Post: #1
Title: لماذا انسحبت مصر من التحالف* ؟ كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 08-11-2026, 05:05 AM
05:05 AM August, 11 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
*لماذا انسحبت مصر من التحالف* ؟
اثار غياب مصر عن التوقيع النهائي للتحالف السعودي التركي الباكستاني، رغم مشاركتها في الاجتماعات التمهيدية، موجة واسعة من التساؤلات حول دوافع هذا القرار في لحظة اقليمية شديدة الحساسية. فالقاهرة، التي تعد احد اهم الفاعلين العرب في معادلة الامن الاقليمي، اختارت ان تبقى خارج تحالف دفاعي يقوم على مبدأ يشبه المادة الخامسة في حلف الناتو، اي اعتبار اي اعتداء على دولة اعتداء على الجميع. غير ان هذا التحفظ لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة من الملفات المتداخلة، ابرزها الحرب في السودان، وتوازنات البحر الاحمر، والواقع الجديد الذي فرضته ايران عبر سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز وباب المندب.
في السودان، لم يكن الدور المصري محايدا كما يقدم في الخطاب الرسمي، بل اتخذ شكل تورط مباشر في مسار الحرب، عبر دعم مجرم الحرب عبد الفتاح البرهان وقوى النظام السابق التي تقيم غالبيتها في القاهرة، وتوفير غطاء سياسي واعلامي لها، في محاولة لافشال الثورة السودانية واضعاف الدولة هناك. هذا التورط جعل مصر طرفا في الصراع، لا وسيطا، وادخلها في شبكة معقدة من الحسابات، خصوصا مع اشتداد التنافس الاقليمي على السودان بين قوى خليجية وتركيا وايران. ومع تحول السودان الى ساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي، اصبح اي تحالف دفاعي جديد قد يفرض على القاهرة التزامات لا تتوافق مع اهدافها في ابقاء السودان ضعيفا ومفتتا، بما يضمن استمرار نفوذها التقليدي عليه.
كما ان السودان تحول الى جزء من معادلة امن البحر الاحمر، لا مجرد ملف داخلي افريقي. فالفوضى الممتدة على السواحل السودانية تهدد الملاحة مباشرة، وتفتح الباب امام تمدد النفوذ الايراني عبر وكلاء محليين، وهو سيناريو شهدته المنطقة في العراق واليمن ولبنان. بالنسبة لمصر، فان اي صعود لقوى حليفة لايران في السودان يعني ضغطا مزدوجا على البحر الاحمر: من الجنوب عبر باب المندب، ومن الشمال عبر قناة السويس، ما يجعل استقرار السودان ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
في المقابل، فرضت ايران واقعا جديدا على الخليج عبر سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، حيث تمر نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية. هذا الواقع جعل السعودية في حاجة الى ترتيبات دفاعية جديدة، بعضها مع تركيا وباكستان، وبعضها في البحر الاحمر، في محاولة لبناء مظلة ردع اقليمية امام النفوذ الايراني المتصاعد. غير ان خطورة ايران لا تقتصر على الخليج، فهي تمثل تهديدا مباشرا لمصر ايضا، عبر محاولاتها التمدد في القرن الافريقي والبحر الاحمر، واستنساخ نموذج الحوثيين على الضفة الافريقية للممرات البحرية، بما يضع قناة السويس تحت ضغط استراتيجي غير مسبوق.
ومع انتقال نموذج الضغط الايراني من هرمز الى باب المندب، عبر الحوثيين الذين باتوا يهددون الملاحة في البحر الاحمر، اصبحت المنطقة جبهة ثانية بعد هرمز، وربط امن الخليج بامن البحر الاحمر والسودان وقناة السويس. هذا الترابط جعل السعودية اكثر ميلا الى تحالفات دفاعية واسعة، بينما جعل مصر اكثر حذرا، لانها لا تريد ان تصنف ضمن محور صدامي مباشر مع ايران، خصوصا في ظل محاولاتها الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الاقليمية، سواء مع الخليج او تركيا او القوى الدولية.
الى جانب ذلك، تدرك القاهرة حساسية علاقتها مع الامارات واسرائيل، اذ قد يفسر انضمامها لتحالف تقوده تركيا على انه ابتعاد عن محور ابوظبي تل ابيب، وهو ما لا تريده مصر في هذه المرحلة. كما ان القاهرة تعمل على بناء صيغة امنية خاصة بها في البحر الاحمر، مثل مجلس الدول المطلة على البحر الاحمر، بدل الانخراط في تحالفات جديدة قد تفرض عليها التزامات تتجاوز رؤيتها للامن البحري.
وفي الختام، يبدو ان مصر والسعودية وبقية الدول التي تواصل دعم مجرم الحرب عبد الفتاح البرهان بدأت تدرك خطورة موقفها في السودان، وان استمرار هذا النهج سيضعها في نهاية المطاف تحت رحمة ايران. فبرهان، الذي لعب دورا مباشرا في تدمير السودان واغراقه في الحرب، يتمتع بسلوك انتهازي يجعله قادرا على بيع مواقف هذه الدول متى اقتضت مصالحه ذلك، مستفيدا من علاقاته المتشابكة مع تركيا بقيادة اردوغان، ومع ملالي طهران، ما يمنحه هامشا واسعا للمساومة والابتزاز السياسي.
تحقيق السلام في السودان لا يمثل فقط مخرجا من الحرب، بل يخفف ايضا العبء الاخلاقي والسياسي عن الدول التي تورطت في دعم البرهان، ويزيل عنها الحرج امام العالم. فاستمرار دعم هذه الدول له يجعلها شريكة بصورة مباشرة في الكارثة الانسانية التي يعيشها الشعب السوداني، ويضعها في مواجهة انتقادات دولية متصاعدة حول مسؤوليتها في اطالة امد الصراع.
ان استعادة المسار المدني الديمقراطي في السودان هو الطريق الوحيد الذي يقطع التدخلات الخارجية، ويمنع تحويل السودان الى ورقة مساومة او منصة نفوذ اقليمي، ويعيد للدولة السودانية دورها الطبيعي كمصدر للامن والاستقرار والتنمية والانتاج، بدل ان تبقى رهينة صراعات امراء الحرب ومصالح القوى الاقليمية.
الطيب الزين كاتب وباحث في دور القيادة والاصلاح المؤسسي
|
|