Post: #1
Title: من نقد رأسمالية النسور إلى بناء اقتصاد ما بعد الحرب قراءة استكمالية في مقال د. صلاح أحمد الحبو حول
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 08-14-2026, 12:54 PM
12:54 PM August, 14 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
من نقد رأسمالية النسور إلى بناء اقتصاد ما بعد الحرب قراءة استكمالية في مقال د. صلاح أحمد الحبو حول التراكم الطفيلي الحربي في السودان ضمن سلسلة «استكمالاً لا مصادمةً» أغسطس 2026
د. على عبدالله الخليفة طه
يقدّم د. صلاح أحمد الحبو، في قراءته السودانية لكتاب Grace Blakeley «رأسمالية النسور» (Vulture Capitalism, Bloomsbury, 2024)، واحداً من أكثر التشخيصات دقةً لبنية الاقتصاد السياسي السوداني في زمن الحرب. فهو لا يكتفي باستعارة الإطار الغربي، بل يعيد صياغته في مفهوم أدق: «التراكم الطفيلي الحربي» ، نمط تتشكّل فيه الثروة من السيطرة على الندرة ومسارات التجارة والامتيازات، لا من توسيع القدرة الإنتاجية. هذه القراءة تسير على منهجية السلسلة: الإقرار بمواطن القوة التشخيصية أولاً، ثم تحديد الفجوات البنيوية بوصفها أسئلة معلّقة لا اعتراضات، ثم ربط كل فجوة بالآلية المقابلة لها في ميثاق النجاة وبناء الدولة.
أولاً: مواطن القوة التشخيصية
يصيب المقال في ثلاث نقاط جوهرية تستحق الإشادة قبل أي نقاش لاحق. الأولى، أن الحبو ينقل النقاش من وصف مظاهر اقتصاد الحرب ، التهريب، السوق الموازية، الفساد الإداري ، إلى تشخيص بنيوي لحوافز رأس المال ذاته: حين يكون العائد من الريع والوساطة والسيطرة على الموارد أسرع من العائد الناتج عن الاستثمار والإنتاج، يتحوّل رأس المال من أداة لتوسيع الاقتصاد إلى أداة لاستخراج القيمة منه. هذا تمييز تحليلي دقيق، لا أخلاقي فحسب. الثانية، أن المقال يميّز بوضوح بين التراكم المنتج الذي يحتاج إلى استقرار واستثمار طويل الأجل، والتراكم الطفيلي الحربي الذي يجد في استمرار الاضطراب حماية لمصادر ربحه. هذا التمييز يفسّر لماذا قد تقاوم بعض الفواعل الاقتصادية ، لا العسكرية فقط ، أي تسوية سياسية تُنهي الحرب فعلياً. الثالثة، وهي الأهم منهجياً، أن الحبو نفسه يعترف بحدود الإطار الذي يستعيره: فكتاب Blakeley مبني على رأسمالية غربية متقدمة تفترض دولة حديثة وأسواقاً مالية راسخة، بينما يجمع الاقتصاد السوداني بين الريع، والتصنيع المحدود، والقطاع غير الرسمي الواسع، ومؤسسات ضعيفة، وتداخلاً تاريخياً بين الاقتصاد والسلاح. هذا الإقرار هو الذي يفتح الباب مباشرة أمام السؤال البنائي: أي إطار مؤسسي قادر على استيعاب هذا التشخيص وتحويله إلى سياسة؟
ثانياً: الفجوات البنيوية كأسئلة معلّقة
التشخيص، مهما بلغت دقته، يتوقف عند حدود وصف كيف تُستخرج القيمة، دون أن يجيب عن ثلاثة أسئلة بنائية لا اقتصادية بحتة: 1. سؤال الشرعية في إعادة توزيع السيطرة المقال يشخّص من يسيطر على مسار القيمة اليوم، لكنه لا يحدد الجهة المخوّلة سياسياً بإعادة تصميم هذا المسار. فانتزاع السيطرة من شبكات الريع القائمة، دون مرجعية شرعية متفق عليها، يخاطر بأن يعيد إنتاج التراكم الطفيلي نفسه بيد فاعل جديد بدلاً من تفكيكه. 2. سؤال التسلسل بين السياسي والاقتصادي المقال يدعو إلى «تفكيك البنية الاقتصادية» التي تكافئ الاضطراب، لكنه لا يحدد متى يبدأ هذا التفكيك: هل قبل حسم السلطة السياسية، أم بعده، أم بالتوازي معه؟ هذا فراغ في التسلسل، لا في التحليل الاقتصادي نفسه، وإغفاله يترك الإصلاح عرضة لأن يُختطف من الطرف الأقوى ميدانياً قبل أن يترسّخ. 3. سؤال المحاسبة على التراكم الحربي بوصفه جريمة المقال يعالج التراكم الطفيلي الحربي كخلل في السياسات الاقتصادية، لكنه لا يطرح مساءلته كفئة من فئات جرائم الحرب المرتبطة بنهب الموارد العامة. من دون هذا الربط، يبقى الإصلاح إدارياً بحتاً، بينما يستمر إفلات المستفيدين من الاضطراب من أي مساءلة جنائية أو مدنية.
ثالثاً: الربط بآليات ميثاق النجاة وبناء الدولة
هذه الفجوات الثلاث ليست عيوباً في المقال بقدر ما هي نقاط الالتقاء الطبيعية بينه وبين الإطار المؤسسي الذي يطرحه ميثاق النجاة، وتحديداً في ثلاث آليات مترابطة: الفجوة الأولى : اقتصاد البوابات (الفجوة السادسة) يعالج هذه الآلية مباشرة سؤال الشرعية في إعادة توزيع السيطرة. فالتشخيص الذي يقدّمه الحبو ، أن القيمة تُستخرج عند نقاط محددة: المنجم، المعبر، الميناء، قناة التصدير ، هو بالضبط ما صُمم اقتصاد البوابات لمعالجته: ليس بمحاربة التهريب كسلوك فردي، بل بإعادة هندسة من يملك حق الترخيص والوصول إلى هذه البوابات عبر مؤسسة انتقالية ذات شرعية وظيفية صاعدة (الشرعية الوظيفية الصاعدة)، لا عبر تسليم السيطرة لفاعل مسلح جديد. الفجوة الثانية : مبادرة الجسر الانتقالي ومنطق التسلسل تحسم هذه المبادرة سؤال التسلسل بوضوح: تقديم الشرعية السياسية على إعادة الهيكلة العسكرية والاقتصادية معاً. فأي إصلاح لمسار القيمة ، بما فيه اقتصاد البوابات نفسه، يُختطف فوراً إذا سبق استقرار سلطة تفاوضية شرعية يكون الطرف العسكري فيها شريكاً موقّعاً لا وصياً عليها. هذا ما يفسر لماذا يضع الميثاق العسكري كطرف موقّع مشارك، لا كجهة تُصلح الاقتصاد بمعزل عن العملية السياسية. الفجوة الثالثة: العدالة الانتقالية الثلاثية الطبقات توفر هذه الآلية، وتحديداً غرفة الجرائم الكبرى بلا عفو، الإطار القانوني الذي يمكن أن يستوعب «جرائم التراكم الحربي» كفئة محاسبة مستقلة، لا كفساد إداري يُعالج لاحقاً. أما مجالس المصالحة المحلية ولجنة الحقيقة والتعويضات فتستوعبان الأثر المجتمعي لهذا التراكم ، الأسر التي تحمّلت كلفة التضخم والانهيار بينما تركّزت الثروة في يد قلة، وفق وصف الحبو نفسه.
خلاصة
يصل الحبو إلى خلاصة بالغة الدقة: أن التحدي السوداني الأخطر ليس أن تنتج الحرب اقتصاداً مشوهاً، بل أن يتحوّل الاقتصاد نفسه إلى آلية لإعادة إنتاج الحرب. هذه الخلاصة هي بعينها المبرر البنائي لوضع الجدار المؤسسي واقتصاد البوابات كخطي دفاع أساسيين في الميثاق، لا كإصلاحات تقنية لاحقة تُطرح بعد انتهاء القتال. فحين تكون بنية الحوافز نفسها هي الوقود، لا يكفي أن تُدار الموارد بكفاءة أكبر؛ يجب أن تُعاد هندسة من يملك حق تحديد مسار القيمة أصلاً، وهذا سؤال شرعية سياسية قبل أن يكون سؤال سياسات اقتصادية. بهذا المعنى، فإن مقال الحبو لا يطرح نقداً خارجياً على مشروع الميثاق، بل يقدّم ، من موقع مستقل تماماً ، البرهان الاقتصادي على ضرورة المنطق التسلسلي الذي يتبناه: لا إصلاح اقتصادي مستدام دون شرعية سياسية سابقة عليه، ولا شرعية سياسية راسخة دون آلية تمنع تحويل السيطرة الاقتصادية إلى أداة لتقويضها من جديد. إعداد: فريق مبادرة الجسر الانتقالي — ضمن سلسلة استكمالاً لا مصادمةً
|
|