حين يُرفع التافه ويُهمَّش العاقل كتبه أحمد المهدي

حين يُرفع التافه ويُهمَّش العاقل كتبه أحمد المهدي


08-03-2026, 02:33 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785720825&rn=0


Post: #1
Title: حين يُرفع التافه ويُهمَّش العاقل كتبه أحمد المهدي
Author: أحمد المهدي
Date: 08-03-2026, 02:33 AM

02:33 AM August, 02 2026

سودانيز اون لاين
أحمد المهدي-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر







ليس من الضروري أن تُهزم الأمم من خلال الحروب و ساحات القتال ، فهناك هزائم تبدأ بصمت، حين يختل ميزان القيم، ويصبح معيار الشهرة أعلى من معيار الكفاءة، ويُرفع التافه إلى منزلة القدوة، بينما يُدفع أصحاب العلم والخبرة إلى التهميش .

يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي "إذا أردت أن تهدم حضارة، فاحتقر معلماً، وأذل طبيباً، وهمِّش عالماً، وأعطِ قيمةً للتافهين." إنها مقولة يلامس في معناها حقيقة تاريخية شهدتها مجتمعات كثيرة؛ إذ إن تراجع مكانة أهل العلم وأصحاب الكفاءة غالبًا ما يكون من علامات اضطراب المجتمعات.

لقد كشفت سنوات الحرب في بلادنا عن تحولات مقلقة في المشهد العام. فبينما كان المنتظر أن تتقدم الأصوات الداعية إلى الحكمة والعقل وإيقاف نزيف الدم، برزت في المقابل شخصيات تافهة لا تملك مشروعًا وطنيًا ولا رؤية للمستقبل، لكنها نجحت في احتلال مساحة واسعة من الاهتمام، مستفيدة من مناخ الاستقطاب ومنصات التواصل الاجتماعي التي تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ المعرفة.

إن أخطر ما تفعله التفاهة ليس أنها تقدم محتوى رديئًا، بل أنها تعيد تشكيل الوعي الجمعي، فتجعل الضجيج يبدو بطولة، والابتذال حرية، والتحريض رأيًا، والكذب وجهة نظر. وعندما يحدث ذلك، يصبح من السهل تشويه صورة العقلاء، والتشكيك في كل من يدعو إلى الحوار أو السلام، واتهامه بالخيانة أو الضعف، بينما تُمنح المنابر لمن يؤججون الصراع ويستثمرون في استمراره.

ولا يمكن إغفال أن استمرار الحروب يخلق مصالح لفئات تستفيد من الفوضى، سواء كانت مصالح سياسية أو اقتصادية أو إعلامية. وفي مثل هذه البيئات يجد الخطاب الشعبوي والتضليل بيئة خصبة للانتشار، لأن الحقيقة تصبح الضحية الأولى، ويصبح الوصول إلى الجمهور مرهونًا بقدرة المتحدث على إثارة الغضب لا على تقديم الحقائق.
غير أن المسؤولية لا تقع على صناع هذا الخطاب وحدهم، بل تمتد إلى الجمهور أيضًا. فكل مشاركة لمعلومة غير موثقة، وكل احتفاء بشخصية لا تقدم سوى الإساءة أو التحريض، يسهم بقصد أو بغير قصد في ترسيخ هذا الواقع.
فالتفاهة لا تنتصر بقوتها، وإنما باتساع دائرة من يمنحونها الاهتمام والانتشار.

إن معركة السودان ليست عسكرية فقط بين قوتين تتقاتلان على السلطة ، بل هي أيضًا معركة وعي وقيم. ولن يكون بناء الدولة ممكنًا إذا ظل ميزان التقدير مختلًا، يُقصى فيه أصحاب الكفاءة، ويُكافأ أصحاب الضجيج. فالأمم تُبنى بالعلم، ويصنع نهضتها المعلم والطبيب والمهندس والباحث والمفكر، لا من يحولون آلام الناس إلى مادة للمتاجرة والاستقطاب.

إن الشعوب تستطيع أن تتجاوز آثار الحروب مهما كانت قاسية، وأن تعيد بناء ما دمرته المعارك، لكن إعادة بناء منظومة القيم أصعب بكثير. ولذلك فإن الدفاع عن الوعي، واحترام الكفاءة، واستعادة مكانة أصحاب العلم، ليست قضايا نخبوية، بل هي شروط أساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى الخروج من دوامة الحرب وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.