Post: #1
Title: البرهان ينظر إلي أزمة السودان بعين واحدة كتبه مها الهادي طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 08-16-2026, 11:29 AM
11:29 AM August, 16 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
خطاب البرهان في الذكرى الثانية والسبعين للقوات المسلحة جاء في لحظة تغيرت فيها طبيعة الحرب نفسها. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم يعد الصراع مواجهة ثنائية بين الجيش والدعم السريع، بل أصبح مشهداً أكثر تعقيداً بظهور تحالف "تأسيس" وحكومته كبنية سياسية وعسكرية موازية.
أعلن البرهان بدء حوار مع "القوى الوطنية" لاستكمال مؤسسات الحكم، مشترطاً ألا يعيد ذلك الدعم السريع إلى السلطة، ومانحاً المشاركين ضمانات مؤقتة. لكن الخطاب، رغم ذلك، ظل يضع الدعم السريع في مركز تعريف الأزمة، متجاهلاً أن الحرب أفرزت واقعاً أوسع بكثير.
فتحالف "تأسيس" تطور إلى مجلس رئاسي وحكومة برئاسة محمد حسن التعايشي، وأصبح جزءاً من الواقع السياسي الذي أنتجته الحرب. لذلك فإن اختزال المسألة في عبارة "منع عودة الدعم السريع" لم يعد كافياً لفهم المشهد أو معالجته.
يتعامل البرهان مع الدعم السريع كمشكلة أمنية بحتة، بينما يفتح باب الحوار السياسي مع أطراف أخرى. هذا الفصل مفهوم من زاوية عسكرية، لكنه يتجاهل أن الدعم السريع أصبح ركيزة في تحالف سياسي له مشروع ومؤسسات. كما أن اختزال "تأسيس" بالكامل في الدعم السريع تبسيط غير دقيق، فهناك فرق بين القوة العسكرية والتحالف السياسي والحكومة الناشئة عنه، وكل مستوى يحتاج معالجة مختلفة.
من حق أي دولة رفض وجود جيش مواز، لكن هناك فرقاً بين نزع السلاح وإلغاء الوجود السياسي للخصم. والسؤال الأهم الذي لم يجب عنه الخطاب: كيف يتم نزع السلاح دون أن يتحول ذلك لأداة إقصاء سياسي واسع؟ ثم إن هذا المبدأ يجب أن يشمل كل التشكيلات المسلحة خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، لا الدعم السريع وحده.
عبارة "القوى الوطنية" التي استخدمها البرهان تحتاج تعريفاً دقيقاً: هل المعيار هو الموقف من الجيش؟ أم من الحرب؟ أم حجم التمثيل الشعبي؟ استبعاد أي طرف من الحوار قبل بدايته يعني أن جهة واحدة تحتكر تعريف من يحق له المشاركة في صياغة المستقبل، وهو ما يهدد بتحويل الحوار من أداة توافق إلى وسيلة لإعادة هندسة الخريطة السياسية وفق شروط مسبقة.
الحرب أنتجت انقساماً سياسياً حقيقياً: سلطة في مناطق الجيش، وبنية إدارية موازية في مناطق نفوذ "تأسيس". وهذا يعني أن السؤال لم يعد "من ينتصر؟"، بل "كيف تُعاد وحدة دولة تفككت مؤسساتها؟" فالانتصار العسكري لا يعني تلقائياً استعادة الدولة، لأن الدولة تُبنى على الشرعية والمؤسسات والقانون لا على السيطرة الميدانية وحدها.
أكد البرهان أن الجيش "جيش السودان" لا ملك لجهة بعينها، وهي رسالة مهمة، لكنها تفتح أسئلة لم يجب عنها: ما موقع الجيش السياسي بعد الحرب؟ هل يخضع كاملاً لسلطة مدنية منتخبة؟ وكيف تُضبط أنشطته الاقتصادية لمنع تكرار نموذج الدولة العسكرية؟
لا يمكن تجاهل "تأسيس" كفاعل سياسي بحكم امتلاكه هياكل إدارية وحكومية فعلية وإخراج السلاح من السياسة لا يعني إقصاء الأفراد من المجال السياسي.
يجمع الخطاب بين الحسم العسكري والانفتاح السياسي، لكن هذه المعادلة محفوفة بمشكلة: إذا جرى الحوار في ظل استمرار الحرب، سيبقى ميزان القوة العسكري هو الحاكم لمخرجاته، فيتحول الحوار إلى مسار موازٍ للحرب لا أداة لإنهائها. أما إذا صُمم ليقود إلى وقف إطلاق النار وترتيبات أمنية حقيقية، فقد يشكل مساراً فعلياً نحو السلام. الفارق ليس في الشكل، بل في الوظيفة.
اتضح بعد سنوات الحرب أن أزمة السودان أزمة دولة شاملة: في العلاقة بين المركز والأقاليم، في احتكار القوة، في الشرعية السياسية، وفي الاقتصاد السياسي للحرب. فالدعم السريع طرف رئيسي لكنه ليس التفسير الكامل، و"تأسيس" جزء من الواقع لكنه لا يمثل السودان كله، والجيش مؤسسة محورية لكنه لا يستطيع وحده أن يكون الدولة.
المطلوب ليس حواراً بين منتصر ومهزوم، بل عملية سياسية تعترف بالواقع دون أن تستسلم له: لا شرعنة لتعدد الجيوش، ولا إفلات من العقاب، ولا إقصاء سياسي شامل، ولا احتكار عسكري للدولة. والسؤال الحاسم الذي سيحدد مصير هذا الخطاب: هل يُراد للحوار أن يوحّد السودان، أم أن يُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوة بعد الحرب؟
مها الهادي طبيق 16 اغسطس 2026
|
|