Post: #1
Title: صرخات الضمير الثوري: في رفض التسويات الفوقية وشرف البدايات.. وخلود الموقف كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 08-11-2026, 08:49 PM
08:49 PM August, 11 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
تتناهى إلى الأسماع في هذه المنعطفات الحرجة أصواتُ ريحٍ صفراء تحمل في طياتها مساعي حثيثة وتدابير ملتوية، تبتغي إيجاد مخرجٍ آمن وعفوٍ مُغدقٍ على من أثقلوا كاهل الوطن بالأوزار، تحت ستائر براقة تُدعى مجازاً "حواراً سودانياً سودانياً". وحين ترتفع هذه النبرات المشبوهة، نقف نحن –ومعنا كل حرٍ أوجعه نزيف هذا البلد الأبي– لنعلنها بلسانٍ لا يرتجف وموقفٍ لا يلين: إننا فلسنا ضد السلام، ولا دعاة حربٍ أو خَراب، بل نحن أولُ من يبحث عن السلام ويصبو إليه؛ بيد أنه السلامُ العادل المتوج بالقسط، لا سلامُ الإفلات من العقاب والتسويات المريضة. سلامٌ يُبنى على صرحٍ متين من العدالة الناجزة، والمحاكمة المنصفة لكل من تجرأ وأجرم في حق الشعب والوطن، وليس صلحاً زائفاً يطمس المعالم ويهدر الدماء. إن معركتنا الوجودية ضد الاستبداد لم تبتدئ في الثامن عشر من ديسمبر، بل إن جذورها الممتدة في عمق الألم قد أُرسيت منذ التاسع عشر من يونيو عام 1989. فهل يعلم البرهان ومن معه كم من الأرواح أُزهقت، وكم من القامات أُطفئت في غيابات المنافي ووحشة الشتات؟ هل تناهى إلى مسامعه كم ماتوا في زنازين السجون المظلمة، وتحت سياط التعذيب في بيوت الأشباح ومخيمات القمع والمعتقلات؟ هل يدرك حجم الفجيعة في أرواح أولئك الشباب الأبطال، في لجان المقاومة والشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب الوطن، فمات منهم من مات تحت وطأة عجلات الدبابات، وتحت أقدام وبطش رجال الأمن، وبنيران الدعم السريع وكتائب الظل الإرهابية طوال عقود القهر والظلم والحروب العبثية؟ لقد ظللنا على العهد وثيقي العروة؛ لم تتبدل لنا بوصلة، ولم تتزعزع لنا قناعة. بوصلتنا الثابتة كرسوخ الجبال تتلخص في حتمية إبعاد الإسلاميين تماماً عن سدة الحكم وعن مؤسسات الدولة التي أُثخنت بالنهب والخراب، والقصاص العادل الكامل لكل من تجنى وأجرم في حق الوطن والشعب طوال تلك العقود الحالكة. أما مقولة "عفا الله عمّا سلف"، فتلك أسطوانة مشروخة رَفَضناها بالأمس ونرفضها اليوم؛ فأيُّ منطقٍ سقيم هذا الذي يمنح صكوك الغفران للجلادين على حساب دماء الشهداء ودموع الثكالى؟ إن العدالة الحقة توجب محاكمة كل آثم وكل مجرم اقترف جرماً بحق الدولة وأبنائها، فالصفح لا يُوهب إلا لمن تاب واستحق، لا لمن عاث في الأرض فساداً وبغياً. إن الأنباء المتواترة عن هذه الترتيبات لا تحمل في أحشائها أدنى بشارة خير، بل تُنذر بخطرٍ داهم وشرٍ مستطير. وإننا لنهيب بقادة القوى السياسية أن ينأوا بأنفسهم عن التمرغ في مستنقع هذه الفكرة العوجاء، وأن يرفضوا صراحةً كل محاولات التسوية خلف الكواليس. ونطالب بمحاكمات علنية وشفافة تكشف خبايا الأمور على رؤوس الأشهاد، ليعلم القاصي والداني كيف كانت تُدار الأجهزة العدلية في بلادنا، وكيف انتهكت حرمات الوطن ومقدراته. إن انخراط أيٍّ من القوى السياسية في هكذا مسرحية هزلية لن يضعهم إلا في ذات الصف التاريخي مع تجار الحروب والقتلة والمجرمين؛ وهو سقوط أخلاقي مدوٍّ لا مفر منه لمن يقبل بأن يكون جزءاً من هذا العبث. وإن الفاصل بيننا وبين الانكسار هو رفض هذه المهزلة جملةً وتفصيلا، بلا هوادة ولا مواربة. خريف السلطة وبحثها اليائس عن الـ"كمبارس" إن ما يقوم به الفريق البرهان اليوم ليس سوى ركضٍ محموم للنجاة من الورطة العميقة التي أقحم فيها البلاد والعباد. وإن أي دعوة لحوار تُصاغ بتخطيط من ذات المنظومة لا تختلف في جوهرها عن فصول الخديعة السابقة: بدءاً بسحب الحراسات من لجنة إزالة التمكين، مروراً بدعم اعتصام القصر المشؤوم، وصولاً إلى الانقلاب الغاشم وإشعال هذه الحرب الضروس التي أتت على الأخضر واليابس. فهل ترتضي القوى الثورية الحية أن تكون مجرد "مُحلل" أو ديكور لتجميل هذا الفجور السياسي؟ وهل يجرؤ عاقل على الاعتقاد بأن غاية البرهان ومن معه هي إرساء دعائم تحول ديمقراطي حقيقي؟ كلا والله.. إن ما يُحاك خلف الكواليس ليس سوى مسعى بائس لزيادة عدد "الكمبارس" في لعبة قذرة تشبه كل تجارب الخداع السابقة مع ذات السلطة؛ تلك السلطة التي لن تغفر لها الذاكرة الوطنية جرائمها، ولن تخدع الشعوبَ ألاعيبُ واجهاتها، وفي مقدمتها المؤتمر الوطني وواجهاته التي سقطت سقوطاً أبدياً.
|
|