Post: #1
Title: من حوار الوثبة إلى تسويات البرهان.. تاريخ يتكرر كمهزلة! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 08-16-2026, 05:17 PM
05:17 PM August, 16 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
حين يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليحتفي بالذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة القوات المسلحة، معلنا عن حزمة من الضمانات القانونية والسياسية والأمنية لإطلاق حوار سوداني-سوداني، فإنه لا يبتدع تاريخا جديدا، بل يعيد تدوير النسخة الأكثر بؤسا وبلاءا من أرشيف نظام الإنقاذ المخلوع. إن هذا الخطاب، بكل ما يحمله من عبارات منمقة حول استقلال الآلية الوطنية وتهيئة المناخ، ليس سوى محاولة مفضوحة لبعث روح الموات في جسد الديكتاتورية العسكرية. إننا أمام مشهد متطابق تماما مع ما مارسه عمر البشير طوال ثلاثة عقود من الزمان، حوارات شكلية وموائد مستديرة مصممة سلفا لإنتاج أجسام كرتونية فاسدة ومقاولين سياسيين يصفقون للمستبد ويشرعنون بقاءه تحت غطاء زائف من الشرعية الوطنية. لم ولن يكن هناك حوارا حقيقيا ينتج حلا جذريا في ظل بقاء البندقية وسلطة الجنرالات، بل سيكون هذا الحوار محطة جديدة لتكريس الاستبداد وخلق واقع وهمي يحكم فيه البرهان السودان بآليات الشعوذة السياسية والإرهاب المنهجي، وهو ما يتطلب منا قراءة متفحصة وعميقة لكل كلمة وردت في هذا الإعلان الملغوم لتفكيك خلفياته وأهدافه الحقيقية التي تخفي خلف براق الألفاظ طموحات سلطوية لا تعرف التراجع. يزعم البرهان في خطابه أن دور الدولة سينحصر في تهيئة البيئة الملائمة دون التدخل في مجريات التفاوض، وكأن المؤسسة العسكرية التي تقود حرباً شعواء منذ أبريل 2023 قد تحولت فجأة إلى جمعية خيرية محايدة. هذا الفصل المصطنع بين سلطة الدولة والعملية الحوارية هو أول أكاذيب الخطاب وأشدها سذاجة؛ فالجهة التي تحتكر السلاح، وتصدر أوامر التوقيف، وتحكم مفاصل الأرض والقرار، وتسيطر على الموارد والمجال الحيوي للدولة، لا يمكن بأي منطق سليم أو تحليل موضوعي أن تكون مجرد مراقب محايد. إن الدعم اللوجستي المزعوم والضمانات الممنوحة ليست سوى قيود ذهبية تُفرض على أطراف تم اختيارها بعناية فائقة لتتوافق مع مقاسات السلطة العسكرية ورغبتها الدفينة في الهيمنة. إنها هندسة سياسية واعية تهدف بدقة إلى استبعاد القوى الحية الحقيقية لثورة ديسمبر المجيدة، واستبدالها بواجهات كرتونية مصطنعة ترتضي بأن تكون مجرد ديكور ديمقراطي لواجهة عسكرية بحتة تفتقر إلى أي سند شعبي حقيقي. يمثل المسار الأول والثاني اللذان تحدث عنهما الخطاب والمتعلقان بوقف الإجراءات الجنائية ومنح حصانات إجرائية مؤقتة، فضيحة قانونية وأخلاقية متكاملة الأركان تكشف مدى الاستخفاف بمفاهيم سيادة حكم القانون. عندما يقدم رأس السلطة العسكرية ما يسمى بوقف الإجراءات بدلا من العفو القضائي الشامل أو الاعتراف باستقلالية السلطة القضائية وسيادة القانون، فإنه يمارس دور الإله الذي يمنح صكوك الغفران لمن يشاء ويحجبها عمن يشاء وفقاً لميزان الولاء السياسي والمصلحة الآنية. إن هذه الحصانة الإجرائية المؤقتة للحقوق الخاصة والعامة لا تعني سوى إخضاع القضاء والعدالة لإرادة الجنرال المطلقة، وتحويل المؤسسات العدلية إلى أدوات طيعة في يد السلطة التنفيذية والعسكرية. إن المشاركين في هذا الحوار لا يدخلونه أحراراً أصحاب قرار، بل يدخلونه وهم يرتدون قيود الامتنان لسلطة البرهان التي تفضلت عليهم بوقف الملاحقات ورفع السيف المؤقت عن رقابهم. كيف يمكن لحوار أن يُنتج حلا عادلا ومستداما وهو يبدأ أساسا بمقايضة العدالة وسيادة القانون بالولاء الشخصي والسياسي للجنرالات ومراكز القوة النفعية؟ أما المسار الثالث الذي يتبجح به الخطاب، والمتمثل في منح حصانة كاملة ودائمة للمشاركين عما يصدر عنهم من آراء ومواقف داخل جلسات الحوار، فهو السخرية الكبرى بعينها والتناقض الأصارخ الذي يفضح عورات هذا الطرح. يضمن البرهان حرية التعبير المطلقة داخل الغرف المغلقة لنخبته المصنوعة والمدجنة، بينما يمارس أبشع أنواع التضييق والتنكيل والاعتقال التعسفي والقمع المنهجي ضد الملايين من أبناء الشعب السوداني في الفضاء العام. إن هذا التناقض الفاضح يكشف جلياً طبيعة النظام القائم، فضاء عام مباح لبطش الميليشيات والقمع الأمني والانتهاكات الجسيمة، وفضاء مغلق ومحمي بقرارات استثنائية لمجموعة من المنتفعين والانتهازيين الذين باركوا الحرب أو صمتوا عنها مقابل مكاسب سلطوية ضيقة. إن حرية التعبير التي لا تنبع من سيادة القانون وحق المواطنة المتساوية، بل تُمنح بقرار سيادي استثنائي ومؤقت، ليست سوى أداة أخرى من أدوات التدجين السياسي وتكميم الأفواه الأبدية التي يسعى النظام من خلالها إلى فرض رؤيته الأحادية على مستقبل البلاد إن الارتكاز على ما تسمى بالكتلة الديمقراطية والجماعات المتحالفة مع الجيش، إلى جانب قيادات الإدارة الأهلية ورجال الدين المساندين للسلطة، يكشف المآل الحقيقي والنهئي لهذا الحوار المشبوه. إننا لسنا أمام مبادرة وطنية شاملة تعبر عن تطلعات الأمة السودانية بمختلف مكوناتها، بل أمام تحالف جديد للإنتهازيين ومستفيدي الحرب، أولئك الذين وجدوا في استمرار الاقتتال وتدمير البنى التحتية فرصة ذهبية للبقاء في المشهد السياسي بعد أن لفظتهم ثورة ديسمبر المجيدة إلى مزبلة التاريخ. إن هذه الأطراف، المدعومة برؤى باهتة ومصالح ضيقة وأجندات جهوية وقبلية مقيتة، تسعى يائسة لتكرار تجربة حوار الوثبة وغيرها من مسرحيات البشير البائسة التي دمرت ما تبقي من استقرار البلاد. إنهم يعيدون إنتاج ذات الوجه القديم للنظام البائد، ولكن بثوب عسكري جديد ومقاولين جدد للسياسة، متصورين بقمة السذاجة أن الشعب السوداني قد نسي دروس العقود الثلاثة الماضية من الخراب والتنكيل. إن الرهان على الملكية الوطنية ورفض الوساطات الخارجية، كما ورد في رؤية حلفاء السلطة، ليس دفاعاً عن السيادة الوطنية كما يحاولون الترويج له عبر أبواقهم الإعلامية، بل هو هروب جبان من الرقابة الدولية والإقليمية على جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي رافقت هذا النزاع التدميري الطويل. إن السلطة العسكرية تريد ملعبا مغلقا وخاليا تماما من الشهود الحقوقيين والمنظمات الدولية لتتمكن من تفصيل دستورها المقابل، وهندسة مستقبل السودان بمعزل عن إرادة شعبه الحقيقي وقواه الثورية الحية. إن هذا الانكفاء المريب ليس سوى محاولة يائسة لشرعنة سلطة البرهان وتحويل السودان إلى سجن كبير يعزل فيه الديكتاتور شعبه الأبي عن العالم، ويحكمه بالحديد والنار وشعوذة الشعارات الزائفة التي تعودنا عليها طوال عقود الاستبداد والدمار الشامل. إن حوار البرهان، بكل تفاصيله ووعوده الضبابية وضماناته المفبركة، ليس سوى محاولة يائسة وغير متجانسة لإطالة عمر سلطة عسكرية سقطت أخلاقيا ووطنيا وتاريخيا. إنه تكرار حرفي وكسول لسيناريوهات البشير التي قادت البلاد حتماً إلى التفتت والحروب الأهلية المدمرة والانهيار الاقتصادي الشامل. لن يلد هذا الحوار سوى أجسام كرتونية فاسدة تصفق للجنرال وتبرر له جرائمه اليومية، ولن يحصد السودان من هذه المسرحية الهزلية سوى المزيد من الديكتاتورية والعزلة والدمار والتمزق الاجتماعي. إن الشعب السوداني الذي قدم التضحيات جساماً في ثورة ديسمبر المجيدة وفي وجه هذه الحرب اللعينة المدمرة، لن يُخدع بهذه الألاعيب البائسة والمحاولات الرخيصة، وسيظل عصياً على الانكسار أمام كافة محاولات إعادة تدوير الطغيان بأي اسم كان وتحت أي غطاء مزيف.
|
|