حين يستوطن الاستبداد الوعي يصير الصمت طاعة والخوف قانونًا كتبه محمد عبدالرحيم أبوه

حين يستوطن الاستبداد الوعي يصير الصمت طاعة والخوف قانونًا كتبه محمد عبدالرحيم أبوه


08-15-2026, 08:37 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1786822663&rn=0


Post: #1
Title: حين يستوطن الاستبداد الوعي يصير الصمت طاعة والخوف قانونًا كتبه محمد عبدالرحيم أبوه
Author: محمد عبدالرحيم أبوه
Date: 08-15-2026, 08:37 PM

08:37 PM August, 15 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





ثمة لحظة في عمر القهر لا يعود فيها الخوف عابرًا في حياة الإنسان، بل يستحيل إلى نسيج خفي يتخلل وعيه ويعيد ترتيب الأشياء في داخله، فيصبح ما كان بالأمس فادحًا مألوفًا، وما كان مستحيلًا قابلًا للتعايش، وما كان ظلمًا لا يحتمل مجرد قدر يدار بالصمت. وحين يمعن الاستبداد في إطالة عمر الخوف، فإنه لا يكتفي بإخضاع الأجساد لسطوته، بل يتسلل إلى أعمق طبقات الوعي، فيعيد رسم الحدود بين المألوف والمستنكر، والمحتمل والمستحيل، حتى يفقد القهر، من فرط تكراره ويتحول من واقعة استثنائية إلى تفصيل عابر من تفاصيل الحياة اليومية. عندها لا يعود المستبد في حاجة إلى أن يحضر في كل مكان، ولا إلى أن يمد يده في كل لحظة لخنق كلمة أو إخماد اعتراض، يكفي أن يترك وراءه خوفًا يقظًا وذاكرة مثقلة بالعقاب، ووعيًا تعلم أن يستبق بطشه بالصمت. فيراقب الإنسان عباراته قبل أن ينطق بها، ويزن خطواته قبل أن يخطوها، ويكبح اعتراضه قبل أن يولد. وهنا يبلغ الاستبداد أحد أخطر انتصاراته : حين تنتقل وظيفة السجان من الخارج إلى الدواخل، حينها يصبح الإنسان رقيبًا على نفسه، فلا تعود السلطة بحاجة إلى أن تأمر بالصمت، لأن الخوف قد تعلم أن يتكلم نيابة عنها.

ولعل أخطر ما يخلفه استبطان الاستبداد في الوعي الإنساني أنه لا يقتحم النفس دفعة واحدة، ولا يفرض سطوته عليها بالقوة وحدها، بل ينفذ إليها عبر تنازلات تبدو في بدايتها هينة لا تستحق الوقوف عندها، تبرير تجاوز باسم الضرورة، وإغماض العين عن مظلمة اتقاء لبطش العاقبة، وإيثار الصمت على الاعتراض حين تبدو كلفة الموقف أثقل من قدرة الفرد على الاحتمال. غير أن هذه التنازلات، وإن بدت متفرقة وعابرة، ما تلبث أن تتراكم في أعماق الوعي حتى تنخر الحدود التي كانت تفصل الحق عن الباطل، والكرامة عن المهانة، والحكمة عن الجبن، والتعقل عن الاستسلام. وعندها لا يعود الاستبداد محتاجًا إلى كثرة السجون ولا إلى صليل القيود، إذ يكون قد بلغ غايته الأبعد حين يتولى إعادة صياغة المعاني نفسها، فيصور التحرر شكلًا من الفوضى، والمطالبة بالحق فتنة تهدد الاستقرار، ويعطي الصمت "حكمة"، وعلى الخضوع اسم" الواقعية". وهكذا قد يتحول المقهور، من حيث لا يدري، إلى لبنة في الجدار الذي يحجب عنه حريته، وإلى شريك صامت في إعادة إنتاج منظومة تنال من إنسانيته بقدر ما تنجح في إقناعه بأن النجاة لا تكون إلا بالتنازل عنها.

وعندما يترسخ هذا التحول في الوعي الجمعي، يبلغ الاستبداد مرحلة أكثر خطورة، إذ يغدو في غنى عن إشهار سطوته في كل حين، بعدما يكون قد أودع جزءًا من سلطانه في أعماق النفوس، وعلم الإنسان أن يمارس على ذاته ما كان يمارس عليه قسرًا. وما يبدأ تنازلًا فرديًا قد يتحول، مع تكراره، إلى سلوك اجتماعي، ثم إلى معيار ضمني يحكم الجماعة. عندئذ تنقلب الموازين الأخلاقية تحت وطأة الاعتياد. فما كان بالأمس فاجعة تستنفر الضمائر ويستحق عليها الغضب، يغدو اليوم خبرًا عابرًا يمر على الأسماع دون أن يوقظ احتجاجًا، وما كان انتهاكًا صارخًا للكرامة يستدعي الرفض، يتحول إلى مشهد مألوف تتواطأ معه العيون بالصمت، وما كان يفتح أبواب السؤال والمساءلة يوارى بالتبرير ويدفن تحت ركام التذرع بالضرورة والخوف. وهنا لا يعود الخوف مجرد أداة في يد السلطة، بل يستحيل بنية مستبطنة تسكن السلوك وتعيد تشكيل حدوده، كما لا يبقى الصمت ملاذًا عابرًا من بطش محتمل، وإنما يصير ثقافة راسخة وعادة تتناقلها الأجيال دون أن تتساءل عن اللحظة التي استوطنت فيها أرواحها. ولعل أفدح ما يبلغه الاستبداد ليس أن يخاف الناس الظلم، بل أن يألفوه إلى الحد الذي يفقدون معه القدرة على رؤيته ظلمًا، وأن يطول مقام القهر في وجدانهم حتى تخفت في أعماقهم تلك الفطرة الأولى التي تقول هذا لا ينبغي أن يكون .

ولهذا، فإن مقاومة الاستبداد لا تبدأ يوم تتهاوى أركانه السياسية أو تتشقق جدرانه الظاهرة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، في الموضع الأعمق الذي يعجز القمع عن بلوغه بسهولة في وعي يأبى أن يستأنس بالقهر، وفي ضمير عصي على أن يمنح الظلم بفعل التقادم، حصانة المألوف وشرعية الاعتياد. فحين يحتفظ الإنسان بقدرته الأخلاقية على تسمية الأشياء بأسمائها، فيرى القهر قهرًا، والمهانة مهانة، وامتهان الحق امتهانًا، فإنه يصون في أعماقه النواة الأولى للحرية، لأن الحرية لا تنتزع من الخارج قبل أن تصان في الداخل. أما حين تنطفئ دهشة الروح أمام الظلم، ويذوي الاستنكار، ويصبح القهر جزءًا عابرًا من مألوف المشهد، لا يستوقف العين ولا يستفز الضمير ولا يستدعي سؤالًا أو غضبًا أو رفضًا، فهناك يبلغ الاستبداد غايته الأشد فتكًا، إذ لا يعود محتاجًا إلى أن يخيف الناس بقدر ما يكفيه أن يعلمهم ألفة الخوف، ولا يكتفي بأن ينتزع حريتهم بسطوة القوة، بل يعيد تشكيل وعيهم حتى يصبح افتقاد الحرية أمرًا عاديًا، واستردادها ترفًا مؤجلًا، ومقاومتها فعلًا يبدو لهم أبعد من قدرتهم. لذلك تبدأ مقاومة القهر من اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يعتاد ما لا ينبغي أن يكون، وأن يسمي الظلم بغير اسمه، وأن يسمح للخوف بأن يتحول من شعور عابر إلى قانون يسكن داخله.