Post: #1
Title: ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد
Author: عبدالله الفكي البشير
Date: 08-16-2026, 11:41 PM
11:41 PM August, 16 2026 سودانيز اون لاين عبدالله الفكي البشير-كندا مكتبتى رابط مختصر
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (7-9)
بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين في كتابه: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه «لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية» (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم، وبيّنا أنه لا يصمد أمام مراجعة شاملة لأعمال محمود محمد طه، ولا أمام تتبع تصوره المتكامل لعوامل التخلف وشروط والنهوض. ونستكمل اليوم الحديث.
ماذا قال المطلعون على أطروحات محمود محمد طه عن قضايا السودان؟ حينما يعترف العلماء وينحنون للحق
خلص عدد من الباحثين السودانيين والدوليين الذين درسوا فكر محمود محمد طه إلى أنه قدم معالجة مبكرة لقضايا التهميش، والوحدة الوطنية، وإدارة التنوع الثقافي، وبناء السلام، ورأوا أن أطروحاته تضمنت رؤى ذات أهمية في فهم الأزمة السودانية، وقدمت تصورات لمعالجة عدد من أسبابها البنيوية. وكان من بين هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، البروفيسور حسن أحمد إبراهيم (1938–14 مارس 2025)، أحد أبرز مؤرخي السودان الحديث والحركة الوطنية، الذي أدلى بشهادته قائلاً: "أخي عبد الله.. تحياتي، أجدك محقاً فيما ذهبت إليه من قصور في الدراسات السودانية وفجوة لابد من الاعتراف بها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤوسنا في الرمال. أشكرك على لفت نظرنا جميعاً لهذا الأمر المهم. لك الود والتقدير". (الخميس 29 يناير 2015م). وتكتسب شهادة البروفيسور حسن أهمية خاصة؛ لا لصفته مؤرخاً بارزاً للسودان الحديث والحركة الوطنية فحسب، وإنما أيضاً لأنه كان قد اطّلع على كتاباتي حول فكر محمود محمد طه وقضايا السودان قبل أن يدلي بهذا الرأي. ومن ثم، فإن حديثه عن «قصور في الدراسات السودانية» و«فجوة» تستوجب الاعتراف بها وسدّها، لا يصدر عن انطباع عابر، وإنما عن قراءة واطلاع على مادة بحثية تتصل مباشرة بالموضوع محل النقاش. وتكتسب الشهادة، في هذا السياق، دلالة منهجية تتجاوز صاحبها، لأنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى استيعاب الكتابات التي تناولت فكر محمود محمد طه، ومدى الرجوع إلى مصادره الأصلية والدراسات السودانية التي سبقت بعض الأحكام المتداولة بشأنه. ومن هنا، فإن إعادة إنتاج القول بأن فكر محمود محمد طه لم يتناول قضايا السودان، أو لم يقدم تفسيراً لأزماته ومعالجات لها، كما يرد في كتاب أمين حامد زين العابدين وفي بعض قراءات الدكتور مجدي الجزولي، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد اختلاف في التأويل؛ إذ تستدعي، قبل ذلك، فحصاً منهجياً لمصادر هذه الأحكام، ومدى استيعابها للنصوص الأصلية والوثائق التاريخية والدراسات السابقة ذات الصلة. فثمة فرق بين أن يُنقد مضمون أطروحة محمود محمد طه أو تُناقش حدودها ومواطن قصورها، وبين أن يُنسب إليه غياب أطروحة من الأساس، في الوقت الذي تشير فيه كتاباته وبياناته ومحاضراته ووثائقه، فضلاً عن شهادات عدد من الباحثين والمطلعين على فكره، إلى عكس ذلك. وقد علّق الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، مدير جامعة ود مدني الأهلية، السودان، وهو من كبار الإخوان الجمهوريين، على شهادة البروفيسور حسن أحمد إبراهيم قائلاً: "قلادة شرف لك واعتراف عالم انحنى للحق" (الخميس 29 يناير 2015م). ويكتسب تعليق البوشي دلالته من كونه جاء تعليقاً على شهادة مؤرخ اطلع على المادة موضوع النقاش، وهو ما يجعل الشهادة جزءاً من سياق أوسع يدعو إلى مراجعة الكتابات التي تناولت فكر محمود محمد طه، لا إلى الاكتفاء بترديد الأحكام العامة عليه. والمقصود هنا ليس إحلال شهادة حسن أحمد إبراهيم محل البحث العلمي، وإنما التعامل معها بوصفها قرينة تستحق أن تُقرأ إلى جانب المصادر الأصلية والوثائق والدراسات ذات الصلة. وتتسع دائرة هذه الشهادات لتشمل البروفيسور فرانسيس دينق والأستاذ أتيم قرنق، اللذين شهدا كذلك بالأطروحات المتقدمة للمفكر محمود محمد طه وتناوله المبكر لقضايا السودان برؤية وطنية وإنسانية اتصلت بقضايا الوحدة والسلام وإدارة التنوع. كتب البروفيسور دينق قائلاً: "إذا ما قُدر لمحمود محمد طه أن ينجح في تحقيق نظرته للمسيرة الإسلامية مرشداً للحركة السياسية في البلاد، لسادت الظروف المساعدة على المساواة بين المواطنين، وشجع احترام الأسس الديمقراطية على خلق رؤية للوطن تجد الاحترام من الشماليين والجنوبيين على حد سواء. وكان يمكن حينها، مع الطرح الفكري لمحمود محمد طه أن يكون الاحساس بالهدف الوطني مدفوعاً بتعاليم الإسلام، الليبرالية، والمتسامحة". وخلص دينق إلى القول: إن كبت فكر محمود محمد طه، أدى إلى ضياع الفرصة لتطوير هُويَّة وطنية أكثر شمولاً وتكاملاً، وأدى كبت فكره كذلك إلى أن يحافظ الجنوب على هُويَّة كوحدة مختلفة ثقافياً ودينياً. (فرانسيس دينق، صراع الرؤى: نزاع الهويات في السودان، 2021، ص 114- 122). وتبرز شهادة دينق أهمية طرح محمود محمد طه في نظره بوصفه طرحاً كان يمكن أن يسهم في بناء هوية وطنية جامعة قائمة على المساواة واحترام التنوع. كما ذهب الأستاذ أتيم قرنق إلى القول: "لو أخذ الناس في السودان برؤية الأستاذ محمود، وهي رؤية متقدمة على كل ما هو مطروح حتى تاريخ اليوم، لما حدث الانفصال في السودان". وأضاف قرنق، قائلاً: "إن السودانيين يعيشون في ظلام منذ الاستقلال وحتى اليوم، إذا كنا نريد النور لما قتلنا الأستاذ محمود محمد طه" (للمزيد أنظر: عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان، مرجع سابق). وتعكس هذه الشهادة تقدير قرنق لما اعتبره البعد الاستشرافي في أطروحات محمود محمد طه المتعلقة بالوحدة الوطنية وإدارة التنوع. وتعزز هذه الشهادات، إلى جانب النصوص الأصلية والوثائق التاريخية، النتيجة التي تكشفها مؤلفات محمود محمد طه نفسها، وهي أنه تناول بصورة منهجية قضايا التهميش، وبنية الدولة، وإدارة التنوع الثقافي، وعلاقة ذلك بأزمة الوحدة الوطنية، كما قدم رؤى مؤسسية لمعالجة هذه القضايا عبر الحكم الفدرالي والحكم الذاتي للأقاليم. وعليه، فإن القول بأنه لم يشرح أسباب تخلف السودان أو لم يقدم تصوراً لمعالجتها لا يتفق مع مضمون مصادره الأصلية، ولا مع ما انتهت إليه دراسات عدد من الباحثين الذين تناولوا فكره استناداً إلى مؤلفاته ووثائقه الأصلية. وقد سبق توثيق هذه القضايا وتحليلها بالتفصيل في كتاب: عبد الله الفكي البشير، محمود محمد طه وقضايا التهميش في السودان (2021)، الذي اعتمد على المصادر الأصلية والوثائق التاريخية، وتناول رؤية محمود محمد طه لأسباب تخلف السودان ومعالجاته المقترحة، من خلال تحليل عدد من القضايا المحورية، منها: التوجه العروبي وأثره في تعميق التهميش وتعزيز الإقصاء، ومسألة جنوب السودان، ومؤتمر البجة/البجا، وإدارة التعدد الثقافي، ونظام الحكم، والتعليم، والمعرفة الاستعمارية، والدستور، والمرأة، والوحدة الوطنية، واستمرار التهميش، وغيرها من القضايا المرتبطة بأزمة الدولة السودانية. وتكشف هذه الشواهد، المستمدة من مؤلفات محمود محمد طه وبياناته ومقالاته ومحاضراته، والممتدة منذ أربعينيات القرن العشرين، أنه تناول بصورة منهجية قضايا الفقر، والاستعمار، والتهميش، وبنية الدولة، وإدارة التنوع الثقافي، والتعليم، والوحدة الوطنية، وربط بينها بوصفها أسباباً متداخلة لأزمة السودان التاريخية. ولم يقتصر على تشخيص هذه القضايا، بل قدم تصورات ومقترحات لمعالجتها، من بينها الحكم الفدرالي، وإصلاح التعليم، واحترام التعدد الثقافي واللغوي، وتوسيع المشاركة في إدارة الشأن العام. ومن ثم، فإن القول بأن محمود محمد طه لم يشرح أسباب تخلف السودان أو لم يطرح رؤية لمعالجة هذه الأسباب لا ينسجم مع مضمون مصادره الأصلية، ولا مع ما تكشفه الوثائق التاريخية والدراسات التي تناولت فكره. كما أن هذه المعالجات لا تقف عند حدود الإصلاح السياسي والاجتماعي، وإنما تتصل برؤية أوسع لمفهوم التنمية وبناء الإنسان وتحرير قدراته، وهي الرؤية التي يتناولها المحور التالي من خلال دراسة رؤية محمود محمد طه تجاه التنمية بالمقارنة مع أطروحة أمارتيا سن حول: التنمية حرية (Development as Freedom).
التنمية في فكر محمود محمد طه: تصور مبكر يربط الحرية بالتنمية الإنسانية مِن "لم يشرح في أعماله عوامل التخلف" إلى سؤال القراءة واستيفاء استحقاق النقد
نواصل في هذه الحلقة تفنيد الحكم التقريري الذي أطلقه الدكتور أمين حامد زين العابدين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة، حين قال إن المفكر محمود محمد طه “لم يشرح في أعماله عوامل تخلف السودان والمجتمعات العربية الإسلامية” (ص 189). وقد توقفنا في حلقات سابقة عند جوانب من هذا الحكم التقريري، وكشفنا عن أنه، لا يصمد أمام مراجعة أعمال المفكر محمود محمد طه مراجعة شاملة. ونقف هنا، بإيجاز، على رؤية محمود محمد طه للتنمية، باعتبارها مدخلًا أساسيًا لفهم موقفه من أسباب التخلف وشروط النهوض، ليس السوداني أو العربي أو الأفريقي أو الإسلامي، وإنما الإنساني. كانت قضية التنمية، بمعناها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإنساني، حاضرة في كتاباته وأحاديثه منذ خمسينيات القرن العشرين، وظلت تتطور وتتسع ضمن طرحه الفكري. وقد تناولها في كتبه منذ إصداره لأول كتاب في مايو 1952 بعد إعلانه للفهم الجديد للإسلام في 30 نوفمبر 1951، وفي مقالاته وبياناته ومحاضراته، الأمر الذي قد يجعل رصدها يحتاج إلى قراءة استقصائية لمجموع إنتاجه. ومن بين الكتب التي تناول فيها طه قضايا ذات صلة مباشرة بالتنمية: قل هذه سبيلي: الاقتصاد، الاجتماع، التعليم، المرأة (1952)، وأسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية (1955)، والإسلام (1960)، ورسالة الصلاة (1966)، والرسالة الثانية من الإسلام (1967)، والإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين (1969)، وأسس حماية الحقوق الأساسية (1969)، والثورة الثقافية (1972)، والدين والتنمية الاجتماعية (1974)، إلى جانب كتب أخرى وعدد كبير من المقالات والبيانات والمحاضرات. ولا تكمن أهمية هذه الإشارات في مجرد إثبات أن كلمة «التنمية» أو موضوعاتها وردت في أعمال طه، وإنما في الكشف عن تصور متكامل للعلاقة بين الإنسان والحرية والمجتمع والاقتصاد والدولة؛ أي عن رؤية تتجاوز التنمية بوصفها مجرد زيادة في الدخل أو الناتج، إلى التنمية بوصفها عملية لتحرير الإنسان وتنمية قدراته وتوسيع مجال اختياره ومسؤوليته.
بين محمود محمد طه وأمارتيا سن: المقارنة بوصفها مدخلًا لاكتشاف تصور طه للتنمية
ولإضاءة هذا الجانب من فكر طه، أتيح لي أن أدرس رؤيته للتنمية في مقارنة مع رؤية أحد أبرز المتخصصين عالميًا في اقتصاديات التنمية، البروفيسور أمارتيا كومار سن، أستاذ الاقتصاد والفلسفة، والحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1998، وصاحب الكتاب الشهير Development as Freedom. لقد احتفى العالم احتفاءً كبيراً بكتاب سن. فقد وصفه بعض النقاد بأنه أول كتاب في تاريخ الفكر الإنساني يجمع في طرحه بين التنمية والحرية، وآخر ما قدمه الفكر التنموي في العالم. كما وصفه بعضهم الآخر بأنه إحدى الرؤى الإبداعية للتنمية بامتياز. فقد وصف البروفيسور علي عبد القادر علي (1944- 2022)، أستاذ اقتصاديات التنمية، والمدير الأسبق لقسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة، رؤية سن تجاه التنمية، قائلاً: إنها تمثل آخر ما انتجه الفكر التنموي في العالم. وقال البروفيسور إستيوارت كوربردج Stuart Corbridge ، المدير السابق لجامعة درم، المملكة المتحدة "إن مجال دراسات التنمية سيظل مديناً بدين عظيم لأمارتيا سن". وتحدث السيد/ كوفي عطا عنان Kofi Atta Annan (1938- 2018)، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة (1997- 2006) عن سن، قائلاً: إن "فقراء العالم والمحرومين لا يمكن أن يكون لديهم بطل أكثر وضوحًا أو بصيرة [من أمارتيا سن]". صدرت مقارنتي بين طه وسن في كتاب جاء بعنوان: أطروحات ما بعد التنمية الاقتصادية: التنمية حرية ـ محمود محمد طه وأمارتيا كومار سن (مقاربة) (2021)، ثم صدرت ترجمتها الإنجليزية بعنوان: : Post Economic Development Themes: Development as Freedom ـ Mahmoud Mohamed Taha and Amartya Kumar Sen (A Comparative Approach) (2022)، بتحرير البروفيسور Ernest B. Johnson وترجمة الدكتور صلاح أحمد فرح والأستاذ بدر الدين أحمد. تهيكل الكتاب في ثمانية فصول ومقدمة وخاتمة، إلى جانب فهرس الأعلام وثبت المصادر والمراجع. قدم الفصل الأول تعريفاً بأمارتيا سن والصدى العالمي لكتابه: التنمية حرية، وسلط الفصل الثاني الضوء على محمود محمد طه والفهم الجديد للإسلام والترجمة لأعماله. وتناول الفصل الثالث "منظور الحرية" والتنمية، حيث يرى سن أن التنمية هي "عملية لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر"، ويرى طه أن "الحرية هي روح الحياة.. فحياة بلا حرية إنما هي جسد بلا روح"، ولهذا فإن الحرية تمثل الأساس للتقدم الإنساني. ودرس الفصل الرابع أهمية الديمقراطية باعتبارها العنصر الجوهري في عملية التنمية، وتناول الترابط المتبادل والمتداخل بين الحريات السياسية (الديمقراطية) والاحتياجات الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية والنمو الاقتصادي، وكما وقف عند السؤال القائل: هل ينجح الحكم الاستبدادي في النهوض بالنمو الاقتصادي؟ وخصص الفصل الخامس للأسواق والدولة والفرصة الاجتماعية، فتناول الأسواق والحرية والعمل واستمرار واقع العبودية، واقتصادات الطريق إلى العبودية، والملكية للجماعة لا للدولة، والحرية موؤدة في النظامين الرأسمالي والشيوعي. وناقش الفصل السادس موضوع "فعالية المرأة والتغيير الاجتماعي"، وذلك من خلال عدة محاور، منها: من الدعوة لرفاه المرأة إلى تجسيد فعالية المرأة وتأكيد دورها، واستقلال المرأة الاقتصادي، وإنتاج المرأة في البيت. ووقف الفصل عند مفهوم البيت عند طه، ورؤيته تجاه أثر التفكير الرأسمالي والتجارب الاشتراكية في تهميش إنتاج المرأة، ودعوته لإعادة النظر في تعريف وتقييم إنتاج المرأة في البيت ليكون بمثابة تخصص، ومطالبته بأن يدخل عمل المرأة في المنزل ضمن تقييم الدولة الاقتصادي. غير أن مفهوم عمل المرأة في البيت يختلف تماماً عن مفهوم سن والمفهوم السائد، وسترد الإشارة لموضوع المرأة في الحلقات القادمة كون الدكتور أمين تناول ذلك، وأشار لموضوع استقلال المرأة الاقتصادي. ودرس الفصل السابع "الاختيار الاجتماعي والسلوك الفردي"، فركز على استخدام العقل من أجل النهوض بالمجتمعات، وأخطر التحديات التي تواجه الرأسمالية، البيئة والقوانين المنظمة والقيم. وركز الفصل الثامن على "الحرية الفردية التزام اجتماعي"، فوقف عند: الواجب والمسئولية تجاه تغيير العالم وتطويره، ورأس المال البشري والقدرة البشرية كتعبير عن الحرية، وغيرها. إنطلق سن في رؤيته تجاه التنمية من تخصصه العلمي وخبرته التي تمتد إلى أكثر من ستة عقود، في مجال الاقتصاد والتنمية والفلسفة، والعمل في المؤسسات الدولية، مستخدماً المناهج العلمية الحديثة، كما وصف نفسه في كتابه (ص 282)، قائلاً: "As a nonreligious person" (أي لا ديني)، مع كامل الاحترام لخياره. بينما انطلق طه في رؤيته من مرجعية الفهم الجديد للإسلام، وهي القرآن في مستوى آيات الأصول (الآيات المكية). ويقوم هذا الفهم، كما بيَّن طه، على ما بعد العقيدة، حيث يبدأ العلم، في حين يقوم الفهم السائد للإسلام، على مستوى العقيدة. كما يدعو طه إلى المزج بين العلم التجريبي المادي والعلم التجريبي الروحي/ الديني. لم يك المقصود من هذه المقارنة القول إن طه وسن ينتميان إلى مدرسة فكرية واحدة، أو أن سن أخذ عن طه؛ فالفارق بينهما في المرجعيات والمناهج والسياقات التاريخية واضح. وإنما المقصود هو فحص التقاطعات المفاهيمية بين الطرحين الفكريين المختلفين، والكشف عما إذا كانت بعض الأفكار التي أصبحت مركزية في أدبيات التنمية الحديثة قد وجدت لدى طه صياغات مبكرة سابقة عليها زمنيًا. وهنا تحديدًا تكمن قيمة المقارنة. فكتاب سن التنمية حرية، الذي صدر بالإنجليزية عام 1999، قدم رؤية مؤثرة جعلت الحرية في قلب عملية التنمية، ورأى أن التنمية ليست مجرد نمو اقتصادي، وإنما "عملية لتوسيع الحريات الحقيقية التي يتمتع بها البشر". وقد اكتسب الكتاب تأثيرًا عالميًا واسعًا، وأسهم في إعادة توجيه النقاش حول التنمية من مؤشرات الدخل والناتج إلى القدرات والحريات والفرص الإنسانية. لكن مراجعة كتابات طه وأحاديثه تكشف أن الربط بين التنمية والحرية والإنسان لم يكن غائبًا عن طرحه، بل ظهر لديه منذ عقود سابقة.
الإنسان غاية التنمية
كشفت المقاربة إن قضية التنمية كانت حاضرة في فكر محمود محمد طه قبل ظهور الصياغة الشهيرة لأمارتيا سن للتنمية بوصفها حرية، وإن المقارنة النصية تكشف تقاطعات جوهرية بين التصورين، بما يجعل من غير الدقيق القول إن طه لم يشرح قضايا التخلف أو لم يقدم تصورًا للتنمية. فقد قدم طه رؤيته تجاه التنمية وكثيرًا من الأفكار التنموية قبل أكثر من نصف قرن، بما يستحق الدراسة التاريخية والفكرية المقارنة. وبينت المقاربة أن ما قدمه سن يتفق كثيراً مع ما طرحه طه منذ خمسينات وستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، في العديد من كتبه وأحاديثه. فالإنسان الحر، عند طه هو هدف التنمية وغايتها. وتقوم رؤية سن على أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن ارتفاع الدخل لا يمثل غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتوسيع الخيارات والقدرات التي تمكن الإنسان من أن يعيش الحياة التي يختارها. وهنا يظهر تقاطع مهم مع طه. فالتنمية الاقتصادية، عنده، لا قيمة حقيقية لها إذا لم تضع الإنسان وحريته في الصدارة. ولذلك يقول طه: "التنمية الاقتصادية بدون إعطاء العناية بالفرد وحريته مكان الصدارة، منخذلة، ومنهزمة، وفاشلة منذ البداية، لأن الناس هم الثروة الحقيقية". ويضيف: "لنجاح التنمية... لابد من الحرية". وهذا التقاطع لا يعني التطابق بين التصورين، لكنه يكشف بوضوح أن طه كان ينظر إلى التنمية من زاوية إنسانية تتجاوز اختزالها في المؤشرات الاقتصادية.
الحرية: غاية وشرط
من أبرز نقاط الالتقاء بين محمود محمد طه وأمارتيا سن وضع الحرية في مركز التفكير التنموي؛ فهي عندهما ليست ثمرة لاحقة للتنمية فحسب، وإنما شرط لقيامها ووسيلة لتحقيق غاياتها. يقول سن: "الحرية مركزية لعملية التنمية"، بينما يقول طه: "لنجاح التنمية... لابد من الحرية" (1974)، ويقول: "الحرية هي روح الحياة.. فحياة بلا حرية إنما هي جسد بلا روح" (1966). ويقول سن: «إن المسؤولية تقتضي الحرية»، وهو معنى يعبّر عنه طه في صياغة مكثفة: "الحرية مسؤولية" (1967). كما يلتقيان في تأكيد راهنية الحرية وضرورتها للإنسان المعاصر؛ فيقول سن: "الحرية مهمة بشكل حاسم الآن"، بينما يقول طه: "الحرية هي طِلْبَة واحتياج إنسان اليوم" (1952). ويتسع التقاطع في تصور العلاقة بين الحرية والمبادرة الفردية والفعالية الاجتماعية. يقول سن: "الحرية ليست فقط أساساً لتقييم النجاح والفشل، بل هي أيضاً المحدد الرئيسي للمبادرة الفردية والفعالية الاجتماعية". وفي المقابل، يقول طه: "الحرية حق يقابله واجب.. هذا الواجب هو حسن التصرف في الحرية.. والحرية لا حدود لها، إلا حيث يعجز الحر عن التزام واجبها، فتصبح محدودة بطاقته على الالتزام" (1966). ويضيف: "الحرية وسيلة الحياة.. والعلم وسيلة الحرية" (1984). ولا يقف التقاطع عند علاقة الحرية بالفرد، وإنما يمتد إلى دور المجتمع في إنتاج شروطها. فإذا كان سن يرى أن «الحرية الفردية في جوهرها منتج اجتماعي»، فإن طه يقول: "تنظيم الجماعة وسيلة إلى الحرية" (1966)، ويقرر أن "المجتمع وسيلة موصلة لحرية الفرد" (1974)، وأن "المجتمع أكبر وسيلة من وسائل فرصة الإنسان ليعيش في حرية". (1974). وتكشف هذه النصوص أن التقارب بين طه وسن أعمق من مجرد تشابه في استخدام مفردة الحرية؛ فكلاهما ينقلها من كونها قيمة مجردة إلى كونها قدرة فعلية على الاختيار والمبادرة والمشاركة وتحمل المسؤولية. غير أن طه يذهب بالحرية إلى أفق أوسع، إذ يربطها بالعلم وبنمو الفرد وبوظيفة المجتمع، ثم يجعل غايتها النهائية متصلة بتحقيق العبودية لله. ومن هنا، فإن المقارنة لا تكشف تطابقًا بين الطرحين، وإنما تكشف تقاربًا في جعل الحرية محورًا لفهم التنمية والنهوض الإنساني، مع اختلاف واضح في المرجعية والغاية النهائية لكل طرح. نقف هنا ونلتقي في الحلقة السابعة (8- 9).
|
|