Post: #1
Title: بين الرباعية والخماسية: من يصنع مستقبل السودان؟ أزمة أحزاب النخب بين التدخل الخارجي، ودولة البرهان
Author: خالد كودي
Date: 08-10-2026, 04:03 PM
04:03 PM August, 10 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
بين الرباعية والخماسية: من يصنع مستقبل السودان؟ أزمة أحزاب النخب بين التدخل الخارجي، ودولة البرهان والإسلاميين، ومشروع (تأسيس)
10/8/2026 خالد كودي،
لم تعد الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها في 15 أبريل 2023، حرباً يمكن فهمها باعتبارها مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حصراً. لقد تحولت إلى أزمة تتعلق بتأسيس الدولة نفسها، وإلى صراع إقليمي ودولي حول شكل السلطة التي ستنشأ في السودان وطبيعتها، ومن سيحكم، وبأي مؤسسات، وتحت أي توازنات داخلية وإقليمية. ولهذا لم يعد السؤال السياسي الحاسم: من ينتصر عسكرياً فقط؟ بل أصبح أيضاً: من يملك القدرة على تحويل موازين القوة العسكرية والسياسية والإقليمية إلى صيغة سلطة معترف بها داخلياً وخارجياً؟ من هنا تبرز أهمية فهم آليتين في المشهد ويجري الحديث عنهما كثيراً في الأزمة السودانية: الرباعية والخماسية. وهما ليستا شيئاً واحداً، ولا تمثلان المستوى نفسه من القوة أو المصالح أو الوظائف. فالرباعية الحالية تتكون من الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد تبلورت بصورتها الحالية بوضوح في بيان 12 سبتمبر 2025، الذي أكد عدم وجود حل عسكري قابل للاستمرار في السودان، ودعا إلى هدنة إنسانية يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وعملية انتقال سياسي تقود إلى حكومة مدنية، كما تضمن موقفاً واضحاً ضد هيمنة الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين على مستقبل السودان. أما الخماسية فليست تحالفاً بين خمس دول، وإنما آلية تنسيق تضم خمس مؤسسات دولية وإقليمية: الاتحاد الأفريقي، وإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة. وقد أصبحت خلال 2026 إحدى المنصات الأساسية لتنظيم المسار السياسي، وعقدت مشاورات مع قوى سودانية في أديس أبابا بهدف الوصول إلى لجنة تحضيرية لحوار سوداني واسع. وهنا يبدأ الفرق الجوهري بين الآليتين: الرباعية تضم دولاً تملك أدوات مباشرة للتأثير في أطراف الحرب وموازينها الإقليمية، بينما تستمد الخماسية قوتها أساساً من قدرتها على توفير الشرعية الإقليمية والدولية للعملية السياسية. الرباعية: أربعة أطراف وأربع خرائط مختلفة للسودان: الرباعية ليست كتلة سياسية متجانسة. وربما تكمن أهميتها تحديداً في أنها تجمع داخل إطار واحد بعض أهم التناقضات الإقليمية التي تؤثر في الحرب السودانية. فالبيان المشترك لا يعني أن الدول الأربع تتخيل السودان نفسه، أو تتفق على طبيعة الدولة التي ينبغي أن تخرج من الحرب. - مصر: الدولة والجيش والنيل: تنظر القاهرة إلى السودان من خلال مفهوم الدولة والأمن القومي أولاً. فانهيار الدولة السودانية، أو تفكك الجيش، أو قيام سلطة معادية لمصر، لا يمثل بالنسبة إليها شأناً سودانياً داخلياً فحسب. هناك ايضاً الحدود، والهجرة، والبحر الأحمر، وأمن الجوار، ولكن فوق ذلك كله هناك النيل وموازين القوة الإقليمية المرتبطة بإثيوبيا وسد النهضة. ولهذا ظلت علاقة مصر بالمؤسسة العسكرية السودانية أكثر عمقاً من علاقتها بأي قوة سياسية سودانية أخرى. وتشير تحليلات دولية إلى دعم سياسي وعسكري متفاوت تقدمه القاهرة للقوات المسلحة السودانية، في مقابل العلاقات الإماراتية الوثيقة بالدعم السريع! مصر، بهذا المعنى، ليست متحمسة لدولة سودانية يجري تفكيك مؤسساتها المركزية وإعادة بنائها من الصفر. أولويتها هي السودان الحالي موحد إقليمياً، قابل للحكم، وله جيش مركزي تستطيع القاهرة التعامل معه باعتباره مؤسسة دولة. ولذلك فإن أقرب حليف موضوعي لمصر في المعادلة الحالية هو المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان، وإن كانت القاهرة قادرة في الوقت نفسه على التعامل مع قوى مدنية تقبل ببقاء الجيش ركناً مركزياً في الدولة. - الإمارات: السودان بوصفه عقدة في شبكة البحر الأحمر والذهب وأفريقيا: المقاربة الإماراتية مختلفة. فقد بنت الإمارات خلال العقدين الماضيين شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية في أفريقيا تشمل الموانئ، والزراعة، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والمعادن. كما أصبحت تجارة الذهب السوداني أيا كان مصدره مرتبطة بصورة وثيقة بالسوق الإماراتية. وتتهم تقارير أممية وغربية وواشنطن وأطراف سودانية الإمارات بتقديم دعم عسكري ومالي لقوات الدعم السريع عبر شبكات إقليمية، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي باستمرار. لكن السياسة الإماراتية لا تختزل في علاقتها بالدعم السريع. فالإمارات تنظر كذلك إلى الإسلام السياسي، وبخاصة التنظيمات المرتبطة بالإخوان المسلمين، باعتباره تهديداً إقليمياً. ومن هنا يتقاطع موقفها مع الدعوات إلى منع عودة الحركة الإسلامية وشبكات النظام السابق إلى السيطرة الكاملة على الدولة. ولذلك فإن المصلحة الإماراتية أوسع من مجرد دعم طرف عسكري بعينه؛ فهي تتعلق بإعادة ترتيب السودان بما يمنع عودة الإسلاميين إلى الهيمنة، ويحافظ على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الإماراتية، ويضمن وجود شركاء سودانيين قادرين على حماية تلك المصالح. السعودية: انحياز واضح إلى الجيش والبرهان رغم دورها في استضافة مفاوضات جدة، لم تعد السعودية تقف على مسافة متساوية بين طرفي الحرب. فموقفها أصبح أقرب بوضوح إلى الجيش والسلطة التي يقودها البرهان، انطلاقاً من رؤيتها بأن الحفاظ على الدولة السودانية المركزية ومؤسساتها العسكرية يمثل ضمانة أساسية لأمن البحر الأحمر، والاستقرار الإقليمي ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. وتفضل الرياض تسوية تحافظ على الجيش مركزاً للدولة، وتحجم الدعم السريع وتنهي وضعه كقوة عسكرية مستقلة، ثم تُدخل المدنيين في ترتيبات سياسية لا تهدد بنية الدولة القائمة. ورغم تحفظها على عودة الإسلاميين، فإنها تعطي الأولوية للحفاظ على الجيش والدولة قبل إعادة هندسة النظام السياسي. لذلك فالسعودية ليست مجرد وسيط محايد؛ بل وسيط منحاز بنيوياً إلى الجيش والبرهان، مع سعيه إلى تسوية سياسية تمنح الدولة التي يمثلان مركزها شرعية مدنية أوسع. - الولايات المتحدة: منع الانهيار وبناء تسوية قابلة للإدارة تنظر واشنطن إلى السودان من خلال مجموعة دوائر مترابطة: البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، وأمن حلفائها الخليجيين، والمنافسة الجيوسياسية، ومنع تحول السودان إلى دولة فاشلة مفتوحة أمام روسيا وإيران والجماعات المسلحة العابرة للحدود. ولهذا تحاول الولايات المتحدة جمع اثنين من أهم المتناقضين الإقليميين، مصر والإمارات، داخل الرباعية. وكان بيان سبتمبر 2025 مهماً لأنه أنتج صيغة مشتركة تقوم على ثلاثة مبادئ: لا حل عسكرياً مستداماً، لا لهيمنة الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، ولا بد من انتقال إلى حكم مدني. لكن الاتفاق على هذه المبادئ لا يعني الاتفاق على معناها. فمصر تريد الحفاظ على مركزية الجيش، والإمارات تريد منع الإسلاميين والحفاظ على شبكات نفوذها، والسعودية تعطي الأولوية للدولة والاستقرار، بينما تريد الولايات المتحدة تسوية تمنع تفكك السودان ويمكن تقديمها باعتبارها انتقالاً مدنياً. البيان واحد، لكن السودان الذي تتخيله كل عاصمة ليس واحداً! الخماسية: شرعية دولية أكبر ونفوذ مباشر أقل: إذا كانت الرباعية تجمع الدول الأكثر قدرة على التأثير المباشر في أطراف الحرب، فإن الخماسية تجمع المؤسسات التي تستطيع توفير الشرعية الإقليمية والدولية للعملية السياسية: الاتحاد الأفريقي يمنحها الغطاء الأفريقي، وإيغاد بعدها الإقليمي في شرق أفريقيا، وجامعة الدول العربية بعدها العربي، والاتحاد الأوروبي ثقلاً سياسياً ومالياً، والأمم المتحدة الشرعية الدولية الأوسع. وتطرح الخماسية إدعاءا عملية سياسية "سودانية القيادة والملكية"، تستهدف الوصول إلى حوار شامل، مع تأكيد سيادة السودان ووحدته ورفض "هياكل الحكم الموازية". ويضع هذا الموقف الخماسية في تناقض مباشر مع حكومة الوحدة والسلام، حكومة "تأسيس" ومشروع السلطة الموازية في المناطق التي يسيطر عليها التحالف وحلفاؤه. لكن ضعف الخماسية يكمن في محدودية أدواتها لتغيير موازين القوة على الأرض. فهي تستطيع تنظيم العملية السياسية ومنحها الشرعية، لكنها لا تستطيع وحدها فرض شروطها على القوى المسلحة. وهنا يتضح الفرق الأساسي: الرباعية تملك نفوذاً أكبر على مراكز القوة المتحاربة، بينما تملك الخماسية شرعية مؤسسية أكبر في تشكيل المسار السياسي الذي يفترض أن ينتج عن "التسوية" صمود والخماسية: مأزق أحزاب النخب: تكشف أزمة "صمود" مع الخماسية مأزقاً أعمق في سياسة أحزاب النخب السودانية وكياناتها. فـ"صمود"، بوصفها من أكثر التحالفات المدنية نشاطاً واتصالاً بالدوائر الإقليمية والدولية، شاركت في مشاورات يونيو 2026 حول تشكيل لجنة تحضيرية للعملية السياسية، لكنها انتقلت إلى المقاطعة عندما وسعت الخماسية في أغسطس دائرة المشاركة لتشمل قوى وشخصيات أقرب إلى معسكر الجيش. وعبّر بابكر فيصل، القيادي في "صمود"، عن هذا التحول باتهام الخماسية بالتراجع عن تفاهمات يونيو وفقدان الحياد، محذراً من أن إعادة هندسة التمثيل قد تنتهي إلى منح سلطة البرهان شرعية جديدة عبر عملية يفترض أنها مدنية وتوافقية. لكن المفارقة أن "صمود" راهنت على الوساطة الدولية عندما منحتها موقعاً متقدماً في تمثيل المعسكر المدني، ثم اعترضت عليها عندما تغيرت هندسة المشاركة واتسعت لتشمل منافسين آخرين. وهنا تظهر مشكلة بنيوية مزدوجة: ضعف القدرة على فرض الرؤية استناداً إلى وزن اجتماعي وسياسي حقيقي داخل السودان، وضعف قراءة طبيعة السياسة الدولية بوصفها عملية متحركة تتغير بتغير المصالح وموازين القوى والوقائع على الأرض. فالدعم الدولي ليس رصيداً ثابتاً، والمجتمع الدولي لا يضمن موقعاً دائماً لأي تحالف؛ بل يعيد باستمرار تقييم شركائه وأولوياته وفق تطورات الصراع وإمكانات التسوية. وعندما يغيب الوزن الداخلي القادر على فرض نفسه، تصبح المكانة السياسية أكثر اعتماداً على من يصمم طاولة التفاوض، ومن يحدد المشاركين فيها، ومن يمنحه الخارج صفة "الممثل المدني". وهكذا ينتقل الصراع من بناء القوة السياسية والاجتماعية في الداخل إلى المنافسة على الاعتراف والتمثيل في المنابر الخارجية.. أحزاب بلا قوة: البحث عن رافعة خارجية: كشفت الحرب اختلالاً بنيوياً قديماً في أحزاب النخب السودانية: خطابها السياسي أكبر بكثير من قدرتها التنظيمية والمادية على الأرض، فالجيش يمتلك السلاح ومؤسسات الدولة في المناطق التي يسيطر عليها. والدعم السريع يمتلك قوة عسكرية ومناطق سيطرة واقتصاد حرب وشبكات إقليمية ودولية. بينما تمتلك الحركة الشعبية وقوى أخرى في الهامش مشروعاً فكرياً وسياسياً، وتنظيماً، وقواعد اجتماعية، ومناطق نفوذ، ومؤسسات تراكمت عبر عقود. أما أحزاب النخب المدنية المركزية، فتمتلك رصيداً مهماً من الكوادر المؤهلة أكاديمياً وتقنياً، وإن ظل معظمها أسير التصورات السياسية والمؤسسية الموروثة من السودان القديم. كما تمتلك شبكات إعلامية ودبلوماسية، ونفوذاً داخل قطاعات من المجتمع المدني، وعلاقات واسعة بالمانحين والمؤسسات الدولية. وتمنحها هذه الموارد قدرة كبيرة على إنتاج الخطاب وتقديم رؤيتها للأزمة باعتبارها التعبير الأبرز عن "المدنية السودانية"، وأحياناً على حجب أو إعادة تأطير مطالب التغيير الجذري الصادرة من الهامش بما يلائم تصورها هي للدولة. غير أن هذا النفوذ النخبوي والخارجي لا يقابله بالقدر نفسه امتداد اجتماعي وتنظيمي ومادي راسخ داخل السودان يمكّنها من تحويل رؤيتها إلى قوة سياسية قادرة على فرض مشروعها من الداخل. وهنا تكتسب مقاربة أنطونيو غرامشي أهميتها. فقيادة التحولات التاريخية لا تتحقق بامتلاك الخطاب والعلاقات الخارجية وحدهما، وإنما ببناء كتلة تاريخية تحول المشروع الفكري إلى قوة اجتماعية ومادية. وهذا تحديداً ما أخفقت فيه قطاعات واسعة من النخب السودانية ومن هنا تحولت الدبلوماسية الدولية لديها تدريجياً من أداة للسياسة إلى بديل عن امتلاك القوة السياسية نفسها. العفو المحتمل عن قيادات "صمود": البرهان يبحث عن توسيع شرعية سلطته: أفادت تقارير صحفية في أغسطس 2026 بوجود مشاورات يجريها عبد الفتاح البرهان بشأن عفو محتمل عن قيادات في تحالف "صمود"، تمهيداً لحوار سوداني-سوداني. وإذا مضت هذه الخطوة، فإن دلالتها السياسية تتجاوز العفو القانوني؛ إذ يمكن قراءتها باعتبارها محاولة لتوسيع القاعدة السياسية والمدنية للسلطة التي يقودها البرهان في المناطق الخاضعة للجيش. وهنا ينبغي تجنب افتراض أن البرهان يسيطر على الدولة السودانية كلها. فقد أنتجت الحرب واقعاً متعدد السلطات ومناطق السيطرة: الجيش يسيطر على أجزاء ومراكز مهمة من البلاد وعلى مؤسسات الدولة الرسمية الموجودة في نطاق سلطته، بينما تسيطر قوى أخرى، بما فيها الدعم السريع والحركة الشعبية وحلفاؤهما في "تأسيس"، على مناطق واسعة خارج سيطرته. ولذلك فإن الحوار الذي يدعو إليه البرهان لا تصنعه سلطة تسيطر فعلياً على كامل السودان، وإنما سلطة تسيطر على جزء من البلاد وتسعى إلى تحويل سيطرتها الجزئية واعترافها الرسمي إلى ادعاء بتمثيل الدولة كلها. ومن هنا تأتي أهمية استيعاب بعض القوى المدنية. فالبرهان يحتاج إلى مدنيين يمنحون سلطته قاعدة سياسية أوسع، بينما تحتاج أحزاب النخب إلى منفذ يعيدها إلى الداخل وإلى مؤسسات الحكم. لكن دخول مدنيين إلى حكومة أو مجلس تشريعي تحت سلطة البرهان لا يعني في ذاته انتقال السودان إلى الحكم المدني، خصوصاً أن هذه المؤسسات لا تحكم كل السودان. وقد تكون النتيجة سلطة عسكرية-مدنية في مناطق الجيش، في مقابل سلطات ومشروعات سياسية وعسكرية أخرى في مناطق مختلفة. وهكذا يصبح "العفو" المحتمل جزءاً من معركة أكبر: من يستطيع تحويل سيطرته الجزئية على الأرض إلى شرعية سياسية تخوله ادعاء تمثيل السودان كله؟ مسك العصا من منتصفها: في هذا السياق يظهر مأزق أحزاب النخب المدنية بصورة أوضح. فهي لا تريد انتصار البرهان والإسلاميين، ولا تريد هيمنة الدعم السريع وحلفائه، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول تحالف "تأسيس" ومشروع السودان الجديد إلى بديل سياسي أكثر تنظيما وقادر على إعادة تعريف الدولة وفقا لرؤية مشروع السودان الجديد. ولذلك تراهن على الرباعية والخماسية، وتحافظ على علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية، وتتجنب الظهور باعتبارها جزءاً من معسكر الدعم السريع، وفي الوقت نفسه تبقي باب التفاهم مع البرهان مفتوحاً. هذه ليست استراتيجية تغيير مستقلة بقدر ما هي سياسة بقاء بين مراكز قوة لا تمتلك هذه الأحزاب أياً منها. إنها تمسك العصا من منتصفها لأنها لا تملك عصاً سياسية واجتماعية خاصة بها تستطيع فرضها على الآخرين. ثلاثة خيارات أمام أحزاب النخب: بعيداً عن اللغة الدبلوماسية، يمكن تلخيص مأزق هذه الأحزاب في سؤال مباشر: من يعيدها إلى السلطة؟ فهي اليوم تعاني ضعفاً واضحاً في أدوات القوة السياسية: لا تمتلك قدرة مستقلة وفاعلة على التعبئة الشعبية، ولا قوة عسكرية، ولا مناطق نفوذ أو مؤسسات اقتصادية واجتماعية تمكّنها من فرض مشروعها من الداخل. كما أن خطابها السياسي، في معظم جوانبه، لا يزال يعيد إنتاج تصورات قديمة ومتخلفة، سبق اختبارها دون أن يقدم مشروعاً جديداً يوازي حجم التحولات التي أحدثتها الحرب. ولذلك تصبح مسألة العودة إلى السلطة مرتبطة، بدرجة كبيرة، بقوة أو تسوية يصنعها آخرون. ولذلك تضيق خياراتها عملياً إلى ثلاثة: الرهان على الخارج؛ أو التفاهم مع البرهان والمنظومة العسكرية المتداخلة مع شبكات الإسلاميين؛ أو الانخراط في تسوية تأسيسية مع "تأسيس" والقوى المنظمة في الهامش على قاعدة مشروع السودان الجديد. - الخيار الأول يجعل عودتها مرتبطة بعملية تصنعها الرباعية والخماسية وتعيد تقديمها باعتبارها الممثل المدني المقبول دولياً. - والخيار الثاني يتيح لها العودة من خلال حوار مع البرهان، ولكن تحت سقف مؤسسات تظل القوة العسكرية صاحبة اليد العليا فيها، وفي مناطق لا تشمل بالضرورة السودان كله. - أما الخيار الثالث فيفرض عليها الاعتراف بأن السودان أصبح متعدد مراكز القوة، وأن قوى الهامش ليست مجرد أطراف ينبغي استيعابها في دولة المركز، بل شريك متساوٍ في تعريف الدولة الجديدة وإعادة تأسيسها. وهنا يكمن المأزق الأعمق. فالخيار الثالث لا يهدد فقط مواقع هذه النخب داخل السلطة؛ بل يمس امتيازها التاريخي في تعريف السودان وتحديد قواعد المشاركة فيه. ولذلك قد يكون التفاهم مع الخارج، بل وحتى التسوية مع البرهان، أقل كلفة سياسياً عليها من قبول إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة. أين الإسلاميون؟ عودة الإسلاميين لا تتطلب عودة المؤتمر الوطني باسمه القديم، كما لا تتطلب سيطرتهم على السودان كله. فالإنقاذ لم تكن مجرد حزب حاكم؛ لقد بنت خلال ثلاثين عاماً شبكات فاشية داخل الجيش والأمن والإدارة والاقتصاد والمؤسسات التعليمية والدينية وشبكات الأعمال. ولهذا يمكن استبعاد المؤتمر الوطني رسمياً من أي حوار، بينما تستمر أجزاء من هذه الشبكات داخل المؤسسات الموجودة في المناطق الخاضعة لسلطة الجيش. وفي المقابل، فإن استبعاد "تأسيس" من أي حوار يعني استبعاد قوى تسيطر فعلياً على مناطق خارج سلطة البرهان. وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: يمكن أن تتشكل في مناطق الجيش سلطة عسكرية في مركزها، مدنية جزئياً في واجهتها، وإسلامية جزئياً في شبكاتها الداخلية، في مقابل سلطات ومشروعات سياسية وعسكرية مختلفة في مناطق أخرى. وهذا ليس واقعاً محسوماً في هذا الوقت، ولكنه أكثر السيناريوهات احتمالا وفقا لموازين القوى الحالية. الان، ما هي المعادلة التي تتخيلها أحزاب النخب المدنية للعودة إلى السلطة؟ لا تراهن هذه الأحزاب، واقعياً، على انتخابات قريبة أو ثورة جديدة تقودها، بل على معادلة تقوم على: وقف الحرب بضغط الرباعية + عملية سياسية ترعاها الخماسية + تحجيم القوى المسلحة سياسياً + إعادة تقديم أحزاب النخب باعتبارها الكتلة المدنية المقبولة دولياً + تشكيل حكومة انتقالية مدنية أو بحيل حكومة "تكنوقراطية". لكن هذه المعادلة تطرح سؤال الشرعية: بأي تفويض تعود الأحزاب نفسها إلى قيادة الدولة إذا لم تبنِ قاعدة اجتماعية جديدة، ولم تفز في انتخابات، ولم تفرض مشروعها من داخل السودان؟ هنا يصبح الاعتراف الدولي بديلاً مؤقتاً عن التفويض الشعبي! أما طبيعة الدولة التي قد تنتج عن هذه الصيغة، فهي دولة مدنية في واجهتها، لكنها قد تظل مركزية في بنيتها، محافظة على مؤسسات وعلاقات القوة الموروثة من السودان القديم، ما لم تقترن التسوية بإعادة تأسيس دستورية حقيقية تعالج المواطنة والعلمانية واللامركزية والعدالة التاريخية والأرض والثروة وإعادة بناء الجيش الجديد. ما المعادلة التي تتخيلها القوى الثيوقراطية للعودة؟ تراهن القوى الإسلامية على مسار مختلف: انتصار الجيش او توسع سيطرته + إعادة ترميم مؤسسات الدولة في مناطق نفوذه + تقديم الحرب باعتبارها معركة "استعادة الدولة" + استمرار نفوذ الكتائب والشبكات الإسلامية داخل المعسكر العسكري + حوار يستوعب قوى مدنية وتقليدية تحت سقف السلطة القائمة عندها لا يحتاج الإسلاميون إلى إعادة المؤتمر الوطني باسمه القديم؛ إذ تستطيع شبكاتهم استعادة نفوذها من خلال المؤسسات التي راكمت حضورها داخلها خلال عقود. أما طبيعة الدولة الناتجة عن هذا المسار، فقد تكون دولة عسكرية مركزية ذات نزعة سلطوية، تحتفظ فيها المؤسسة العسكرية بمركز القرار، بينما تستعيد الشبكات الإسلامية نفوذها تدريجياً. وقد تختلف هذه الدولة شكلياً عن الإنقاذ، لكنها تعيد إنتاج جانب مهم من بنيتها السياسية والأمنية والثقافية. المفارقة: قد يعود المدنيون والإسلاميون معاً - المساران السابقان ليسا متناقضين بالضرورة! فقد تنتج التسوية نظاماً يحتفظ فيه الجيش بمركز القوة في مناطق سيطرته، وتدخل أحزاب مدنية إلى الحكومة والمؤسسات السياسية، بينما تستمر شبكات إسلامية داخل أجهزة الدولة. عندها يحصل كل طرف على جزء مما يريد: العسكر يحتفظون بمركز السلطة، والنخب المدنية تعود إلى الحكم، والمجتمع الدولي يحصل على "عملية سياسية"، والإسلاميون يحتفظون بنفوذ مؤسسي من دون عودة رسمية للإنقاذ. وتكون النتيجة دولة هجينة: عسكرية في مركز القوة، مدنية في واجهتها السياسية، وإسلامية جزئياً في شبكاتها العميقة. لكن هذه الصيغة تواجه مشكلة أكبر: إنها قد تنتج سلطة قابلة للحياة في مناطق الجيش، لكنها لا تجيب عن كيفية إعادة بناء دولة واحدة من واقع أصبح فيه السودان موزعاً بين سلطات ومشروعات سياسية ومناطق سيطرة متنافسة. ولهذا فالسؤال الحاسم ليس فقط: من سيحكم؟ بل أي دولة ستنتج عن التسوية؟ لماذا يمثل "تأسيس" المعضلة التي لا تريد النخب بيمينها ووسطها ويسارها مواجهتها؟ بصرف النظر عن الموقف من الدعم السريع وانتهاكاته، أحدث ظهور "تأسيس" تحولاً مهماً في طبيعة الصراع؛ إذ نقل جانباً منه من سؤال: من يحكم السودان؟ إلى سؤال أكثر تأسيسية: ما طبيعة الدولة التي ينبغي أن توجد أصلاً؟ وهنا تنتقل قضايا العلمانية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والهوية، والأرض والموارد، وإعادة بناء الجيش الجديد، وعلاقة المركز بالأقاليم، من ملفات تفاوضية مؤجلة إلى قضايا تتعلق بأسس الدولة نفسها. يمكن لنخب المركز أن تتفاوض بسهولة أكبر حول رئيس الوزراء، وعدد الوزراء، وفترة الانتقال، والمجلس التشريعي. لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ عندما يصبح موضوع التفاوض: من يملك الأرض؟ كيف توزع السلطة والثروة؟ هل السودان دولة مركزية أم اتحاداً حقيقياً للأقاليم؟ هل العلمانية ضمانة دستورية أم موضوعاً قابلاً للمساومة السياسية؟ هل المجتمعات التاريخية في الهامش أصحاب حقوق أصيلة في الدولة والأرض والموارد، أم مجرد "مكونات" ينبغي تمثيلها؟ من يملك الجيش، واي جيش؟ ومن يملك حق تعريف الهوية الوطنية؟ هذه الأسئلة لا تعيد توزيع المناصب فقط؛ إنها تعيد توزيع السلطة التاريخية على تعريف السودان نفسه. ولهذا يمثل مشروع السودان الجديد تحدياً أعمق للنخب من مجرد منافس سياسي على الحكومة. فالمنافسة على الحكومة يمكن حلها بتقاسم الوزارات والمقاعد؛ أما إعادة تأسيس الدولة فتعني إعادة النظر في بنية السلطة والامتياز التي أنتجت تلك النخب نفسها. الرباعية والخماسية: الفرق بين إنهاء الحرب وإنهاء أسبابها: من هنا ينبغي التمييز بين وقف الحرب وحل الأزمة التاريخية التي أنتجتها. فالرباعية تريد وقف الحرب لأنها تهدد المصالح الإقليمية والأمن والاستقرار، بينما تريد الخماسية إنتاج عملية سياسية جامعة تمنع التفكك وتوفر للتسوية شرعية إقليمية ودولية. لكن وقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة انتقالية، وجمع عشرات الأحزاب حول طاولة واحدة لا يحل تلقائياً أزمة الدولة السودانية. يستطيع المجتمع الدولي الضغط من أجل وقف الحرب، وتسهيل المفاوضات، ودعم حكومة انتقالية، وتوفير الموارد والضمانات. لكنه لا يستطيع، من الخارج، الإجابة نيابة عن السودانيين عن السؤال الذي ظلت الدولة عاجزة عن حسمه منذ الاستقلال: على أي عقد تاريخي وأخلاقي ودستوري ينبغي أن تقوم هذه الدولة؟ وهنا تقع حدود الرباعية والخماسية معاً. تستطيعان المساعدة في تسوية الصراع على السلطة، لكن إعادة تأسيس الدولة تتطلب معالجة الأسباب التي جعلت الصراع على السلطة يتحول، مرة بعد أخرى، إلى حرب. الخاتمة: ثلاث بوابات للعودة إلى الدولة تواجه أحزاب النخب السودانية بيمينها ووسطها ويسارها اليوم أزمة تتجاوز التكتيك السياسي إلى سؤال وجودها ووظيفتها. فقد تقلصت قدرتها على صناعة موازين القوة داخل السودان، بينما اتسعت قدرتها على التعليق عليها والتحرك حولها دبلوماسياً وإعلامياً. ولأنها لم تبنِ القوة الاجتماعية والتنظيمية والمادية التي تمكنها من فرض تحول من الداخل، أصبحت تبحث عن طريق العودة إلى الدولة عبر ثلاث بوابات يملك مفاتيحها، بدرجات مختلفة، آخرون كما اسلفنا: البوابة الأولى هي الخارج: الرباعية والخماسية والمؤسسات الدولية، من خلال عملية انتقالية تعيد إدخال هذه القوى إلى السلطة باعتبارها المكوّن المدني المقبول دولياً. والبوابة الثانية هي البرهان والسلطة العسكرية: الدخول في حوار وتسوية تمنحها موقعاً داخل مؤسسات الحكم في مناطق الجيش، مقابل القبول باستمرار المؤسسة العسكرية مركزاً أساسياً للقوة، مع احتمال بقاء شبكات الإسلاميين داخل هذه المؤسسات. أما البوابة الثالثة فهي التعامل مع "تأسيس" ومشروع السودان الجديد والقوى الصاعدة من الهامش باعتبارها شريكاً في إعادة تأسيس الدولة، لا مجرد قوى ينبغي استيعابها داخل النظام القديم. الخيار الأول يجعل الاعتراف الخارجي مصدراً أساسياً للشرعية السياسية. والثاني يهدد بإعادة إنتاج الدولة المركزية القديمة بترتيبات وواجهات جديدة. أما الثالث فيفرض على نخب المركز مواجهة السؤال الأصعب: هل هي مستعدة للتخلي عن احتكارها التاريخي لتعريف السودان وتحديد شروط المشاركة في سلطته؟ ولهذا فإن الصراع القادم لن يكون بين الرباعية والخماسية فقط، ولا بين البرهان وحميدتي، ولا بين "صمود" وبقية أحزاب النخب و"تأسيس". الصراع الأعمق سيكون بين تصورين لطبيعة الأزمة السودانية نفسها. التصور الأول يرى الأزمة باعتبارها فراغاً أو صراعاً في السلطة يمكن حله بوقف الحرب، وحكومة انتقالية جديدة، وتسوية بين القوى العسكرية والمدنية. أما التصور الثاني فيرى الحرب باعتبارها النتيجة الأكثر عنفاً لأزمة دولة تأسست تاريخياً على المركزية، وعدم المساواة، واحتكار تعريف الهوية والسلطة والثروة؛ ولذلك لا يكفي تغيير حكومتها، بل ينبغي إعادة تأسيسها على المواطنة المتساوية، والعلمانية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، والحق في تقرير المصير. وإعادة بناء مؤسسات عسكرية وأمنية جديدة. وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى الأحزاب المدنية النيلية وحلفائها من كيانات الهامش أكثر قسوة من سؤال: مع من ستتحالفون؟ السؤال هو: إذا لم تستطيعوا الوصول إلى السلطة بقوتكم الاجتماعية والفكرية والتنظيمية؛ وإذا كنتم ترفضون دولة البرهان والإسلاميين؛ وتتحفظون على "تأسيس" والقوى الصاعدة من الهامش؛ فمن، تحديداً، تتوقعون أن يعيدكم إلى حكم السودان؟ وعند الإجابة عن هذا السؤال تتضح الوظيفة السياسية المتزايدة لكل هذا النشاط حول الرباعية والخماسية والمنابر الدولية. فالمعركة لم تعد فقط حول وقف الحرب والقصايا الإنسانية. إنها أيضاً معركة حول من سيُعترف به ممثلاً شرعياً للمرحلة المقبلة، ومن سيجلس إلى طاولة تحديد مستقبل البلاد، ومن سيبقى خارجها، ومن سيملك حق تعريف الدولة التي ستخرج من الحرب. وفي النهاية، لن يكون السؤال الأهم هو من عاد إلى القصر، بل: أي سودان سيجد الجميع عندما تُفتح أبواب ذلك القصر: سوداناً أعيد تأسيسه، أم السودان القديم وقد أعاد ترتيب نُخبه وواجهاته وتحالفاته؟
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|