إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء السادس كتبه مها الهادي طبيق

إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء السادس كتبه مها الهادي طبيق


08-02-2026, 02:22 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785676954&rn=0


Post: #1
Title: إعادة تأسيس الدولة السودانية: من الحرب إلى الجمهورية الجديدة، الجزء السادس كتبه مها الهادي طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 08-02-2026, 02:22 PM

02:22 PM August, 02 2026

سودانيز اون لاين
مها الهادي طبيق-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





مها طبيق
2 اغسطس 2026

الدستور أولًا أم الانتخابات أولًا؟ معضلة الانتقال في السودان منذ سقوط الأنظمة الاستبدادية أو انتهاء الحروب الأهلية، يبرز سؤال مركزي أمام الدول الانتقالية: هل تُبنى قواعد الدولة أولًا عبر دستور جديد، أم تُمنح الشرعية لحكومة منتخبة ثم يُترك لها أمر صياغة المستقبل؟

في الحالة السودانية، لا يمثل هذا السؤال مجرد خلاف إجرائي، بل يرتبط بطبيعة الأزمة نفسها. فالمشكلة لم تكن فقط في غياب الانتخابات، وإنما في غياب اتفاق وطني حول شكل الدولة، وطبيعة نظام الحكم، وعلاقة المركز بالأقاليم، ودور المؤسسة العسكرية، وضمانات المواطنة والحقوق. ولهذا فإن الذهاب إلى انتخابات مبكرة قبل معالجة هذه القضايا قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها. فالانتخابات، رغم أهميتها، ليست علاجًا سحريًا لأزمات الدولة. فهي تمنح شرعية للحكومة، لكنها لا تبني بالضرورة مؤسسات عادلة، ولا تضمن وحدها احترام الحقوق أو إنهاء الصراعات العميقة. لقد أظهرت تجارب دول عديدة أن الانتخابات في بيئات منقسمة أو خارجة من الحرب قد تتحول إلى منافسة بين هويات متصارعة بدل أن تكون وسيلة لبناء توافق وطني. وعندما تدخل القوى السياسية الانتخابات قبل الاتفاق على قواعد اللعبة، فإن الخلاف لا ينتهي بنتائج الصندوق، بل ينتقل إلى الشارع أو المؤسسة العسكرية.

في المقابل، فإن التركيز على الدستور أولًا يطرح فكرة مختلفة: بناء الإطار الذي سيحكم التنافس السياسي قبل بدء التنافس نفسه. أي الاتفاق على شكل الدولة، ونظام الحكم، وتوزيع السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحقوق الأساسية، وطبيعة العلاقة بين المدني والعسكري. لكن هذا الخيار يواجه تحدياته أيضًا.

فالدستور لا يمكن أن يكون وثيقة تفرضها نخبة محدودة أو قوة منتصرة، لأن الدساتير الناجحة لا تُكتب فقط بواسطة القانونيين والسياسيين، بل تنبع من توافق اجتماعي واسع. وإلا تحولت إلى وثيقة فوقية لا تعبر عن المجتمع ولا تحظى بالاحترام. وهنا تظهر أهمية المرحلة الانتقالية. فالمرحلة الانتقالية ليست فترة فراغ سياسي أو مجرد انتظار للانتخابات، بل هي مرحلة تأسيسية تهدف إلى معالجة القضايا التي تجعل الانتخابات ذات معنى. فهي الفترة التي يتم فيها إصلاح المؤسسات، وإعادة بناء القطاع الأمني، وإعادة النازحين، ومعالجة آثار الحرب، وتهيئة البيئة السياسية.

بالنسبة لمشروع "حكومة التأسيس"، فإن التحدي الأساسي هو تحديد طبيعة هذه المرحلة: هل هي مرحلة انتقالية قصيرة هدفها الوصول السريع إلى الانتخابات؟ أم مرحلة تأسيسية أوسع هدفها تغيير بنية الدولة قبل الانتقال إلى النظام الدائم؟ الإجابة تعتمد على فهم طبيعة الأزمة.

فإذا كانت الأزمة مجرد خلاف سياسي على السلطة، فإن الانتخابات قد تكون الحل الأسرع. أما إذا كانت الأزمة أزمة دولة ومؤسسات وهوية سياسية، فإن التسرع في الانتخابات قد يؤدي إلى منح الشرعية لنظام سياسي يحمل نفس الاختلالات القديمة.

لكن التأجيل المفتوح للانتخابات يحمل مخاطر كبيرة أيضًا. فكل مرحلة انتقالية بلا أفق زمني واضح قد تتحول إلى سلطة دائمة تبرر استمرارها باسم التأسيس أو حماية الثورة. ولذلك فإن نجاح أي نموذج انتقالي يتطلب توازنًا بين بناء المؤسسات وضمان الانتقال الديمقراطي.

المعادلة ليست إذن: دستور أو انتخابات، بل كيف نجعل الدستور والانتخابات جزءًا من مسار واحد. فالدستور يحدد قواعد الدولة، والانتخابات تمنح الشعب حق اختيار من يدير هذه القواعد. إن السودان لا يحتاج فقط إلى انتخابات تعيد إنتاج النخب، ولا إلى دستور يبقى حبرًا على ورق، بل يحتاج إلى عقد سياسي جديد يجعل الانتخابات أداة للمحاسبة، والدستور ضمانة للحقوق، والمؤسسات حامية للاستقرار.

فالدولة لا تُبنى بالتصويت وحده، كما لا تُبنى بالنصوص وحدها. إنها تُبنى عندما يصبح القانون فوق الجميع، وعندما يشعر المواطن أن صوته وحقوقه ومكانه في الدولة مصانة قبل وبعد يوم الانتخابات.

مها الهادي طبيق
2 اغسطس 2026