، وبمجرد دخوله القصر الجمهوري، خرج على الناس بزعمه الشهير أن منصبه ما هو إلا (مساعد حلة)، أي وظيفة بلا صلاحيات! حينها لم أتمالك نفسي وكتبتُ مقالاً ناريّاً بعنوان: "استقيل يا ثقيل"، تساءلتُ فيه بمرارة: كيف لرجل أن يتقاضى راتباً ومخصصاتٍ وامتيازاتٍ من عرق هذا الشعب وهو يعترف بعظمة لسانه أنه لا يعمل؟!، واليوم، وأنا أنظر إلى لافتة مكتبه في دنقلا، استشعرتُ عجائب السياسة وتقلباتها؛ فصاحب "مساعد حلة" الأمس، الذي يفتح اليوم مكاتب لإقليمه خارج حدود الإقليم نفسه، يخرج علينا مؤخراً ليعلن تمسكه بالمنصب وفق اتفاقية جوبا، مهدداً بالعودة إلى مربع الحرب والقتال إذا ما فُكر في إعفائه! عجباً لزمنٍ تُدار فيه الأقاليم من الفنادق والمكاتب التنسيقية، وتُرهن فيه دماء الشعوب بالمناصب والمخصصات!؟. How strange that in this era regions are run from hotels and coordination offices, and the blood of the people is held hostage for positions and allowances وعلى قول جدتي:- "دقي يا مزيكا!!".
خروج:- "سيدة القناديل الأولى: رحيل الدكتورة نفيسة أبو بكر المليك" ببالغ الحزن والأسى، ينعي السودان أمتَه وأعمدةَ مجده الراسخة، ننعي إلى الأمة السودانية والعربية إحدى أبرز رائدات الفكر والتعليم، وسادنة ضياء الحركة النسائية السودانية، الأستاذة الدكتورة نفيسة أبو بكر المليك، التي لبّت نداء ربها بعد مسيرةٍ حافلة بالعطاء والجهاد الفكري والتنويري، قد خسرت الساحة التعليمية والوطنية بطلاً من أبطال التأسيس، وغاب كوكبٌ دريّ طالما أضاء ظلمات الجهل وشقّ لطالبات العلم طريق المجد، نسأل الله العلي القدير أن يتقبلها بواسع رحمته، وأن يجعل علمها وجهدها نوراً يتقاطر في ميزان حسناتها، ففي ظلال مدينة "رفاعة" الوارفة، وحيث تهمس الشواطئ بأهازيج التغيير، ولدت الراحلة د. نفيسة عام 1932 لتفتح عينيها على بيتٍ لا يتنفس إلا العلم ولا ينبض إلا بالمعرفة، كان والدها، الشيخ الجليل أبو بكر المليك، رجلاً يرى المستقبل بقلبه قبل عينيه، فرعى شتائل التنوير وغرس أولى بذور تعليم الفتيات بإنشائه "مدرسة المليك"، لترضع طفلته من لبن العزيمة وتسير في دربٍ خَطّته أقدام الأنبياء والرعاة الأوائل، طافت الفتاة بين رفاعة الساحرة وموانئ بورتسودان الشامخة، وصولاً إلى الخرطوم بحري وأم درمان العريقة؛ نهلت من مناهج العلم ونضجت بين جدران "كلية المعلمات"، حامِلةً معها حُلم أمة بأكملها، ولم يكن رحيل والدها عام 1969 إلا شرارةً أشعلت في روحها الأمانة؛ فقبضت على جمر المسئولية، وتولّت إدارة مدارس المليك، لتجعل منها قلعاً شيدت لتربية العقول وصقل النفوس، لم تكن د. نفيسة معلمة تقف عند حدود السبورة والطبشور، بل كانت ثورةً هادئة تمشي على قدمين، صرخت عبر أثير الكلمة في عام 1951 بمقالها الخالد في صحيفة "الصراحة": «أما آن لنا أن نستيقظ؟»؛ فكانت تلك الكلمات صيحة بوقٍ زلزلت ركود العقول، ودعوةً صريحة لانتفاضة المرأة السودانية ونيل حقوقها، ولم تلبث أن كانت من الرعيل الأول الذي وضع اللبنات الأساسية للاتحاد النسائي السوداني عام 1952، وتصدّرت الميدان النقابي لتأسيس اتحاد المعلمات ورئاسته، منافحةً عن المساواة في الأجور، ورافعةً راية الكرامة لكل معلمة تحمل الفانوس في عتمة البلاد، امتد أثرها من قاعات التدريس إلى أثير الإذاعات وسطور الصحف، تاركةً بصماتٍ لا تمحى في تاريخ الحركة النسائية، وتقديراً لهذا العطاء الأسطوري، شحذت جامعة الأحفاد للبنات هامتها عام 2001 لتقلّدها الدكتوراه الفخرية، في لحظة إجلالٍ وطنية لقامةٍ غيَّرت وجه التاريخ التعليمي في السودان، أمس الأول، ترجلت الفارسة عن جَوادها، وتركت خلفها أجيالاً من النساء اللاتي تعلمن كيف يرفعن الرأس ويصنعن الغد، رحلت د. نفيسة المليك جسداً، لكن أثرها سيظل ينبض في كل مدرسة تُفتح، وكل فتاة تُتمتم بأول حروف العلم. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام.
dro.elwajeeh@gmail.com - @Drosmanelwajeeh