حين كبا حصان الثورة: من رثاء النقاء إلى هندسة الصمود قراءة نقدية في مقال الأستاذ بشير محمد الحسن، ض

حين كبا حصان الثورة: من رثاء النقاء إلى هندسة الصمود قراءة نقدية في مقال الأستاذ بشير محمد الحسن، ض


08-08-2026, 03:56 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1786201005&rn=0


Post: #1
Title: حين كبا حصان الثورة: من رثاء النقاء إلى هندسة الصمود قراءة نقدية في مقال الأستاذ بشير محمد الحسن، ض
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 08-08-2026, 03:56 PM

03:56 PM August, 08 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



حين كبا حصان الثورة: من رثاء النقاء إلى هندسة الصمود
قراءة نقدية في مقال الأستاذ بشير محمد الحسن، ضمن سلسلة الردود التطبيقية لإطار الميثاق

د. على عبدالله الخليفة طه

استكمال لا مصادمة

يكتب الأستاذ بشير محمد الحسن نصاً رثائياً بديع الصياغة، تتصاعد فيه الصورة الشعرية حتى تبلغ ذروتها في استعارة الحصان الذي كبا، وزهور الحرية التي ارتوت من الدم ثم ذبلت لانحباس المطر. هذا النص يستحق أن يُقرأ أولاً بوصفه شهادة وجدانية صادقة على لحظة تأسيسية عاشها جيل كامل، قبل أن يُقرأ نقدياً. غير أن مهمة هذه القراءة، اتساقاً مع منهج هذه السلسلة، ليست مصادمة هذا الرثاء بل استكمال مسيرته: الانتقال من التشخيص الأدبي البليغ لحظة الانكسار، إلى السؤال الذي يتفاداه النص عن قصد أو غير قصد: ما الآلية التي كان غيابها هو السبب الحقيقي وراء هذا الكبو؟

مواطن الإصابة في تشخيص الأستاذ بشير

ينبغي الإقرار بدقة عالية في ثلاثة مواضع جوهرية من النص:
«تداعت عليهم الكثير من أجهزة الأبالسة... فاجتمعوا على عجل وكتبوا خطة حمراء بحبر سري»
هذا وصف أدبي دقيق لظاهرة الاختراق الأمني والاستخباراتي للحراك الثوري، وهي ظاهرة موثقة تاريخياً في أغلب التحولات الثورية الحديثة، وليست خاصة بالتجربة السودانية.
«فتصارع الفتية، وتربصوا في الخنادق الضيقة... فتاهت المجاميع»
هذا وصف صادق لتشظي الفصائل الثورية إلى معسكرات متنافسة، بعد أن كانت "رايات متشابهة" في اللحظة التأسيسية.
«اختلط الزيت بالماء، والحابل بالنابل»
وهذه استعارة موفقة لفقدان معايير التمييز بين الفاعلين الشرعيين وغير الشرعيين داخل الحراك، بعد أن تكاثرت "المسميات والبرامج والرايات".
هذه المشاهدات الثلاث ليست مجرد بلاغة؛ إنها تشخيص صحيح لأعراض غياب هيكل مؤسسي ناظم. والمشكلة ليست في دقة التشخيص، بل فيما يليه.

الفجوة: من التشخيص الأدبي إلى السؤال المصاغ خطأً

يختم الأستاذ بشير نصه بسؤال وجداني مشروع: "ترى هل حصاننا كبا أم نحن كبونا؟ ترى هل ثمة أمل بولادة فتية أطهار كأولئك الذين بدأوها أول مرة؟" وهذا السؤال، رغم صدقه العاطفي، يحمل افتراضاً ضمنياً يستحق المساءلة: أنّ الحل يكمن في تكرار النقاء الأخلاقي للحظة التأسيسية ، أي في إنتاج جيل جديد أكثر طهراً وأقل قابلية للاختراق.
هذا الافتراض هو بالضبط ما يرفضه إطار الميثاق منهجياً. فالثورات لا تفشل لأن أبناءها فقدوا نقاءهم، بل لأن النقاء وحده ، مهما بلغ صدقه، لا يصنع مناعة مؤسسية. "الخطة الحمراء بحبر سري" التي يصفها بشير لم تنجح لأن الفتية كانوا أقل إخلاصاً من أسلافهم، بل لأنه لم يكن هناك جدار مؤسسي يفصل بين طبقة الحراك السياسي المعرّضة بطبيعتها للاختراق والاستقطاب، وبين طبقة تنفيذية-مدنية محكومة بقواعد شفافة تُصعّب على أي جهاز أمني إعادة إنتاج نفس السيناريو. النقاء صفة فردية قابلة للتآكل تحت الضغط؛ الجدار المؤسسي بنية تصمد بصرف النظر عمّن يشغلها.
وبالمثل، فإن "تصارع الفتية وتربصهم في الخنادق الضيقة" لم ينتج عن سوء نية جماعية، بل عن غياب ما يسميه الميثاق الشرعية الوظيفية الصاعدة: آلية تراتبية تبدأ من القاعدة الشعبية في الأحياء والمدن الصغيرة وتتصاعد تدريجياً نحو المركز، بحيث يُشتق التمثيل من إنجاز وظيفي موثّق لا من الادعاء أو السبق التاريخي في الميدان. حين تغيب هذه الآلية، يتحول كل فصيل، مهما كانت نياته الأولى نقية ، إلى منافس على تمثيل "الحلم الواحد" بلا معيار فاصل، فينشأ التنافس العمودي الذي وصفه بشير بدقة أدبية عالية دون أن يسمّي جذره المؤسسي.

لماذا لم يكبُ الحصان: الإجابة الميثاقية

يقترح إطار الميثاق أن السؤال الصحيح ليس "هل كبا الحصان أم كبيناه؟"، بل: "ما الأرجل التي كانت غائبة أصلاً؟". وثلاث آليات تحديداً كانت غائبة في اللحظة التي يرثيها بشير:
١. الجدار المؤسسي (institutional firewall)
فصل صارم بين الحركة السياسية القابلة للاختراق والاستقطاب، والطبقة التنفيذية-المدنية المحكومة بمعايير كفاءة ونزاهة مستقلة عن الولاءات الفصائلية، بحيث لا يمنح اختراق الأولى مفتاحاً للثانية.
٢. الشرعية الوظيفية الصاعدة والركيزة الرابعة
آلية تمثيل تصاعدي من المحلي إلى المركزي، مع وزن مؤسسي للتمثيل الإقليمي، تجعل ادعاء تمثيل "الحلم الواحد" مشروطاً بإنجاز موثق لا بسبق ميداني أو خطاب أكثر حماسة.
٣. النفير الوطني الكبير كإطار حشد لا يتكئ على الطهر الفردي
آلية تعبئة شعبية تُبنى على شبكة مساءلة أفقية بين المجموعات المتعددة، فتُبقي أي جيل ، نقياً كان جيل التأسيس أو ملوثاً بتجربة الانكسار ، محكوماً بقواعد تمنع تكرار سيناريو "الخطة الحمراء بحبر سري"، بدلاً من انتظار ولادة "فتية أطهار" جدد كما يتمنى بشير.
بعبارة أخرى: لم يكبُ الحصان، ولم يكبِه أحد بمفرده؛ بل غابت الأرجل التي تحمل أي حصان، مهما بلغت نقاوة من امتطاه. والرثاء الجميل الذي كتبه الأستاذ بشير، لو أُضيفت إليه هذه الآلية، لتحوّل من مرثية إلى مخطط عمل، وهذا بالضبط ما يطمح إليه هذا الرد: لا مصادمة النص، بل استكماله.

خاتمة

والثورة مستمرة، كما ختم الأستاذ بشير محقاً. لكن استمرارها لن يُقاس بمدى نقاء الجيل القادم، بل بمدى قدرتنا على بناء الأرجل المؤسسية التي تحمل أي جيل، نقياً أو مجرَّباً ، وتحول دون أن يُكتب "بحبر سري" مخطط آخر لتفريق "الرايات المتشابهة" من جديد.