Post: #1
Title: الخليفة إسماعيل القاعوري .. أثرٌ يتسامى في رحاب المولد كتبه عبد الكريم ابراهيم
Author: عبد الكريم ابراهيم
Date: 08-21-2026, 08:06 PM
08:06 PM August, 21 2026 سودانيز اون لاين عبد الكريم ابراهيم-السودان مكتبتى رابط مختصر
الموتُ ليس إلا نافذة الحقّ التي لا تُغلق ، يسكب في الأرواح يقينًا بأنّ هذه الدار زائلة ، وأن البقاء والدوام لله وحده ، غير أن أثمن ما يخلّفه المرء بعد رحيله هو أثرٌ صالح وبصمةٌ طيبة تظل نابضةً في أفئدة المحبين ، وما أعظم أن يُختتم العمر بسيرةٍ عطرة ، ومواقف إحسان ، وذكرٍ يرفل بالبر . وفي نفحات شهر ربيع الأول ، شهر الفرح والخير وميلاد الحبيب المصطفى ﷺ ، ودّعت أرض حلفاية الملوك علمًا من أعلامها ، ورجل برٍّ وتقوى ، فاضت روحُه الطاهرة لتترك في القلوب لوعةً ، وفي الذاكرة مجدًا من العطاء . ففي يوم الجمعة الثامن من ربيع الأول 1448ه (21 أغسطس 2026م)، ضاقت مساحة منزل الفقيد الغالي الخليفة إسماعيل يوسف القاعوري بجموعٍ غفيرة من أهالي الحلفاية والمناطق المجاورة ، من علماء وشيوخ وأئمة مساجد ، حتى فاضت بهم جنبات المكان وتدفقوا نحو شارع الردمية المتاخم في قلب حلفاية الملوك ، لكن وسعتهم القلوب قبل الساحات والبيوت ، كانت تلك التلاوة بدعوةٍ كريمة منه لي رحمه الله قبل ان تصلني من اولاده البررة احمد ومحمد الأمين ، إذ حادثني في الجمعة التي سبقتها مدبرًا شؤون الذكر والتلاوات ، موجّهًا ولده (محمد الأمين) بالتنسيق والمتابعة ، وداعيًا إياي لحضور هذه التلاوة الروحية في منزله. وحين حلّ الموعد ، تحققت الدعوة وحضرها المحبون ، بينما غاب الداعي بجسده ، وحضر بروحه ، فاحتشدت الأكف بالدعاء ، والتضرع حين تولى الدعاء فضيلة مولانا محمد ابراهيم محمد خوجلي ، ا.يس ابراهيم ، الخليفة مصطفى ادريس دوليب .ا. محمد نصر الدين فيما شرع الشيخ ا. ناصر الشيخ ادريس في ذكر مناقب الفقيد مع دعوات بالرحمة والمغفرة لروحٍ عاشت مع القرآن وللقرآن . يذكر انه في يوم الأحد (16 أغسطس 2026م) ، شيّعت مدينة حلفاية الملوك في مشهدٍ مهيب ، يجلله الحزن العميق ، جثمان فقيدها إلى مقبرة أجداده (عبد الهادي ودوليب نابري) ، تقدم المصلين فضيلة مولانا محمد إبراهيم محمد خوجلي ، وارتفعت الدعوات وتزاحمت العبرات ، وعقب مراسم الدفن ، تناوب المتحدثون وكان منهم الأستاذ ناصر شيخ إدريس وخليفة الدواليب مصطفى إدريس دوليب ليرسموا بكلماتهم المؤثرة ملامح رجلٍ كان عنوانًا للوفاء وموئلًا للخير . ولد الفقيد بالحلفاية عام 1946م ، ونشأ في بيت فضلٍ وتربية بين أشقائه وشقيقاته ، فارتشف علومه الأولى من الخلاوى والمدارسط، وعمل في صباه مع جده الحاج عبد الرحيم عبد الهادي البدوي رحمه الله في مخبزه البلدي ، ثم التحق بمجال التمريض بمركز صحي الحلفاية في الستينيات كما حدثني بذلك رفيق دربه ا. ابراهيم حامد الذي حزن له وبكاه كثيرا ، ولم تكن شخصيته مجرد نمطٍ تقليدي ، بل كان ظاهرةً مجتمعية ثرية ، فإلى جانب عصاميته وتجارته التي امتدت من اغترابه في دول غرب إفريقيا (الكاميرون) مطلع السبعينيات وحتى عودته للبلاد عام 1987م . كان رحمه الله مثقفًا وفنانًا يمتلك حسًا موسيقيًا المرهف تلحينًا وعزفًا وأداءً في مجالي الغناء والمديح . ورياضيًا مطبوعًا حرس مرمى فريق (الحلفاية) الرياضي في عصره الذهبي خلال ستينيات القرن الماضي . كما امتدت أياديه بالخير خادمًا للبيوت والمقابر؛ فأسهم في تسوير مقابر (نابري ودوليب)، وكان ملازمًا لمسجد الفكي شمس الدين ، ومقيمًا لحلقات القرآن اليومية في بيته برفقة كبار العلماء وعلى رأسهم الدكتور معتصم السيد رحمه الله ، وكان كذلك عاشقًا للحرمين ، أدّى فريضة الحج والعمرة مرات عديدة، ولازم المسجد النبوي الشريف و أنوار الروضة المطهرة ، وحين ألقت حرب عام 2023م بظلالها ، أُخرج الفقيد مهاجرًا إلى مصر حيث لازم مسجد السيدة زينب بالقاهرة ، ثم انتقل إلى الإمارات ، لكن إصراره وعشقه لوطنه أعاداه إلى السودان ، لينهي رحلة الحياة بين أهله وذويه ، ويُدفن في الثرى الذي أحبه ، تجلّى عشق الفقيد للحبيب المصطفى ﷺ في حرصه السنوي على إقامة احتفالات المولد في بيته ، ودعمه السخي لمولد مسجد الفكي شمس الدين بالإطعام والخدمة ، وكأنها إشارةٌ إلهية ومكافأةٌ روحية أن توافيه المنية في مطلع شهر ربيع الأول، ليترجل في الشهر الذي أحبّ فيه صاحبه ﷺ . رحم الله عمنا الخليفة إسماعيل يوسف القاعوري ، وجعل قبره روضة من رياض الجنة ، والبركة ممتدة في زوجتيه الفاضلتين (نادية بابكر عباس وفوزية فتح الرحمن) ، وأبنائه الأوفياء (أحمد ، محمد الأمين ، يس ، فاطمة ، شيماء ، يوسف ، ودعاء) ليواصلوا غرس والدهم ورسالته . اللهم اغفر له وارحمه ، واجعل القرآن العظيم شفيعًا له ، والذكر نورًا في قبره ، واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا . إنا لله وإنا إليه راجعون.
|
|