Post: #1
Title: العجين والمحبة والجدار: حين يحتاج الفينيق إلى جهاز عصبي قراءة في مقال «ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!» لل
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 08-11-2026, 12:30 PM
12:30 PM August, 11 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
العجين والمحبة والجدار: حين يحتاج الفينيق إلى جهاز عصبي قراءة في مقال «ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!» للجميل الفاضل، على ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة
د. على عبدالله الخليفة طه
يكتب الجميل الفاضل في «ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!» نصًّا لا يشبه أدبيات التحليل السياسي المعتادة عن السودان؛ فهو لا يبدأ من الدولة لينزل إلى المجتمع، بل يبدأ من التكية والمسيد والمائدة ليصعد منها نحو سؤال البعث. وهذا بالضبط ما يمنح النص قوته: أنه يمسك بما تُخطئه المشاريع المؤسسية غالبًا ، أن الشرعية لا تُصنع في القمة، بل تُستمد من القاع الذي ظل حيًّا حين ظننا أن كل شيء قد مات. وقراءة هذا النص في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة لا تعني قياسه إلى الميثاق أو الحكم عليه بمعاييره؛ فهذا نص من طبيعة أخرى، شعرية-روحية، بينما الميثاق أداة مؤسسية-سياسية. لكن بين الاثنين قرابة حقيقية تستحق أن تُستكمل لا أن تُصادَم: فما يصفه الجميل الفاضل بلغة القلب، يحاول الميثاق أن يترجمه إلى آلية لا تخون ما وُصف.
١. موضع القوة: الأدنى كمصدر للشرعية
الجملة المحورية في النص، «كُنِ الأدنى تكنِ الأعلى فينا» ، ليست زخرفًا صوفيًّا، بل تشخيص سياسي دقيق وإن جاء بلغة العرفان. فالفينيق، كما يصفه الكاتب، «لا يحلّق في هيئة حكومة جديدة، ولا دستور جديد، ولا اتفاق جديد»؛ إنه يحلّق حين يستعيد قلبه. وهذا يوازي بدقة لافتة ما يسميه الميثاق الشرعية الوظيفية الصاعدة: أن الشرعية تُبنى من الأطراف إلى المركز، لا العكس، وأن أي هيكل سياسي يُفرض من فوق دون جذر في «الأدنى»، في التكية، في المائدة، في الجوار، سيبقى خريطة بلا روح، بتعبير النص نفسه. بهذا المعنى، فإن النص لا ينفي الحاجة إلى بناء مؤسسي، بل ينفي إمكانية أن يكون البناء المؤسسي بديلًا عن استعادة هذا القرب الإنساني الأول. وهذا بالضبط الشرط الذي يحاول الميثاق أن يحققه حين يجعل الركيزة الرابعة، التمثيل الإقليمي الموزون بمؤشري السكان والتهميش التاريخي ، أداة لضمان ألا يظل «الأدنى» مجرد استعارة أخلاقية، بل حصة فعلية في القرار.
٢. موضع الفجوة: من يحمي التكية حين تصبح موردًا؟
غير أن النص يصف التكايا والموائد كأنها ستنجو بفطرتها من الحرب، وأن «الحرب، وهي تحاول تفكيك السودان، كشفت عن عظمه الأول». وهذا صحيح في جزء منه، لكنه يتجاوز سؤالًا أخطر: أن الحرب السودانية الأخيرة لم تكتفِ بمحاولة تفكيك التكية، بل حاولت في مواضع كثيرة ابتلاعها ، تحويل الكرم إلى شبكة تجنيد، والمائدة إلى أداة ولاء مسلح، والإغاثة الأهلية نفسها إلى ساحة نفوذ متصارع عليها. هذا ما يسميه الميثاق الفجوة السادسة: اقتصاد البوابات، حيث يتحول الاقتصاد الموازي ، بما فيه صور الكرم والإطعام الأهلي حين تُصادَر ، إلى فاعل ذاتي الاستدامة يقاوم أي بعث حقيقي. من هنا فإن «شبكة الحياة» التي يتحدث عنها النص بحاجة إلى ما يحميها لا فقط إلى ما يمجّدها. وهذا ما يوفره الجدار المؤسسي: الفصل بين طبقة الحركة السياسية وطبقة العمل المدني-التنفيذي، بحيث لا تتحول التكية أو غرفة الاستجابة الطارئة إلى ذراع لحزب أو فصيل، بل تبقى وفية لمنطقها الأول: بابًا أوسع من الخصام.
٣. من الأمنية إلى الآلية: الذاكرة والنسيان
من أجمل ثنائيات النص: «أن نتذكر المائدة وننسى الثأر، أن نتذكر القيم وننسى الغنائم». لكن هذه الثنائية، إن تُركت أمنية أخلاقية بلا آلية، تنكسر أمام أول مطالبة بالعدالة من ضحية لم تُنصف. فمن يقرر ما يُتذكَّر وما يُنسى؟ ومن يضمن ألا يتحول «النسيان» إلى عفو مجاني لمن حرّض؟ هذا هو بالضبط موضع العدالة الانتقالية الثلاثية في الميثاق: مجالس الصلح المحلية هي الترجمة المؤسسية الحرفية لـ«تذكر الشيخ الذي أطعم» ، إذ تُدار المصالحة من ذات المكان الذي وصفه النص، من التكية والمسيد، لا من فوق. ثم تأتي لجنة الحقيقة والجبر لتحفظ الذاكرة من أن تنقلب انتقامًا، بتوثيقها لا بطمسها. وأخيرًا غرفة الجرائم الكبرى بلا عفو، لتكون الضمانة بأن «تذكر القيم ونسيان الغنائم» لن يعني إفلات من حرّض بلا حساب. بهذا الترتيب الثلاثي فقط يمكن للنسيان أن يكون شفاءً لا تواطؤًا.
٤. النفير: حين يصبح العجين جهازًا لا فعلًا عفويًّا
يصف النص العجين بأنه «خبز وماء ودواء ومدرسة وفرص عمل» ، وهو بذلك يتجاوز الرمز الديني إلى وصف شبه مؤسسي للخدمة الأساسية، وإن لم يسمِّه كذلك. وهنا يلتقي النص مع ما يسميه الميثاق النفير الوطني الكبير: الآلية التي تأخذ منطق التكية من فعل تلقائي محلي إلى قدرة مدنية-تنفيذية منظمة على مستوى الدولة، دون أن تفقد روحها الأولى ودون أن يبتلعها الجدار المؤسسي في طبقة سياسية. فالنفير هو، إذا صح التعبير، الجهاز العصبي الذي يحمل نبض «العجين والمحبة» من القرية إلى مستوى الدولة، دون أن يحوّله شعارًا فارغًا في الطريق.
خاتمة: القلب والجهاز
لا يحتاج نص الجميل الفاضل إلى تصحيح؛ فهو يصف بدقة شعرية نادرة ما يجب أن يُبعث. لكن بين وصف القلب وبين ضمان ألا يُستَغل هذا القلب من جديد، بالحرب، أو بالنسيان القسري، أو باقتصاد الظل ، مسافة تحتاج إلى آلية. والميثاق، في نهاية الأمر، لا يطمح إلى أن يكون بديلًا عن هذا القلب، بل جهازًا عصبيًّا لا يخونه: يحمل الشرعية من الأدنى، ويحمي المائدة من أن تُصادَر، ويحوّل الذاكرة إلى عدالة لا انتقام، ويجعل من العجين نفيرًا يبلغ كل بيت لا وليمة عابرة. «لن تُبصرَنا بمأقٍ غيرِ مآقينا» — وربما كانت الآلية أيضًا لا تُستعار، بل تُستنبت من نفس التربة التي نبتت منها التكية.
|
|