السودان لا يحترق بالنار وحدها… الكراهية تحرق ما تبقّى منا كتبه كمال حامد

السودان لا يحترق بالنار وحدها… الكراهية تحرق ما تبقّى منا كتبه كمال حامد


08-19-2026, 11:24 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1787178298&rn=0


Post: #1
Title: السودان لا يحترق بالنار وحدها… الكراهية تحرق ما تبقّى منا كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 08-19-2026, 11:24 PM

11:24 PM August, 19 2026

سودانيز اون لاين
كمال حامد بكري-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




أخطر ما في الحرب السودانية ليس عدد القتلى ولا حجم المدن التي دُمرت. الأخطر أن الحرب بدأت تقتل شيئًا لا يمكن دفنه في المقابر: فكرة أننا سودانيون قبل أن نكون قبائل وجهات وألوانًا ومناطق.
هذه هي الحقيقة التي يخشى كثيرون مواجهتها.
فالحرب لا تكتفي بتدمير البيوت والأسواق والمستشفيات، ولا تكتفي بتهجير الملايين وتمزيق الأسر. الحرب حين تطول، تبدأ في العبث بعقل المجتمع، وتعيد إنتاج أسوأ ما فيه، وتمنح الكراهية شرعية لم تكن تملكها في زمن السلم.
وهذا ما يحدث أمام أعيننا.
لقد بدأنا نسمع ونقرأ كلمات كان المجتمع السوداني، بوعيه وتقاليده وأعرافه، قد دفعها تدريجيًا إلى الهامش. مفردات عنصرية، وسخرية من الأصول والألوان والقبائل والمناطق، وتعميمات مريضة تختزل ملايين البشر في صورة نمطية واحدة.
والأخطر أن بعض هذه المفردات لم تعد تُقال همسًا.
لقد خرجت إلى العلن.
وصارت منصات التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة مسرحًا لمعارك لا تقل خطورة عن المعارك المسلحة. شتائم جماعية، تشفٍّ في الموت، احتقار للآخر، وتبرير للفظائع على أساس الانتماء.
وهنا يجب أن نتوقف.
متى أصبح قتل الإنسان مقبولًا لأن اسمه ينتمي إلى جهة؟ ومتى أصبح إذلال جماعة كاملة فعلًا من أفعال الوطنية؟ ومتى أصبح لون الإنسان أو قبيلته أو منطقته تهمة؟
إننا أمام انزلاق خطير لا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد "حماس حرب" أو غضب عابر.
الغضب مفهوم.
الجرح مفهوم.
والثأر النفسي الذي تخلّفه الحرب مفهوم.
لكن تحويل الألم إلى كراهية جماعية هو بداية الكارثة.
فالمواطن الذي يُقنع نفسه بأن كل من ينتمي إلى جماعة معينة عدو، لم يعد يحارب خصمًا مسلحًا؛ لقد بدأ يحارب مجتمعًا بأكمله.
وهنا تتحول الحرب من صراع على السلطة إلى مشروع لتفكيك السودان نفسه.
من يستفيد من إشعال القبيلة؟
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بلا خوف: من المستفيد من تحويل السودانيين إلى قبائل متناحرة؟
في كل حرب أهلية، حين تفشل السياسة في إقناع الناس، تبحث القوى المتصارعة عن الهوية الأكثر بدائية والأسرع تأثيرًا: القبيلة، الجهة، اللون، الدين، المنطقة.
إنها أدوات تعبئة رخيصة وفعالة.
بدل أن تقول للإنسان: قاتل من أجل برنامج سياسي، تقول له: قاتل لأن هؤلاء "ليسوا منا".
وبدل أن تناقش مشروع الدولة، يجري اختراع عدو من جماعة بشرية.
وهكذا يصبح المواطن وقودًا لحرب لم يخترها، ويدفع حياته دفاعًا عن سرديات صاغها آخرون.
والأسوأ أن بعض النخب، بدل أن تقف في وجه هذا الانحدار، تترك الباب مفتوحًا له، بل تستثمر فيه أحيانًا.
إن من يشعل نار القبلية اليوم قد يكتشف غدًا أنه لم يعد قادرًا على إطفائها.
فالقبيلة التي تُستخدم كسلاح سياسي لن تعود بسهولة إلى حجمها الاجتماعي الطبيعي.
والكراهية التي تُزرع في عقل طفل اليوم قد تتحول إلى ثأر في يد رجل بعد عشرين عامًا.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
لا أحد يخرج منتصرًا من حرب كهذه
قد يحقق هذا الطرف تقدمًا عسكريًا في مدينة، وقد يخسرها الطرف الآخر. قد تتغير خطوط السيطرة، وقد تتبدل التحالفات.
لكن ثمة معركة إذا خسرها السودان فلن تنفعه كل الانتصارات العسكرية:
معركة بقاء المجتمع مجتمعًا.
ما قيمة السيطرة على الأرض إذا أصبح أهلها عاجزين عن التعايش؟
وما قيمة الانتصار السياسي إذا خرج السودان من الحرب محمّلًا بأجيال من الأحقاد؟
وما قيمة الدولة إذا أصبح مواطنها ينظر إلى جاره باعتباره عدوًا محتملًا بسبب قبيلته أو لونه أو موطنه؟
الدول لا تسقط فقط عندما تنهار جيوشها.
الدول تسقط عندما تنهار الثقة بين مواطنيها.
وحين يفقد الناس الإيمان بأنهم ينتمون إلى وطن واحد، تبدأ الخرائط في فقدان معناها.
أخطر من الرصاص
الرصاصة تقتل إنسانًا.
أما الكراهية فتقتل مجتمعًا كاملًا.
الرصاصة لها ضحية محددة، أما خطاب الكراهية فيبحث عن ضحايا بلا نهاية.
والأخطر أن الرصاصة قد تصمت في لحظة، بينما يمكن للكراهية أن تعيش لعقود.
لهذا فإن مواجهة العنصرية ليست ترفًا فكريًا، وليست قضية مؤجلة إلى ما بعد الحرب.
إنها جزء من معركة إنقاذ السودان.
ويجب أن تكون الرسالة واضحة: لا يجوز تحميل قبيلة كاملة جرائم أفراد، ولا منطقة كاملة مسؤولية أفعال جماعات مسلحة، ولا تحويل الضحايا إلى متهمين بسبب هويتهم.
المجرم هو المجرم، لا قبيلته. والجريمة جريمة، لا لون لها ولا جهة.
هذه قاعدة أخلاقية بسيطة، لكنها اليوم تحتاج إلى شجاعة استثنائية كي تُقال.
إلى طرفي الحرب: أنتم لا تحرقون الحاضر وحده
قد يعتقد المتحاربون أن المعركة تنتهي عندما ينتصر أحدهما أو يجلس الطرفان إلى طاولة تفاوض.
لكن الحقيقة أكثر قسوة.
حتى لو صمتت المدافع غدًا، فإن آثار الكلمات التي قيلت اليوم ستظل في الرؤوس والقلوب.
كل خطاب يحرض على جماعة.
كل منشور يسخر من قبيلة.
كل تسجيل صوتي يبرر قتل المدنيين.
كل كلمة تشمت في موت إنسان لأنه "من الجهة الأخرى".
كل ذلك يبني جدارًا فاصلا بين السودانيين.
ولذلك فإن المسؤولية التاريخية لا تقع على المسلحين وحدهم، بل على السياسيين والإعلاميين والمثقفين والنشطاء وكل من يمتلك منبرًا يخاطب الناس.
الصمت في لحظة كهذه ليس حيادًا.
والتغاضي عن خطاب الكراهية ليس ذكاءً سياسيًا.
واستخدام العنصرية لإضعاف الخصم ليس انتصارًا.
إنه انتحار مؤجل للسودان.
السودان الذي نريد أن نُنقذه
نحن لا نحتاج إلى سودان متشابه.
نحتاج إلى سودان يتسع للاختلاف.
سودان لا يُسأل فيه الإنسان أولًا: "من قبيلتك؟"، وإنما: "ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟"
سودان لا يصبح فيه اللون امتيازًا أو وصمة، ولا تتحول الجغرافيا إلى تهمة، ولا تصبح القبيلة بطاقة مرور إلى الحقوق أو سببًا لحرمان الإنسان منها.
هذا السودان لم يكن حلمًا مستحيلًا.
لقد عاشه السودانيون، بدرجات متفاوتة، في تفاصيل حياتهم اليومية: في الأحياء المختلطة، وفي المدارس والجامعات، وفي الأسواق، وفي المصاهرات، وفي صداقات لا تسأل عن الأصل قبل أن تمد يدها.
والآن نحن أمام خطر أن تهدم الحرب ما بنته تلك الحياة المشتركة خلال أجيال.
لهذا فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط: من سينتصر؟
السؤال الأخطر هو:
ماذا سيبقى من السودان إذا انتصر الجميع بالسلاح وخسر السودانيون بعضهم بعضًا؟
قد يعيد المهندسون بناء الجسور.
وقد تُرمم المستشفيات.
وقد تُفتح المدارس.
وقد تُعاد الكهرباء والمياه.
لكن من سيعيد إلى السودانيين الثقة إذا أصبحت الكراهية جزءًا من ذاكرتهم؟
ومن سيعيد إلى طفلٍ شاهد الموت بسبب هويته إيمانه بأن اختلافه ليس جريمة؟
ومن سيقنع الناجي بأن جاره ليس عدوًا لمجرد أنه ينتمي إلى الجهة التي جاء منها الرصاص؟
هذه هي الحرب التي يجب أن نخوضها الآن.
حرب ضد العنصرية.
حرب ضد التعميم.
حرب ضد التشفي.
حرب ضد تحويل القبيلة إلى سلاح.
وحرب ضد كل من يريد أن يقنع السوداني بأن أخاه السوداني هو عدوه الطبيعي.
فالسودان قد يتحمل خراب الحجر، لكنه لن يتحمل خراب الإنسان.
وقد تصمت البنادق في يوم ما.
لكن إذا ظلت الكراهية تتحدث، فلن يكون ذلك سلامًا.
سيكون مجرد صمت مؤقت قبل حرب أخرى.
إنقاذ السودان لا يعني فقط أن نوقف إطلاق النار؛ بل أن نمنع الكراهية من أن تصبح إرثًا نورثه لأبنائنا.
فإذا خرجنا من الحرب بمدن مهدمة، يمكننا أن نبنيها.
وإذا خرجنا بفقر، يمكننا أن نقاومه
وإذا خرجنا بمؤسسات منهارة، يمكننا إعادة تأسيسها.
لكن إذا خرجنا من الحرب وقد أصبح السوداني يكره السوداني، ويحتقره، ويشك في إنسانيته بسبب قبيلته أو لونه أو جهته، فماذا سنبني بعد ذلك؟

ربما نستعيد الدولة.
لكننا سنكون قد فقدنا الوطن.

bakrikamal26@gmail.com
Image