Post: #1
Title: كيف نبني دولة سودانية بعد أن انهارت الثقة بين الجيش والسياسة والمجتمع؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-05-2026, 09:46 PM
09:46 PM August, 05 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم تغيّر الحرب السودانية موازين القوة فقط، بل غيّرت معنى السياسة نفسها. فقد انتقل الصراع من التنافس حول البرامج والرؤى إلى صراع حول تعريف الوطنية ذاتها، وأصبح التخوين يحل محل الحوار، وأصبح السؤال الأكبر أمام القوى المدنية- كيف تستعيد شرعيتها في مجتمع أنهكته الحرب وفقد الثقة في مؤسساته؟
وفي قلب هذا المخاض يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا بين الجيش والمليشيا والشارع، أي مشروع مدني يحتاجه السودان لكي يعيد بناء الدولة؟
لقد شهد المشهد السياسي السوداني خلال الحرب تحولات عميقة، حيث تحولت المواقف المختلفة إلى اتهامات بالخيانة، وأصبح الانتماء الوطني في بعض الخطابات مرتبطًا بموقف محدد من أطراف الصراع. والخطورة هنا تكمن في اختزال الوطن في خندق سياسي أو عسكري واحد، لأن الدولة لا تُبنى بإلغاء الاختلاف، بل بإدارته ضمن مؤسسات وقواعد مشتركة.
ومن الضروري في هذا السياق التمييز بين نقد المؤسسة العسكرية، وهو حق طبيعي في أي نظام ديمقراطي يهدف إلى تقويم الأداء وضمان المساءلة، وبين معاداة الجيش كمؤسسة وطنية تضطلع بمهام حماية السيادة والدستور. كما يجب الفصل بوضوح بين رفض الحرب لما خلفته من دمار إنساني واجتماعي، وبين دعم أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة أو القبول باستمرار ظاهرة المليشيات
غير أن التحدي أمام القوى المدنية لا يتوقف عند إعلان رفض الحرب. فوقف إطلاق النار، رغم ضرورته القصوى، ليس نهاية الأزمة بل بدايتها السياسية فالسؤال الأهم هو: ماذا بعد الحرب؟كيف تُبنى دولة تمنع تكرار الانهيار؟
كيف تُنهى ظاهرة القوات الموازية؟
كيف يُعاد تأسيس قطاع أمني وعسكري وطني؟
وكيف تُستعاد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة؟
إن أي خطاب سياسي يكتفي بالموقف الإنساني أو الإغاثي، رغم أهميته، دون تقديم تصور واضح لبناء الدولة بعد الحرب، سيظل عاجزًا عن الإجابة على الأسئلة الكبرى التي تواجه السودان
ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة بين المدنيين والعسكريين على أساس جديد، يتجاوز ثنائية الصدام أو التبعية
فليس المطلوب إلغاء الجيش أو تهميش دوره الوطني، كما لا يمكن أن يكون مقبولًا أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى بديل عن السياسة أو مركز دائم لصناعة القرار.
المطلوب هو بناء جيش وطني مهني موحد، تكون مهمته حماية الدولة والدستور والشعب، لا حماية الأنظمة أو الأحزاب وفي المقابل، تحتاج البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة تستمد شرعيتها من المواطنين، وتمتلك القرار السياسي، مع إصلاح مؤسسي للقوات المسلحة يتم عبر ترتيبات دستورية وبرلمانية واضحة تضمن المهنية والشفافية والمساءلة
لكن هذه المعادلة لا يمكن أن تتحقق إذا بقيت القوى المدنية بعيدة عن المجتمع
فأحد أكبر أزماتها التاريخية أنها كثيرًا ما تحدثت باسم الناس أكثر مما استمعت إليهم. ولذلك فإن استعادة الشرعية تبدأ من إعادة بناء الجسر مع الداخل: الاستماع قبل الحديث، والإنصات إلى معاناة المواطنين، والانتقال من البيانات السياسية إلى العمل المجتمعي الحقيقي
كما يتطلب الأمر بناء شبكات داخل الولايات والمناطق المختلفة، وعدم اختزال السودان في نخب العاصمة أو دوائر الخارج، إضافة إلى تبني لغة سياسية تقترب من حياة الناس اليومية: الأمن، الغذاء، التعليم، الصحة، وفرص المستقبل
وفي الوقت نفسه، فإن على القوى المدنية أن تقدم نموذجًا مختلفًا في الشفافية والمساءلة، لأن من يطالب بإصلاح الدولة يجب أن يبدأ بإصلاح طريقة عمله السياسي
لكن المسؤولية لا تقع على القوى المدنية وحدها. فالمؤسسة العسكرية نفسها أمام اختبار تاريخي؛ فالحفاظ على مكانتها الوطنية لا يكون فقط بالقوة العسكرية، وإنما بقدرتها على أن تكون مؤسسة دولة تخضع للدستور والقانون، وتقبل بأن السياسة مجال مدني تديره إرادة المواطنين
إن السودان لا يحتاج فقط إلى نهاية الحرب، بل يحتاج إلى نهاية الطريقة التي كانت تنتج الحروب- عسكرة السياسة، ضعف المؤسسات، وغياب الثقة بين مكونات الدولة والمجتمع
وأمام السودانيين جميعًا، والقوى المدنية بصورة خاصة، اختبار تاريخي: هل يستطيعون الانتقال من مرحلة الاحتجاج ورد الفعل إلى مرحلة بناء مشروع دولة؟
فالمستقبل لن يصنعه من ينتصر في معركة الخطاب، بل من ينجح في بناء دولة يشعر كل سوداني أنها دولته.
|
|