Post: #1
Title: (جرعة وعي) صباح الخير يا وطن.. العنصرية معولٌ يهدم ولا يبني كتبه يحيى ابنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 08-19-2026, 01:32 AM
01:32 AM August, 18 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
تتجلى حكمة الخلق في أبهى صورها عبر التنوع والتباين؛ فالله لم يخلق شخصاً يشبه آخر في كل أبعاده النفسية والعقلية. ولعل في هيئة الكف الواحدة أبلغ درس للإنسان؛ فأصابعها لم تُخلق متساوية، بل جاءت مختلفة ليتفكر العقل في حكمة التنوع لا ليصنع منه معياراً للتفاضل. غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يعجز الفكر القاصر عن استيعاب هذه السنة الكونية، فيلجأ إلى حيلة التعميم الجاهل؛ فيُحمل خطأ الفرد على قبيلته، وتُسقط زلة الشخص على شعب بأكمله، في استسهال ذهنٍ يهرب من التقييم العادل. وما زاد الطين بلة هو الانزلاق في مواجهة العنصرية بعنصرية مضادة، ليلتقي الجاهل بأجهل منه في دائرة مغلقة لا تنتج إلا مزيداً من الظلام؛ إذ إن الشرف والجريرة سلوك فردي خالص، والجهل لا يُطفئ الجهل بل يغذيه. وهنا يبرز سؤال المأزق الإنساني الأشد إيلاماً: كيف يكون الحال عندما تقف أنت مناهضاً للعنصرية، مدافعاً عن حقوق الآخرين وحريتهم، ثم تفاجأ بالآخر ذاته يلتفت إليك ليصم عرقك وقبيلتك بأقذع الأوصاف وأخبث النعوت؟ ماذا ينبغي للمرء أن يفعل حين يُهاجم نسَبُه -سواء كان من الشايقية، أو الجعلية، أو الفور، أو الشلك، أو النوير، أو أي مكون من أطياف السودان الممتدة- ممن كان يُفترض أنه شريكٌ في نضال النبل والحرية؟ هل يُتوقع منه أن يقف مكتوف اليدين، أم ينزلق إلى رد الصاع بمثله فيقع في الفخ ذاته؟ إن الاختبار الحقيقي لوعي المناهض للعنصرية يتجلى في هذه اللحظة؛ فالموقف الصلب ليس في الصمت عن الإهانة، بل في رفض الإساءة دون الانجرار إلى مربع الجهل، وبفضح هذا التناقض الصارخ مع التمسك بإنسانية الموقف وشرفه. وفي ذات السياق، يفرض سؤال العدالة الإنسانية نفسه بقوة: ما ذنب إنسان الشمال السوداني المهمش ليُحمل أوزار حقب سياسية لم يجْنِ منها سوى السراب؟ وما الذي يملكه ابن "الشمالية" أو "نهر النيل" ولا يملكه غيره في بقاع الوطن الممتدة؟ إن النيل الذي ينساب من أثيوبيا حتى القاهرة هو ذاته الشريان، والأرض هي الأرض، بل ربما كانت الخيارات والخيرات المتاحة في أقاليم أخرى تفوق بكثير ما يجود به الشريط الشمالي الضيق. كيف يُعقل إذن أن يُسقط المرء أزمته وتهميشه على شريكه في المعاناة؟ لقد أثبت إنسان الشمال عبر التاريخ أنه لم ينتظر عطايا الدولة ولا منن الحكومات، رغم التهميش المركب وقسوة الطبيعة؛ فقد واجه الزحف الصحراوي والجفاف وسوء الأحوال الجوية، واستغل المتاح من شريط النيل بكل ما أوتي من طاقة وجهد ليصنع حياته بعرق جبينه. والمفارقة المأساوية أن التهميش الذي طال هذه المناطق كان بتوقيع وتغاضي بعض أبنائها ممن اعتليتم سدة الحكم؛ فنعم، كل من حكم ساهم بشكل أو بآخر في تكريس هذا التهميش، لكن ما ذنب المواطن البسيط الذي يعاني قسوة العيش ليُوصم بأنه مستفيدٌ من السلطة؟ إن تحميل إنسان الشمال جَرِيرة نخبة حكامة هو عين العجز الفكري والهروب من مواجهة أسباب الأزمة الحقيقية. إن هذا العجز الفكري هو ما يجعل العنصرية داءً عضالاً، ومنهجاً قبيحاً يقتات على نشر الكراهية وإذكاء الحقد بين أفراد المجتمع، مُقصيةً الآخر لمجرد اختلافه عرقياً أو فكرياً. إنها في جوهرها مأزقٌ نفسي ينبع من "عدم تقبل الذات"؛ إذ يرى علماء النفس في ممارستها ضرباً من جلد الذات المرتد، فالعنصريُّ في حقيقته كارهٌ لنفسه، يسقطُ هذا الضيق الداخلي على الآخرين، وكما قيل: "كلُّ إناءٍ بما فيه ينضحُ". إنَّ احترامكَ للآخر هو انعكاسٌ لسلامكَ الداخلي، واحتقاركَ له هو مرآةٌ لنقصٍ في ذاتكَ؛ لذا تحرَّ مفرداتكَ وانتقِ عباراتكَ بعناية، فما هي إلا وعاءٌ لما يختلجُ في صدركَ من محاسنَ أو مساوئ. لقد تجلى هذا الانحدار في أبهى صوره حين تبنت "الحركة الإسلامية" نهجاً إقصائياً، كانت أولى موبقاته تحويل الصراع في جنوب السودان من صراعٍ سياسي إلى صراعٍ ديني، دُفعت ضريبته من دماء الوطن ووحدته، لينتهي المشهد بفصل الجنوب. ولم تتوقف العاصفة عند ذاك الحد؛ بل أشعل منسوبوها -عقب تفتت صفوفهم- فتيل الصراع في دارفور، محوّلين حركةً مطلبيةً عادلة إلى صراعٍ عنصريٍّ مريض، مسلحين فيه القبائل، حتى امتدَّ اللهب إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق وصولاً إلى أصقاع السودان كافة، فأصبحنا -ولأول مرة في تاريخنا- نصنفُ أبناء الوطن الواحد على أساسِ قبائلهم ومشاربهم. وهناك اليوم من يذكّي هذه النيران، واهماً أنها سندٌ في عملية الاستقطاب السياسي، دون تبصرٍ بعواقبها الوخيمة. لقد ظلت النخبة السياسية والثقافية تتجنب الخوض في هذا الجرح الغائر، رغم أن الظاهرة تتوسع وتأخذ أشكالاً أكثر خطورة. إن السلطة تستثمر في هذه الأنفاس العنصرية وتغذيها، بوصفها طوق نجاةٍ لبقائها؛ فهي تبثُّ الرعب في نفوس الجماهير من التغيير، وتصور البديل على أنه مجهولٌ أو خطر، مما يدفع العامة نحو خطابٍ عنصريٍّ لا يخدمُ إلا أعداء الوطن، ويعيقُ عجلة التطور، ويعيد المجتمع إلى دهاليز عصورٍ وسطى مظلمة. إنَّ هذه القضية تفرض علينا وقفةً جادة وحواراً وطنياً عميقاً يسبر أغوار الأزمة، لا سيما من قبل قوى التغيير والديمقراطية. إن تجاهل هذا الخطر أو التغاضي عنه ليس في مصلحة وحدة البلاد؛ فالقبلية والطائفية والنعرات الجهوية ليست إلا نتاجاً للقمع والاضطهاد وانتهاك حقوق الإنسان. إنها قيودٌ في يد الاستبداد، تُستخدم لتشويه واقع الصراع الحقيقي، وإشغال الفئات الشعبية بعصبياتٍ ساذجة. إنَّ تاريخ العنصرية يضرب بجذوره في عمق البنية الطبقية للمجتمعات؛ حيث كانت العبودية والاستعمار تجدُ في المعايير العنصرية مبرراً لوجودها، وإن تبدلت الأقنعة وتغيرت المسميات. إنَّ التاريخ البشري شاهدٌ على أن العنصرية هي دائماً أداةُ "المسيطر" لتفتيت المجتمع، وتكريس مصلحته السياسية على حساب وحدة الإنسان وكرامته.
|
|