من تسمية الأزمة إلى بنائها المؤسسي قراءة في مقال د. صلاح أحمد الحبو: «الحاضنة السِّلمية للحوار» من

من تسمية الأزمة إلى بنائها المؤسسي قراءة في مقال د. صلاح أحمد الحبو: «الحاضنة السِّلمية للحوار» من


07-31-2026, 11:43 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785494596&rn=0


Post: #1
Title: من تسمية الأزمة إلى بنائها المؤسسي قراءة في مقال د. صلاح أحمد الحبو: «الحاضنة السِّلمية للحوار» من
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 07-31-2026, 11:43 AM

11:43 AM July, 31 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



من تسمية الأزمة إلى بنائها المؤسسي
قراءة في مقال د. صلاح أحمد الحبو: «الحاضنة السِّلمية للحوار»
من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة

د. على عبدالله الخليفة طه

يقدّم د. صلاح الحبو، في مقاله «الحاضنة السِّلمية للحوار»، تشخيصًا منهجيًا رصينًا لأزمة متكررة في المسار السوداني: أن التفاوض حين يسبق بناء بيئته يتحول إلى مساومة على موازين القوة لا إلى عقد سياسي مؤسس. وهو تشخيص لا يُختلف حول صحته، بل حول ما بعده؛ إذ يقف المقال عند حدود التسمية المفاهيمية للحاضنة، دون أن ينزل إلى آلياتها التنفيذية. وهذا بالضبط هو الموضع الذي تنطلق منه هذه القراءة.

أولًا: مواضع الالتقاء الجوهري

حين يكتب الحبو أن «الحوار لا يصنع الثقة من العدم، ولا يُنشئ المؤسسات، وإنما يترجم ما سبق بناؤه داخل المجتمع والدولة»، فهو يصف بدقة سبب الانهيار المتكرر لبنية «تقاسم السلطة» التي قامت عليها اتفاقية أديس أبابا (1972)، ونيفاشا (2005)، وجوبا (2020) على التوالي. وهذا هو عين النقد الذي يوجهه ميثاق النجاة وبناء الدولة لهذه المحطات الثلاث تحديدًا: أنها أضافت فاعلين إلى بنية السلطة القائمة، أكثر مما أعادت بناء مؤسسات الدولة نفسها.
كما أن قراءته لتجربتي رواندا وجنوب أفريقيا، بوصفهما نموذجين بدآ من «إعادة تأسيس المجال العام» قبل تقاسم السلطة، تتقاطع مباشرة مع بنية العدالة الانتقالية الثلاثية في الميثاق: مجالس المصالحة المحلية، فلجنة الحقيقة والتعويض، فدائرة الجرائم الكبرى دون عفو. فهذه البنية صُممت أصلًا لتكون الآلية التي «تكشف الحقيقة وتحقق الاعتراف المتبادل» — وهو بعينه ما يصفه الحبو بأنه شرط سابق للمصالحة السياسية في التجربة الجنوب أفريقية.

ثانيًا: من التسمية إلى الآلية، الفجوات الثلاث

يُعدد المقال مكونات «الحاضنة» بدقة: تحييد خطاب الكراهية، واستعادة حياد المؤسسات، وإطلاق حوار مجتمعي يتجاوز النخب، وإرساء عدالة انتقالية، والتوافق على مبادئ دستورية عليا. غير أن هذه المكونات تُطرح كلها بصيغة الغائب: من الفاعل الذي يحملها؟ وعبر أي بنية تنظيمية تتحرك؟ وما التسلسل الذي يربط بينها؟
هذه هي بعينها الفجوات الثلاث التي عالجها «بروتوكول التفعيل» في الميثاق، بوصفها الشرط اللازم لتحويل أي تشخيص صحيح إلى مسار قابل للتنفيذ:
فجوة التمثيل: من يملك صفة تمثيل «المجتمع» الذي يتجاوز النخب المتصارعة؟ الحاضنة، كما يصفها الحبو، تفترض طرفًا ثالثًا محايدًا يحملها، لكنها لا تسمّيه. يجيب الميثاق عن هذا عبر الركيزة الرابعة: تمثيل إقليمي موزون لا يخضع لمنطق الوفود الحزبية والعسكرية التي أنتجت جوبا ونيفاشا.
فجوة التسلسل الزمني: أي هذه المكونات يُبنى أولًا؟ استعادة حياد المؤسسات تحتاج سلطة تنفذها، والعدالة الانتقالية تحتاج مصالحة محلية سابقة تمنحها شرعيتها الشعبية. الميثاق يحدد تسلسلًا صريحًا يبدأ من القاعدة المحلية لا من القمة السياسية، عبر الشرعية الوظيفية التصاعدية.
فجوة الأداة التنفيذية: من ينفذ «تحييد خطاب الكراهية» و«استعادة حياد المؤسسات» على الأرض، في ظل دولة منقسمة على نفسها؟ الميثاق يجيب عبر النفير الوطني الكبير، بوصفه آلية تنفيذ شعبية لا تنتظر إرادة السلطة القائمة ولا تتوقف على توقيعها.

ثالثًا: خطر إعادة إنتاج الصراع داخل الحاضنة نفسها

ثمة سؤال لم يطرحه المقال، وهو أخطر ما يواجه أي حاضنة مقترحة: من يضمن ألا تتحول «الحاضنة» نفسها إلى ساحة صراع جديدة على تمثيل «المجتمع» و«النخب»؟ فكل هيئة توافقية في التاريخ السوداني الحديث انتهت، عاجلًا أو آجلًا، إلى إعادة إنتاج صراع السلطة داخل جسدها، لأن من يديرها سياسيًا هو نفسه من يستفيد من نتائجها.
يعالج الميثاق هذا الخطر عبر الجدار المؤسسي الفاصل بين طبقتين: طبقة سياسية تتفاوض وتمثّل، وطبقة مدنية-تنفيذية تدير مسار العدالة الانتقالية وبناء الثقة، بحيث لا تملك الطبقة السياسية سلطة التدخل في عمل الثانية. وهذا الفصل هو ما يمنح «الحاضنة» صفة الحياد التي يطالب بها الحبو نفسه، بدل أن تبقى حيادًا مأمولًا بلا ضمانة مؤسسية.
«فالدول لا تستقر عندما تتوازن القوى، بل عندما تتوازن المؤسسات، ولا يحمي السلام توقيع الاتفاقات، بل وجود دولة قادرة على صونها.» — د. صلاح الحبو
هذه الخلاصة التي ينتهي إليها المقال صحيحة تمامًا، وهي نفسها الفرضية التأسيسية للميثاق. غير أن السؤال الذي يبقى معلقًا هو: كيف يُبنى هذا التوازن المؤسسي في بلد فقد، كما يصف الحبو في ختام مقاله، رأسماله المؤسسي والرمزي معًا؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تكون بإعادة تسمية الحاجة، بل بتحديد الفاعل والأداة والتسلسل الذي يبني هذا التوازن من الصفر.

خلاصة

مقال د. الحبو يقدّم تبريرًا نظريًا رصينًا لضرورة ما يشتغل عليه الميثاق أصلًا؛ فهو يصف بدقة عوار البنية التي أنتجت الانهيارات المتكررة، ويستدعي التجارب الإقليمية الناجحة بوصفها شواهد على أولوية بناء الثقة على تقاسم السلطة. لكنه يتوقف عند حدود التسمية المفاهيمية، حيث يبدأ عمل الميثاق الفعلي: في تحديد من يمثّل، وبأي تسلسل يُبنى، وبأي أداة يُنفذ، وتحت أي جدار مؤسسي يُصان الحياد من الانهيار الذي أصاب كل تجربة توافقية سبقته.