السودان... وطنٌ دفع ثمن صراع النخب كتبه كمال حامد

السودان... وطنٌ دفع ثمن صراع النخب كتبه كمال حامد


08-08-2026, 11:04 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1786226681&rn=0


Post: #1
Title: السودان... وطنٌ دفع ثمن صراع النخب كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 08-08-2026, 11:04 PM

11:04 PM August, 08 2026

سودانيز اون لاين
كمال حامد بكري-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




لم يكن استقلال السودان في الأول من يناير 1956 مجرد إعلان لنهاية حقبة استعمارية، بل كان بداية حلم كبير بوطن قادر على أن يصنع مستقبله بيد أبنائه. كانت الآمال معقودة على نخبة وطنية متعلمة، تملك من العلم ما يؤهلها لقيادة دولة واعدة، تمتد على رقعة جغرافية شاسعة، وتزخر بتنوع بشري وثقافي قلّ أن يوجد له نظير في المنطقة.
غير أن السنوات الأولى للاستقلال كشفت حقيقة مؤلمة؛ فقد دخلت القوى السياسية معاركها مبكرًا، وانشغلت بصراعات السلطة أكثر من انشغالها ببناء الدولة. طغت الحسابات الحزبية على المشروع الوطني، وغلبت الخصومات السياسية على لغة التوافق، فضاعت فرصة تاريخية كان يمكن أن تجعل السودان نموذجًا للاستقرار في إفريقيا والعالم العربي.
وعندما تعثرت التجربة الديمقراطية الوليدة، لم تبحث النخب عن حلول داخل الإطار الدستوري، بل وجدت المؤسسة العسكرية طريقها إلى قلب المشهد السياسي، لتبدأ مرحلة جديدة أصبح فيها الانقلاب وسيلة لتغيير السلطة، وأصبحت الثورة الشعبية وسيلة لإسقاط الحكم العسكري، ثم تعود الديمقراطية ضعيفة ومنقسمة، قبل أن تطيح بها مغامرة عسكرية جديدة. وهكذا استقر السودان في دائرة مغلقة، يتغير فيها الحكام، بينما تبقى الأزمة كما هي.
سبعون عامًا تقريبًا من التاريخ السياسي تكفي لإثبات حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا الانقلابات العسكرية صنعت دولة مستقرة، ولا الحكومات المدنية المنقسمة استطاعت ترسيخ ديمقراطية راسخة. وفي كل مرة كان المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر؛ يدفع من أمنه، واقتصاده، واستقراره، ووحدة وطنه، بينما تتبادل النخب الاتهامات وتتنصل من مسؤولياتها.
المفارقة التي تثير الأسى أن كثيرًا من قادة العمل السياسي تلقوا تعليمهم في أرقى الجامعات العالمية، لكنهم عجزوا عن بناء ثقافة سياسية تقوم على قبول الاختلاف، واحترام المؤسسات، والتداول السلمي للسلطة. فالجامعات تمنح المعرفة، لكنها لا تمنح بالضرورة الحكمة، ولا تزرع وحدها قيم المسؤولية الوطنية.
وليس من الإنصاف أن تُلقى المسؤولية على طرف واحد؛ فالجيش، والأحزاب، والنخب المدنية، والحركات المسلحة، جميعها أسهمت بدرجات متفاوتة في إنتاج الأزمة واستمرارها. كما لعبت التدخلات الخارجية والانقسامات الاجتماعية والاقتصادية دورًا في تعقيد المشهد. لكن المسؤولية الأكبر تظل على عاتق من امتلك القرار، ولم يحسن استخدامه.
إن مأساة السودان ليست في قلة الموارد، ولا في ضعف القدرات البشرية، وإنما في غياب المشروع الوطني الذي يجمع الجميع تحت راية واحدة. فالدول لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بردود الأفعال، ولا تستقر عندما تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها. إنما تُبنى بالإرادة السياسية، وبمؤسسات قوية، وبقانون يسري على الجميع، وبإيمان راسخ بأن الوطن أكبر من الأشخاص والأحزاب.
لقد أثبت التاريخ السوداني أن الانقلاب لا ينتج استقرارًا دائمًا، وأن الديمقراطية لا تعيش في بيئة تمزقها الصراعات والإقصاء. وبين هذا وذاك ظل السودان يفقد سنوات من عمره، بينما كانت أمم أخرى بدأت معه الطريق نفسه تمضي نحو التنمية والازدهار.
واليوم، وبعد كل هذه التضحيات، لم يعد السؤال: من يحكم السودان؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يُحكم السودان؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن تتواضع أمامه جميع القوى السياسية والعسكرية، لأن الوطن لا يحتمل دورة جديدة من الأخطاء نفسها. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والشعوب لا تبقى رهينة لصراعات النخب إلى الأبد.
لقد آن الأوان لأن يستعيد السودان بوصلته. وأن يدرك الجميع أن الوطن ليس غنيمة تُقتسم، ولا سلطة تُحتكر، بل أمانة في أعناق من يتصدون لقيادته. وعندما تنتصر فكرة الدولة على شهوة السلطة، وحين تتقدم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة، عندها فقط يمكن للسودان أن يخرج من نفقه الطويل، ويبدأ كتابة فصل جديد يليق بتاريخه وشعبه وإمكاناته.
bakrikamal26@gmail.com
Image