إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة ( الجزء التاسع ) كتبه مها الهادي طبيق

إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة ( الجزء التاسع ) كتبه مها الهادي طبيق


08-15-2026, 01:49 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1786798140&rn=0


Post: #1
Title: إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة ( الجزء التاسع ) كتبه مها الهادي طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 08-15-2026, 01:49 PM

01:49 PM August, 15 2026

سودانيز اون لاين
مها الهادي طبيق-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر






الاقتصاد السياسي للحرب: من يربح من استمرار الدولة الضعيفة؟ لا تُفهم الحروب الحديثة من خلال السياسة والسلاح فقط، فخلف كل صراع طويل توجد شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية التي قد تجعل استمرار الحرب أكثر فائدة لبعض الفاعلين من توقفها.

وفي السودان، لا يمكن تحليل مسار الحرب أو مستقبل السلام دون فهم العلاقة بين السلطة والثروة والموارد. فالدولة الضعيفة لا تعني فقط ضعف المؤسسات السياسية، بل تعني أيضًا وجود اقتصاد خارج إطار الدولة، تتعدد فيه مراكز السيطرة على الموارد، وتصبح فيه القوة العسكرية وسيلة للوصول إلى الثروة، بدل أن تكون الدولة هي الإطار المنظم للنشاط الاقتصادي.

منذ عقود، عانى السودان من اختلالات اقتصادية عميقة. فقد ظلت قطاعات واسعة من الاقتصاد مرتبطة بالموارد الطبيعية، بينما لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء اقتصاد إنتاجي متنوع يخلق فرصًا للمواطنين ويقلل من اعتماد البلاد على الموارد الريعية.

ومع ضعف المؤسسات، ظهرت شبكات اقتصادية موازية مرتبطة بالنفوذ السياسي والعسكري. فأصبح امتلاك القوة في بعض الحالات طريقًا للوصول إلى الموارد، وأصبح التحكم في مناطق الإنتاج أو طرق التجارة أو الحدود جزءًا من معادلة الصراع السياسي.

الذهب، على سبيل المثال، لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى عنصر مؤثر في السياسة والأمن. كما أن الموقع الجغرافي للسودان، وامتلاكه موارد زراعية ومعدنية ومنافذ بحرية، جعله ساحة تنافس داخلي وإقليمي. وعندما تغيب الدولة القادرة على إدارة هذه الموارد بشفافية، تتحول الثروة من فرصة للتنمية إلى عامل من عوامل النزاع.

لكن اختزال الحرب في العامل الاقتصادي وحده سيكون قراءة ناقصة. فالحروب لا تنشأ بسبب الموارد فقط، بل بسبب تداخل عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، مثل أزمة الحكم، وضعف المؤسسات، والتهميش، وفشل إدارة التنوع. الاقتصاد يوفر الوقود، لكنه لا يخلق الأزمة وحده. إن أحد أهم تحديات "حكومة التأسيس" سيكون إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد.
فالدولة المدنية لا يمكن أن تستقر بينما توجد مؤسسات أو جماعات تملك موارد اقتصادية مستقلة عن الموازنة العامة، أو تدير قطاعات استراتيجية خارج الرقابة الوطنية.

إصلاح الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب لا يعني فقط جذب الاستثمارات أو إعادة الإعمار، بل يبدأ بإعادة بناء الثقة في الدولة. وهذا يتطلب: - إخضاع الموارد الطبيعية لولاية الدولة والقانون. - الشفافية في إدارة عائدات الذهب والمعادن والزراعة. - مكافحة الاقتصاد الموازي والتهريب. - بناء مؤسسات مالية مستقلة. - توجيه الموارد نحو التنمية والخدمات العامة.

كما أن العدالة الاقتصادية ستكون جزءًا أساسيًا من العدالة الانتقالية. فالمناطق التي تحملت عبء الحروب لعقود لا تحتاج فقط إلى الاعتراف بمعاناتها، بل تحتاج إلى سياسات تنموية تعالج جذور الفقر والإقصاء.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو إعادة إنتاج نفس الاقتصاد الذي ساهم في صناعة الأزمة؛ أي اقتصاد تتحول فيه السلطة إلى طريق للثروة، وتتحول الثروة إلى وسيلة لشراء النفوذ والقوة. فالدولة التي يريد السودانيون تأسيسها تحتاج إلى تغيير المعادلة: من اقتصاد يخدم مراكز القوة إلى اقتصاد يخدم المجتمع. ومن موارد تُستخدم لتمويل الصراع إلى موارد تُستخدم لبناء المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل.

إن السلام الحقيقي لا يتحقق فقط عندما تتوقف البنادق، بل عندما تتغير المصالح التي جعلت الحرب ممكنة ومربحة لبعض الأطراف. ولهذا فإن معركة بناء الدولة المدنية ستكون أيضًا معركة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة. فالدولة القوية ليست التي تملك الموارد فقط، بل التي تملك القدرة على إدارتها بعدالة، وتحويلها من مصدر للصراع إلى أساس للتنمية والاستقرار.

مها الهادي طبيق
15 اغسطس 2026