Post: #1
Title: الحوار السوداني أم إعادة هندسة السلطة؟ البرهان وطريقه إلى ما بعد الحرب
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-16-2026, 03:54 AM
03:54 AM August, 15 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
ا لم تعد دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى «حوار سوداني-سوداني» مجرد مبادرة جديدة تضاف إلى عشرات المبادرات التي عرفتها الحرب السودانية منذ أبريل 2023 , فالتوقيت، والمكان، والأطراف التي يجري التواصل معها، وطبيعة المسارين السياسي والأمني المطروحين، كلها تجعل الدعوة أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي السوداني قبل أن تنتهي الحرب فعلياً وهنا يصبح السؤال مختلفاً- هل يريد البرهان إنهاء الحرب ثم الانتقال إلى نظام سياسي جديد، أم أنه يريد استخدام نهاية الحرب لإعادة تأسيس السلطة على قاعدة عسكرية تجعل المؤسسة العسكرية صاحبة اليد العليا في الدولة لسنوات طويلة؟ هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن هناك قراراً نهائياً بإقامة حكم عسكري مطلق. لكنه يعني أن هناك مؤشرات سياسية تستحق القراءة بعيداً عن الخطاب الرسمي , ففي مايو 2026 أعلن البرهان ترتيبات لإطلاق حوار سياسي داخلي بهدف استكمال الانتقال المدني الديمقراطي، ثم جاءت لقاءاته في يوليو مع قيادات الكتلة الديمقراطية لبحث إطلاق حوار سوداني شامل ومسارين متوازيين، أحدهما سياسي والآخر أمني. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية من «الحوار»إلى السؤال عن شكل الدولة في الخطاب السياسي السوداني، تبدو عبارة «الحوار السوداني-السوداني» جذابة للغاية , من يستطيع أن يعترض على حوار سوداني لا تفرضه العواصم الأجنبية؟ لكن المشكلة ليست في فكرة الحوار، وإنما في السؤال الذي يسبق الحوار- من يحدد قواعده؟ ومن يحدد أطرافه؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ مخرجاته؟ فإذا كان الحوار سيجري في ظل مؤسسة عسكرية تسيطر على الدولة، وفي ظل حرب لم تنتهِ بصورة نهائية، وفي ظل اختلال كبير في موازين القوة، فإن «الحوار» قد يتحول من أداة لإنتاج عقد سياسي جديد إلى أداة لإعادة توزيع المقاعد داخل نظام سياسي جرى تحديد مركز ثقله مسبقاً , وهنا تحديداً ينبغي قراءة تحركات البرهان.
البرهان لا يبحث فقط عن حلفاء.. بل يعيد تعريف الحلفاء منذ اندلاع الحرب، اعتمدت السلطة القائمة في بورتسودان على شبكة واسعة من القوى- المؤسسة العسكرية، الحركات المسلحة، القوى السياسية المنضوية في الكتلة الديمقراطية، عناصر وواجهات سياسية مرتبطة بالإسلاميين، إدارات أهلية، وقوى اجتماعية ومناطقية مختلفة لكن الحرب نفسها كشفت أن هذا التحالف ليس كتلة واحدة , إنه ائتلاف مصالح مؤقتة جمعته الحاجة إلى مواجهة الدعم السريع أكثر مما جمعته رؤية واحدة لمستقبل السودان , وهذا هو التحدي الذي يواجه البرهان الآن فبعد أن أصبح الجيش هو المركز العسكري للحرب، يريد البرهان أن يتحول هذا المركز العسكري إلى مركز لإنتاج الشرعية السياسية بعد الحرب , وهنا تختلف المسألة تماماً فالانتصار العسكري، حتى إذا تحقق، لا ينتج وحده شرعية سياسية دائمة , ولذلك يصبح الحوار ضرورة , ليس بالضرورة لأنه يريد التخلي عن السلطة، وإنما لأنه يحتاج إلى غطاء سياسي جديد للسلطة التي أنتجتها الحرب ________________________________________ لماذا الكتلة الديمقراطية؟ لقاء البرهان بالكتلة الديمقراطية في يوليو ليس تفصيلاً عابراً فالكتلة أعلنت دعمها للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه رحبت بالحوار السوداني الشامل، وطرحت خارطة طريق تقود إلى مؤتمر دستوري وانتخابات حرة , وهنا تظهر معادلة دقيقة: البرهان يحتاج إلى قوى مدنية وسياسية، والكتلة الديمقراطية تحتاج إلى موقع داخل النظام القادم كل طرف لديه ما يحتاجه الآخر , لكن السؤال هو: هل تستطيع الكتلة الديمقراطية أن تكون شريكاً في إنتاج نظام ديمقراطي، أم ستتحول إلى واجهة مدنية لنظام مركزه المؤسسة العسكرية؟ هذه ليست إدانة مسبقة للكتلة , بل هي مشكلة بنيوية , فالقوى التي تدخل العملية السياسية من موقع ضعف شديد قد تجد نفسها، في النهاية، تفاوض على حصتها في السلطة بدلاً من التفاوض على طبيعة السلطة نفسها من يخرج من التحالف؟ وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية , البرهان لا يحتاج بالضرورة إلى استمرار كل القوى التي ساندته أثناء الحرب , بل ربما يحتاج إلى إعادة ترتيب التحالف نفسه. بعض القوى المسلحة والحركات التي كانت ضرورية في لحظة الحرب قد تصبح عبئاً في لحظة بناء الدولة , وبعض الإسلاميين الذين استفادوا من الحرب في استعادة المجال العام قد يجدون أنفسهم أمام حسابات مختلفة , وبعض الحركات المسلحة التي دخلت الحرب من أجل حماية مناطقها أو مصالحها قد تريد ثمناً سياسياً أكبر في المرحلة القادمة , وبالمقابل تظهر قوى سياسية ومدنية كانت خارج البلاد أو خارج مركز القرار، وهي الآن تحاول العودة إلى المشهد , وهكذا يمكن أن تتحول المرحلة القادمة إلى عملية , إعادة فرز للحلفاء من معنا ومن ضدنا؟ بل _ من يمكن أن يكون مفيداً في إنتاج شرعية المرحلة المقبلة؟ , عطش إلى السلطة.. مشكلة المرحلة المقبلةالسودان لا يعاني فقط من أزمة عسكرية يعاني من أزمة نخبة سياسية , وهنا تكمن خطورة المرحلة, فبعد سنوات الحرب، ستظهر مجموعة كبيرة من السياسيين والقادة والواجهات التي ستقول إنها تمثل الشعب، أو الأقاليم، أو المقاومة، أو الحركات المسلحة، أو القوى المدنية , وسيكون هناك سباق حقيقي على الدخول إلى مؤسسات السلطة الجديدة وهنا يمكن أن يحدث شيء خطير - أن يتحول الصراع من سؤال: كيف نبني السودان؟ إلى سؤال - من يحصل على المقعد؟ , وهذه هي البيئة المثالية لنظام عسكري يريد إعادة إنتاج نفسه لأن تعدد القوى السياسية المتنافسة، وتفتت المجتمع المدني، وغياب الانتخابات، واستمرار الحرب أو آثارها، كلها تجعل المؤسسة العسكرية تبدو وكأنها الطرف الوحيد القادر على ضبط الدولة , وهنا تتحول الفوضى السياسية إلى مصدر شرعية للجيش المركز.. هل يعيد إنتاج نفسه؟ , وهنا نصل إلى السؤال الأعمق , المشكلة ليست فقط في البرهان , وليست فقط في الإسلاميين , وليست فقط في الحركات المسلحة , المشكلة في النظام التاريخي الذي أنتج مركز السودان وهامشه فمنذ الاستقلال ظل السودان يعاني من دولة شديدة المركزية، تتركز فيها السلطة والموارد والقرار السياسي في الخرطوم ومؤسسات الدولة المركزية , والقوى التي تدخل الخرطوم كثيراً ما تجد نفسها أمام إغراء واحد- الوصول إلى المركز بدلاً من إعادة تعريف المركز , وهذا هو الخطر الحقيقي أن تأتي قوى من الهامش إلى الخرطوم، لا لكي تغير بنية الدولة، وإنما لكي تحصل على موقع داخل المركز القديم , وأن يأتي سياسيون من الخارج بعد سنوات الغياب، لا لكي يفتحوا صفحة جديدة، وإنما لكي يستعيدوا حصتهم في النظام القديم. وأن تتحول الحركات المسلحة من أدوات للدفاع عن مناطقها إلى أدوات للتفاوض على مواقع داخل الدولة المركزية , عندها لا يكون السودان قد خرج من أزمته , يكون فقط قد غيّر أسماء الجالسين حول الطاولة هل يريد البرهان سلطة مطلقة؟ , هنا يجب أن نكون أكثر دقة. ليس لدينا حتى الآن ما يكفي للقول إن البرهان أعلن رسمياً مشروعاً لحكم مطلق , لكن لدينا ما يسمح بطرح فرضية سياسية- أن المؤسسة العسكرية تريد أن تكون صاحبة الكلمة النهائية في صياغة النظام السياسي بعد الحرب. وهذا فرق جوهري , فالسلطة المطلقة لا تبدأ دائماً بإلغاء البرلمان أو حل الأحزاب. قد تبدأ بصورة أكثر نعومة - مجلس عسكري قوي -حكومة مدنية محدودة الصلاحيات قوى سياسية مختارة , عملية دستورية مضبوطة , انتخابات مؤجلة , ذريعة «الظروف الاستثنائية» , ثم يصبح الاستثناء قاعدة وفي هذا السياق تصبح التقارير عن وثيقة منسوبة إلى مكتب البرهان، تتحدث عن سلطة انتقالية تقودها المؤسسة العسكرية لخمس سنوات، ذات أهمية سياسية حتى مع ضرورة التعامل معها بحذر وعدم اعتبارها قراراً رسمياً مثبتاً. «الحوار السوداني».. فرصة أم آلية لإعادة إنتاج السلطة؟ هنا يجب أن نترك الحكم للمستقبل , يمكن للحوار الذي دعا إليه البرهان أن يكون فرصة حقيقية إذا توفرت له شروط أساسية-أولاً- ألا تكون المؤسسة العسكرية طرفاً منظماً للحوار وخصماً وحَكماً في الوقت نفسه , ثانياً: ألا يتم اختيار المشاركين على أساس الولاء العسكري , ثالثاً:-أن يكون شكل الدولة موضوعاً للحوار، لا نتيجة مفروغاً منها رابعاً أن يناقش الحوار العلاقة بين الجيش والسياسة بصورة صريحة , خامساً- أن يناقش قضية المركز والهامش وإعادة توزيع السلطة والثروة سادساً: أن تكون الانتخابات جزءاً من الطريق وليست مجرد وعد مؤجل.سابعاً- الا يتحول الحوار إلى مؤتمر لتقاسم المناصب بين القوى السياسية , وإلا فإن الحوار قد يتحول إلى شيء آخر تماماً , عملية شرعنة سياسية لموازين القوة التي صنعتها الحرب البرهان أمام خيارين في تقديري، البرهان أمام مسارين المسار الأول- إعادة إنتاج الدولة القديمة جيش قوي في المركز حكومة مدنية محدودة حلفاء سياسيون وعسكريون يتم اختيارهم وفق قدرتهم على دعم النظام إبعاد القوى التي تعتبر معادية للمؤسسة العسكرية تأجيل الانتخابات والاحتفاظ بالمؤسسة العسكرية باعتبارها «الضامن النهائي» للدولة , هذا المسار قد يمنح البرهان استقراراً سياسياً مؤقتاً , لكنه لن يحل أزمة السودان , لأنه سيعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الحرب المسار الثاني- استخدام الانتصار العسكري لفتح تحول سياسي حقيقي وهذا يعني شيئاً مختلفاً تماماً- أن يقبل الجيش بالخروج التدريجي من السلطة السياسية. أن يتم بناء جيش وطني واحد أن تتم إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم , أن تنتقل الدولة من المركزية المفرطة إلى نظام أكثر عدالة في توزيع السلطة والثروة , أن تأتي حكومة مدنية ذات تفويض حقيقي. وأن تجرى انتخابات بعد تهيئة شروطها , هذا المسار أصعب على البرهان , لكنه أكثر فائدة للسودان المشكلة ليست: من يدخل الخرطوم؟ , وهنا ربما نصل إلى جوهر المسألة. السودان لا يحتاج فقط إلى أن يدخل أبناؤه الخرطوم السؤال- ماذا سيفعلون عندما يدخلونها؟ إذا دخلتها الحركات المسلحة، والقوى الديمقراطية، والإسلاميون، والكتلة الديمقراطية، والقادمون من الخارج، وكل طرف يحمل معه حلم الوصول إلى السلطة، لكن الجميع يترك بنية الدولة كما هي، فإن المركز سيبقى مركزاً ستتغير الوجوه , ستتغير التحالفات , وقد يتغير رئيس الوزراء , وقد يتغير مجلس السيادة , لكن - سيبقى السودان نفسه , وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب.. السودان أمام معركة أكبر من الحرب المعركة القادمة ليست فقط معركة السيطرة على الخرطوم إنها معركة - من يكتب العقد السياسي الجديد؟ , هل تكتبه المؤسسة العسكرية؟ , هل تكتبه الأحزاب؟ هل تكتبه الحركات المسلحة؟ هل تكتبه القوى المدنية؟ هل تكتبه الأقاليم؟ أم يستطيع السودانيون، للمرة الأولى منذ الاستقلال، أن يكتبوه معاً؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لدعوة البرهان إلى الحوار الحوار السوداني أم إعادة هندسة السلطة؟ البرهان وطريقه إلى ما بعد الحرب لم تعد دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى «حوار سوداني-سوداني» مجرد مبادرة جديدة تضاف إلى عشرات المبادرات التي عرفتها الحرب السودانية منذ أبريل 2023. فالتوقيت، والمكان، والأطراف التي يجري التواصل معها، وطبيعة المسارين السياسي والأمني المطروحين، كلها تجعل الدعوة أقرب إلى محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي السوداني قبل أن تنتهي الحرب فعلياً. وهنا يصبح السؤال مختلفاً: هل يريد البرهان إنهاء الحرب ثم الانتقال إلى نظام سياسي جديد، أم أنه يريد استخدام نهاية الحرب لإعادة تأسيس السلطة على قاعدة عسكرية تجعل المؤسسة العسكرية صاحبة اليد العليا في الدولة لسنوات طويلة؟ هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن هناك قراراً نهائياً بإقامة حكم عسكري مطلق. لكنه يعني أن هناك مؤشرات سياسية تستحق القراءة بعيداً عن الخطاب الرسمي. ففي مايو 2026 أعلن البرهان ترتيبات لإطلاق حوار سياسي داخلي بهدف استكمال الانتقال المدني الديمقراطي، ثم جاءت لقاءاته في يوليو مع قيادات الكتلة الديمقراطية لبحث إطلاق حوار سوداني شامل ومسارين متوازيين، أحدهما سياسي والآخر أمني. وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. ________________________________________ من «الحوار» إلى السؤال عن شكل الدولة في الخطاب السياسي السوداني، تبدو عبارة «الحوار السوداني-السوداني» جذابة للغاية. من يستطيع أن يعترض على حوار سوداني لا تفرضه العواصم الأجنبية؟ لكن المشكلة ليست في فكرة الحوار، وإنما في السؤال الذي يسبق الحوار: من يحدد قواعده؟ ومن يحدد أطرافه؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يملك القدرة على تنفيذ مخرجاته؟ فإذا كان الحوار سيجري في ظل مؤسسة عسكرية تسيطر على الدولة، وفي ظل حرب لم تنتهِ بصورة نهائية، وفي ظل اختلال كبير في موازين القوة، فإن «الحوار» قد يتحول من أداة لإنتاج عقد سياسي جديد إلى أداة لإعادة توزيع المقاعد داخل نظام سياسي جرى تحديد مركز ثقله مسبقاً. وهنا تحديداً ينبغي قراءة تحركات البرهان. ________________________________________ البرهان لا يبحث فقط عن حلفاء.. بل يعيد تعريف الحلفاء منذ اندلاع الحرب، اعتمدت السلطة القائمة في بورتسودان على شبكة واسعة من القوى: المؤسسة العسكرية، الحركات المسلحة، القوى السياسية المنضوية في الكتلة الديمقراطية، عناصر وواجهات سياسية مرتبطة بالإسلاميين، إدارات أهلية، وقوى اجتماعية ومناطقية مختلفة. لكن الحرب نفسها كشفت أن هذا التحالف ليس كتلة واحدة. إنه ائتلاف مصالح مؤقتة جمعته الحاجة إلى مواجهة الدعم السريع أكثر مما جمعته رؤية واحدة لمستقبل السودان. وهذا هو التحدي الذي يواجه البرهان الآن. فبعد أن أصبح الجيش هو المركز العسكري للحرب، يريد البرهان أن يتحول هذا المركز العسكري إلى مركز لإنتاج الشرعية السياسية بعد الحرب. وهنا تختلف المسألة تماماً. فالانتصار العسكري، حتى إذا تحقق، لا ينتج وحده شرعية سياسية دائمة. ولذلك يصبح الحوار ضرورة. ليس بالضرورة لأنه يريد التخلي عن السلطة، وإنما لأنه يحتاج إلى غطاء سياسي جديد للسلطة التي أنتجتها الحرب. ________________________________________ لماذا الكتلة الديمقراطية؟ لقاء البرهان بالكتلة الديمقراطية في يوليو ليس تفصيلاً عابراً. فالكتلة أعلنت دعمها للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه رحبت بالحوار السوداني الشامل، وطرحت خارطة طريق تقود إلى مؤتمر دستوري وانتخابات حرة. وهنا تظهر معادلة دقيقة: البرهان يحتاج إلى قوى مدنية وسياسية، والكتلة الديمقراطية تحتاج إلى موقع داخل النظام القادم. كل طرف لديه ما يحتاجه الآخر. لكن السؤال هو: هل تستطيع الكتلة الديمقراطية أن تكون شريكاً في إنتاج نظام ديمقراطي، أم ستتحول إلى واجهة مدنية لنظام مركزه المؤسسة العسكرية؟ هذه ليست إدانة مسبقة للكتلة. بل هي مشكلة بنيوية. فالقوى التي تدخل العملية السياسية من موقع ضعف شديد قد تجد نفسها، في النهاية، تفاوض على حصتها في السلطة بدلاً من التفاوض على طبيعة السلطة نفسها. ________________________________________ من يخرج من التحالف؟ وهنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية. البرهان لا يحتاج بالضرورة إلى استمرار كل القوى التي ساندته أثناء الحرب. بل ربما يحتاج إلى إعادة ترتيب التحالف نفسه. بعض القوى المسلحة والحركات التي كانت ضرورية في لحظة الحرب قد تصبح عبئاً في لحظة بناء الدولة. وبعض الإسلاميين الذين استفادوا من الحرب في استعادة المجال العام قد يجدون أنفسهم أمام حسابات مختلفة. وبعض الحركات المسلحة التي دخلت الحرب من أجل حماية مناطقها أو مصالحها قد تريد ثمناً سياسياً أكبر في المرحلة القادمة. وبالمقابل تظهر قوى سياسية ومدنية كانت خارج البلاد أو خارج مركز القرار، وهي الآن تحاول العودة إلى المشهد. وهكذا يمكن أن تتحول المرحلة القادمة إلى عملية: إعادة فرز للحلفاء. ليس السؤال: من معنا ومن ضدنا؟ بل: من يمكن أن يكون مفيداً في إنتاج شرعية المرحلة المقبلة؟ ________________________________________ العطش إلى السلطة.. مشكلة المرحلة المقبلة السودان لا يعاني فقط من أزمة عسكرية. يعاني من أزمة نخبة سياسية. وهنا تكمن خطورة المرحلة. فبعد سنوات الحرب، ستظهر مجموعة كبيرة من السياسيين والقادة والواجهات التي ستقول إنها تمثل الشعب، أو الأقاليم، أو المقاومة، أو الحركات المسلحة، أو القوى المدنية. وسيكون هناك سباق حقيقي على الدخول إلى مؤسسات السلطة الجديدة. وهنا يمكن أن يحدث شيء خطير: أن يتحول الصراع من سؤال: كيف نبني السودان؟ إلى سؤال: من يحصل على المقعد؟ وهذه هي البيئة المثالية لنظام عسكري يريد إعادة إنتاج نفسه. لأن تعدد القوى السياسية المتنافسة، وتفتت المجتمع المدني، وغياب الانتخابات، واستمرار الحرب أو آثارها، كلها تجعل المؤسسة العسكرية تبدو وكأنها الطرف الوحيد القادر على ضبط الدولة. وهنا تتحول الفوضى السياسية إلى مصدر شرعية للجيش. ________________________________________ المركز.. هل يعيد إنتاج نفسه؟ وهنا نصل إلى السؤال الأعمق. المشكلة ليست فقط في البرهان. وليست فقط في الإسلاميين. وليست فقط في الحركات المسلحة. المشكلة في النظام التاريخي الذي أنتج مركز السودان وهامشه. فمنذ الاستقلال ظل السودان يعاني من دولة شديدة المركزية، تتركز فيها السلطة والموارد والقرار السياسي في الخرطوم ومؤسسات الدولة المركزية. والقوى التي تدخل الخرطوم كثيراً ما تجد نفسها أمام إغراء واحد: الوصول إلى المركز بدلاً من إعادة تعريف المركز. وهذا هو الخطر الحقيقي. أن تأتي قوى من الهامش إلى الخرطوم، لا لكي تغير بنية الدولة، وإنما لكي تحصل على موقع داخل المركز القديم. وأن يأتي سياسيون من الخارج بعد سنوات الغياب، لا لكي يفتحوا صفحة جديدة، وإنما لكي يستعيدوا حصتهم في النظام القديم. وأن تتحول الحركات المسلحة من أدوات للدفاع عن مناطقها إلى أدوات للتفاوض على مواقع داخل الدولة المركزية. عندها لا يكون السودان قد خرج من أزمته. يكون فقط قد غيّر أسماء الجالسين حول الطاولة. ________________________________________ هل يريد البرهان سلطة مطلقة؟ هنا يجب أن نكون أكثر دقة. ليس لدينا حتى الآن ما يكفي للقول إن البرهان أعلن رسمياً مشروعاً لحكم مطلق. لكن لدينا ما يسمح بطرح فرضية سياسية: أن المؤسسة العسكرية تريد أن تكون صاحبة الكلمة النهائية في صياغة النظام السياسي بعد الحرب. وهذا فرق جوهري. فالسلطة المطلقة لا تبدأ دائماً بإلغاء البرلمان أو حل الأحزاب. قد تبدأ بصورة أكثر نعومة: مجلس عسكري قوي. حكومة مدنية محدودة الصلاحيات. قوى سياسية مختارة. عملية دستورية مضبوطة. انتخابات مؤجلة. ذريعة «الظروف الاستثنائية». ثم يصبح الاستثناء قاعدة. وفي هذا السياق تصبح التقارير عن وثيقة منسوبة إلى مكتب البرهان، تتحدث عن سلطة انتقالية تقودها المؤسسة العسكرية لخمس سنوات، ذات أهمية سياسية حتى مع ضرورة التعامل معها بحذر وعدم اعتبارها قراراً رسمياً مثبتاً. ________________________________________ «الحوار السوداني».. فرصة أم آلية لإعادة إنتاج السلطة؟ هنا يجب أن نترك الحكم للمستقبل. يمكن للحوار الذي دعا إليه البرهان أن يكون فرصة حقيقية إذا توفرت له شروط أساسية: أولاً: ألا تكون المؤسسة العسكرية طرفاً منظماً للحوار وخصماً وحَكماً في الوقت نفسه. ثانياً: ألا يتم اختيار المشاركين على أساس الولاء العسكري. ثالثاً: أن يكون شكل الدولة موضوعاً للحوار، لا نتيجة مفروغاً منها. رابعاً: أن يناقش الحوار العلاقة بين الجيش والسياسة بصورة صريحة. خامساً: أن يناقش قضية المركز والهامش وإعادة توزيع السلطة والثروة. سادساً: أن تكون الانتخابات جزءاً من الطريق وليست مجرد وعد مؤجل. سابعاً: ألا يتحول الحوار إلى مؤتمر لتقاسم المناصب بين القوى السياسية. وإلا فإن الحوار قد يتحول إلى شيء آخر تماماً: عملية شرعنة سياسية لموازين القوة التي صنعتها الحرب. ________________________________________ البرهان أمام خيارين في تقديري، البرهان أمام مسارين. المسار الأول: إعادة إنتاج الدولة القديمة جيش قوي في المركز. حكومة مدنية محدودة. حلفاء سياسيون وعسكريون يتم اختيارهم وفق قدرتهم على دعم النظام. إبعاد القوى التي تعتبر معادية للمؤسسة العسكرية. تأجيل الانتخابات. والاحتفاظ بالمؤسسة العسكرية باعتبارها «الضامن النهائي» للدولة. هذا المسار قد يمنح البرهان استقراراً سياسياً مؤقتاً. لكنه لن يحل أزمة السودان. لأنه سيعيد إنتاج الأسباب التي أدت إلى الحرب. المسار الثاني: استخدام الانتصار العسكري لفتح تحول سياسي حقيقي وهذا يعني شيئاً مختلفاً تماماً: أن يقبل الجيش بالخروج التدريجي من السلطة السياسية. أن يتم بناء جيش وطني واحد. أن تتم إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم. أن تنتقل الدولة من المركزية المفرطة إلى نظام أكثر عدالة في توزيع السلطة والثروة. أن تأتي حكومة مدنية ذات تفويض حقيقي. وأن تجرى انتخابات بعد تهيئة شروطها. هذا المسار أصعب على البرهان. لكنه أكثر فائدة للسودان. ________________________________________ المشكلة ليست: من يدخل الخرطوم؟ وهنا ربما نصل إلى جوهر المسألة. السودان لا يحتاج فقط إلى أن يدخل أبناؤه الخرطوم. السؤال: ماذا سيفعلون عندما يدخلونها؟ إذا دخلتها الحركات المسلحة، والقوى الديمقراطية، والإسلاميون، والكتلة الديمقراطية، والقادمون من الخارج، وكل طرف يحمل معه حلم الوصول إلى السلطة، لكن الجميع يترك بنية الدولة كما هي، فإن المركز سيبقى مركزاً. ستتغير الوجوه. ستتغير التحالفات. وقد يتغير رئيس الوزراء. وقد يتغير مجلس السيادة. لكن: سيبقى السودان نفسه. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث. ________________________________________ بعد الحرب.. السودان أمام معركة أكبر من الحرب المعركة القادمة ليست فقط معركة السيطرة على الخرطوم. إنها معركة: من يكتب العقد السياسي الجديد؟ هل تكتبه المؤسسة العسكرية؟ هل تكتبه الأحزاب؟ هل تكتبه الحركات المسلحة؟ هل تكتبه القوى المدنية؟ هل تكتبه الأقاليم؟ أم يستطيع السودانيون، للمرة الأولى منذ الاستقلال، أن يكتبوه معاً؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لدعوة البرهان إلى الحوار. لأن الحوار الذي يبدأ من سؤال: من يحكم؟ سينتهي غالباً إلى تقاسم السلطة. أما الحوار الذي يبدأ من سؤال: كيف نحكم؟ فيمكن أن يؤسس لدولة جديدة. ________________________________________ الخلاصة: هل يستطيع البرهان الوصول إلى السلطة المطلقة؟ قد يستطيع البرهان أن يبني مركز قوة عسكرياً وسياسياً بالغ النفوذ إذا نجح في الجمع بين الانتصار العسكري، والدعم الإقليمي، وإعادة ترتيب القوى السياسية، وإدخال جزء من القوى المدنية والحركات المسلحة في ترتيبات انتقالية تحت سقف المؤسسة العسكرية. لكن الوصول إلى سلطة مطلقة مستقرة شيء آخر. فالسودان ليس مجتمعاً يمكن إخضاعه بسهولة لمركز واحد. التنوع الإقليمي، والحركات المسلحة، والمجتمع المدني، والجيش نفسه، والإسلاميون، والقوى التقليدية، والجيل الجديد من السياسيين، كلها مراكز قوة مختلفة. ولهذا قد تكون محاولة بناء سلطة مطلقة هي نفسها الطريق إلى أزمة جديدة. والأخطر أن يعاد إنتاج النظام القديم تحت أسماء جديدة: المركز يحتفظ بامتيازاته، والجيش يحتفظ بوصايته، والحركات تحصل على حصتها، والأحزاب تحصل على مقاعدها، والقادمون من الخارج يعودون إلى السلطة، بينما يظل المواطن خارج المعادلة. عندها لن يكون الحوار قد أنهى الحرب السياسية. سيكون قد أعاد توزيع غنائمها. وهنا يجب أن يكون السؤال السوداني الحقيقي: هل نحن بصدد بناء دولة جديدة بعد الحرب، أم بصدد بناء تحالف جديد لإدارة الدولة القديمة؟ هذا هو الفارق بين السلام وتسوية الحرب. وهو أيضاً الفارق بين الديمقراطية وإعادة تدوير السلطة. لأن الحوار الذي يبدأ من سؤال: من يحكم؟ سينتهي غالباً إلى تقاسم السلطة. أما الحوار الذي يبدأ من سؤال: كيف نحكم؟ فيمكن أن يؤسس لدولة جديدة هل يستطيع البرهان الوصول إلى السلطة المطلقة؟ قد يستطيع البرهان أن يبني مركز قوة عسكرياً وسياسياً بالغ النفوذ إذا نجح في الجمع بين الانتصار العسكري، والدعم الإقليمي، وإعادة ترتيب القوى السياسية، وإدخال جزء من القوى المدنية والحركات المسلحة في ترتيبات انتقالية تحت سقف المؤسسة العسكرية لكن الوصول إلى سلطة مطلقة مستقرة شيء آخر , فالسودان ليس مجتمعاً يمكن إخضاعه بسهولة لمركز واحد , التنوع الإقليمي، والحركات المسلحة، والمجتمع المدني، والجيش نفسه، والإسلاميون، والقوى التقليدية، والجيل الجديد من السياسيين، كلها مراكز قوة مختلفة ولهذا قد تكون محاولة بناء سلطة مطلقة هي نفسها الطريق إلى أزمة جديدة والأخطر أن يعاد إنتاج النظام القديم تحت أسماء جديدة- المركز يحتفظ بامتيازاته، والجيش يحتفظ بوصايته، والحركات تحصل على حصتها، والأحزاب تحصل على مقاعدها، والقادمون من الخارج يعودون إلى السلطة، بينما يظل المواطن خارج المعادلة عندها لن يكون الحوار قد أنهى الحرب السياسية , سيكون قد أعاد توزيع غنائمها. وهنا يجب أن يكون السؤال السوداني الحقيقي - هل نحن بصدد بناء دولة جديدة بعد الحرب، أم بصدد بناء تحالف جديد لإدارة الدولة القديمة؟ هذا هو الفارق بين السلام وتسوية الحرب , وهو أيضاً الفارق بين الديمقراطية وإعادة تدوير السلطة.
|
|