سوف نتعافى عندما نتكلم قراءة في مقال الأستاذ زكريا علي عبدالرسول من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة

سوف نتعافى عندما نتكلم قراءة في مقال الأستاذ زكريا علي عبدالرسول من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة


08-14-2026, 12:55 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1786708533&rn=0


Post: #1
Title: سوف نتعافى عندما نتكلم قراءة في مقال الأستاذ زكريا علي عبدالرسول من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 08-14-2026, 12:55 PM

12:55 PM August, 14 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



سوف نتعافى عندما نتكلم
قراءة في مقال الأستاذ زكريا علي عبدالرسول من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة
منهجية: استكمال لا مصادمة

د. على عبدالله الخليفة طه

مدخل

يطرح الأستاذ زكريا علي عبدالرسول في مقاله «سوف نتعافى… عندما نتعلم كيف نحكي» فرضية تستحق التوقف الجاد: أن التعافي المجتمعي لا يبدأ بصمت السلاح، وإنما بالقدرة على مواجهة الذاكرة والكلام الصادق عنها. وهي فرضية تلتقي في جوهرها مع الأساس الفلسفي الذي يقوم عليه ميثاق النجاة وبناء الدولة، وتفتح في الوقت نفسه مساحة استكمال حقيقية حين تُترجَم الدعوة الأخلاقية إلى آلية مؤسسية قابلة للتطبيق. هذا الرد يسير على المنهجية ذاتها التي اعتمدها الميثاق في سلسلته النقدية: لا مجادلة الكاتب فيما أصاب فيه، وإنما البناء على رؤيته وإكمال ما تركه مفتوحاً.

أولاً: مواضع الالتقاء

١. من «من المذنب؟» إلى «كيف وصلنا إلى هنا؟»
يدعو الكاتب إلى الانتقال من منطق توزيع الاتهامات إلى منطق فهم الجذور، وهذه بالضبط هي الحركة المنهجية التي تقوم عليها الشرعية الوظيفية الصاعدة في الميثاق: تفكيك الانقسام إلى وظائف ومصالح تفسّر كيف تشكّل، لا إلى قوائم إدانة تُغلق باب الفهم قبل أن يبدأ.
٢. المساحة الآمنة للحكي
يتحدث الكاتب عن الحاجة إلى «مساحة نستطيع فيها أن نقول ما حدث لنا من دون خوف». هذه الدعوة ليست معلّقة في الهواء من منظور الميثاق، بل هي وصف دقيق لوظيفة الطبقة الأولى من هيكل العدالة الانتقالية الثلاثي: مجالس المصالحة المحلية، التي صُممت لتكون بالضبط هذا الفضاء الآمن الذي يطلبه المقال، لكنها تمنحه جسداً مؤسسياً بدل أن تتركه أملاً أخلاقياً.
٣. تعدد الروايات وتوزّع الألم
قوله إن الألم «يمكن أن يكون موزعاً بين أطراف مختلفة»، وأن الإنسان «قد يكون ضحية في موقف ومخطئاً في موقف آخر»، صدى مباشر لمفهوم الافتقار الذي يشكّل الأساس الفلسفي للميثاق: لا طرف مكتفٍ بذاته أو بروايته وحدها، والحاجة المتبادلة إلى فهم رواية الآخر — حتى حين تتعارض مع روايتنا — شرط لازم للفهم، لا تهديد له.

ثانياً: مواضع الاستكمال

١. من الدعوة الأخلاقية إلى الآلية المحمية
يبقى المقال، وهذا طبيعي في جنسه الأدبي، عند حدود التشخيص والدعوة الأخلاقية دون أن يجيب عن سؤال جوهري: من يضمن أن «المساحة الآمنة» ستُتاح فعلاً؟ ومن يحمي من يتكلم من الانتقام بعد أن يتكلم؟ هنا يقدّم الميثاق ما يستكمل الفكرة: هيكل عدالة انتقالية ثلاثي متدرج ، مجالس مصالحة محلية، فلجنة حقيقة وتعويض، فغرفة جرائم كبرى بلا عفو ، يترجم «الحكي» من فعل فردي شجاع إلى مسار مؤسسي محمي بالقانون والإجراء، لا متروك لحسن نية الأطراف.
٢. الفصل بين تعدد الروايات وعدم الإفلات من العقاب
يرى الكاتب أن المطلوب ليس رواية واحدة للماضي، بل «القدرة على التعايش مع تعدد الروايات». وهذا صحيح تماماً على مستوى الذاكرة الجمعية وفهم السياق التاريخي. غير أن هذا المبدأ قد يُساء فهمه لو تُرك دون تحديد حدوده، إذ يمكن أن يُستدعى لتبرير الإفلات من المساءلة القانونية بحجة أن «لكل طرف روايته». الميثاق يفصل بوعي بين المستويين: حرية الرواية في فضاء الذاكرة الجمعية شيء، والمساءلة عن جرائم محددة أمام غرفة الجرائم الكبرى شيء آخر لا تبتلعه التعددية السردية ولا يخضع للتفاوض. هذا التمييز يحمي دعوة الكاتب من أن تُستثمر على غير قصد منه في خطاب الإفلات من العقاب.
٣. من يُبقي ملفات الصمت مغلقة؟
لا يتطرق المقال إلى سؤال بنيوي: لماذا يستمر الصمت أصلاً؟ من له مصلحة في إبقاء «الملفات المغلقة» مغلقة؟ هنا يضيف الميثاق بُعداً تفسيرياً غائباً عن القراءة النفسية-الثقافية للصمت: مفهوم اقتصاد البوابات، الذي يرصد كيف تتحول شبكات المصالح المرتبطة بالحرب واقتصاد الظل إلى قوى فاعلة تستفيد من استمرار الصمت وتُعيق أي مسار حقيقي للمكاشفة، وكيف تعمل الركيزة الرابعة على إعادة توزيع التمثيل بما يفكك احتكار هذه الشبكات للمجال العام الذي يُفترض أن يتسع فيه الحكي الذي يدعو إليه الكاتب.

خاتمة

مقال الأستاذ زكريا يمنح المشروع الوطني السوداني لغة إنسانية دافئة لا غنى عنها: أن نتذكر دون أن نكره، وأن نعترف دون أن ننتقم، وأن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء. وميثاق النجاة لا يقدّم بديلاً عن هذه اللغة، بل يسعى إلى أن يمنحها الأدوات التي تحوّلها من أمل مشروع إلى مسار قابل للتنفيذ: من يتكلم؟ في أي فضاء؟ بأي حماية؟ وكيف يُفرَّق بين حرية الرواية والإفلات من الحساب؟ الكلام الصادق الذي يدعو إليه الكاتب هو الشرط الأول للتعافي، والمؤسسات التي يقترحها الميثاق هي الضمانة التي تجعل هذا الكلام ممكناً ومستداماً لا معرّضاً للانطفاء عند أول مواجهة مع من يستفيد من بقاء الصمت.