أحمد الحاج… الروائي الذي انتصر للإنسان كتبه دكتور الوليد آدم مادبو

أحمد الحاج… الروائي الذي انتصر للإنسان كتبه دكتور الوليد آدم مادبو


07-31-2026, 11:41 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785494492&rn=0


Post: #1
Title: أحمد الحاج… الروائي الذي انتصر للإنسان كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 07-31-2026, 11:41 AM

11:41 AM July, 31 2026

سودانيز اون لاين
الوليد ادم مادبو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






ليس كل كاتب يشبه كتبه، لكن كل كاتب صادق يترك شيئًا من روحه فيها، مهما حاول أن يتوارى خلف شخصياته وأحداثه. فالأدب، في نهاية المطاف، ليس حكاية تُروى بقدر ما هو إنسان يكشف عن نفسه على مهل. وهذا ما حدث لي مع أحمد الحاج. ظننت أنني أقرأ رواية عن الوطن، فإذا بي أتعرف إلى إنسان جعل من الوطن طريقًا إلى الإنسان، وجعل من الإنسان غاية كل وطن.

ثمة رجال تخونهم ملامحهم. تراهم لأول وهلة فتخالهم شديدي الصرامة، مقتصدين في انفعالاتهم، لا يسمحون للعاطفة أن تتقدم على العقل. ثم ما إن تقترب منهم، أو تقرأ لهم، حتى تكتشف أن تلك الصرامة ليست سوى ستار يخفي قلبًا بالغ الرهافة، وروحًا جبلت على حب الناس، والانتصار للمستضعفين، والإيمان بأن الإنسان هو الغاية الأولى لكل مشروع وطني نبيل.

ذلك هو أحمد الحاج كما قرأته بين سطور روايته التاسع من أغسطس 1924.

ولم تكن قراءتي لهذه الرواية معزولة عن معرفتي بمشروعه الروائي كله. فمن يتتبع أعمال أحمد الحاج، ولا سيما فشودة والأفعوانية والتاسع من أغسطس، يدرك أنه لا يكتب التاريخ لذاته، ولا يستعيد الوقائع بدافع الحنين، وإنما يخوض معركة فكرية ضد البنية الثقافية التي قامت على العنصرية، ويرى أن تلك البنية هي التي أنجبت سردية وطنية مشروخة، انعكست في ترتيبات سياسية ودستورية حجبت إمكانية قيام سودان يتأسس على المساواة والعدالة. لذلك فإن رواياته، وإن اختلفت موضوعاتها، تصب جميعها في نهر واحد هو البحث عن وطن يتسع لجميع أبنائه.

بدأت الرواية كما لو أنها تمشي على الحد الفاصل بين السرد والبيان الفكري. جاءت اللغة واثقة، والمواقف واضحة، والإحالات التاريخية كثيفة، حتى شعرت أحيانًا أن الكاتب يكتب مسودة لرؤيته السياسية بلغة أدبية. وقد منح ذلك النص قوة فكرية لا تخطئها العين، لكنه، في بعض المواضع، ضيّق مساحة الدهشة التي تمنحها الرواية عادة حين تترك للقارئ فرصة أن يكتشف الحقيقة بنفسه. ومع ذلك، ما إن تتقدم الأحداث حتى يبدأ الخطاب الفكري في الانسحاب لصالح الإنسان، فيغادر الكاتب منصة المؤرخ إلى فضاء الحكّاء، وتصبح المشاعر أبلغ من الشعارات.

وهنا اكتشفت أحمد الحقيقي.

اكتشفت إنسانًا يدرك أن الأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا بالخطب الرنانة، وإنما تُبنى أيضًا بالعشق، وبالرحمة، وبالقدرة على رؤية الإنسان قبل أن يُرى المواطن أو الجندي أو الزعيم.

كانت المرأة في الرواية أكثر من شخصية عابرة؛ كانت استعارة للوطن نفسه. فالمرأة، كما بدت في وجدان الكاتب، هي الوطن الذي نسكنه ويسكننا. مرة تكون زوجة تمنحنا الطمأنينة، ومرة تكون عشقًا عصيًا نظل نطارده ما حيينا. وما الوطن إلا تلك الأنثى الكبرى التي لا ينتهي الشوق إليها مهما ابتعدنا عنها.

ولعل أجمل ما في الرواية أنها لم تحتف بالأبطال التقليديين وحدهم، بل احتفت بكل من أسهم في صناعة الوجدان الوطني. للشاعر مكانه، وللمغني رسالته، وللجندي شرفه، وللمرأة حضورها الذي لا يقل أثرًا عن حضور الرجال. ذلك أن أحمد الحاج يؤمن بأن الأمم لا تصنعها البنادق وحدها، وإنما تصنعها الكلمة، والأغنية، والحب، والذاكرة.

ويحسب لأحمد الحاج أيضًا حسه السينمائي الرفيع. فهو لا يصف المشهد بقدر ما يجعلك تقف داخله. تتحرك الشخصيات أمامك، وتكاد تسمع أنفاسها، وتشعر بارتجافها، وتعيش انتظارها. ولعل هذا البعد البصري من أكثر ما يميز أسلوبه السردي، إذ يمنح الرواية طاقة تصويرية تجعل كثيرًا من صفحاتها قابلة لأن تتحول إلى مشاهد سينمائية دون عناء. وربما كان منتدى “فوز” أجمل مثال على ذلك؛ فقد جاء نابضًا بالحياة، وإن كنت قد شعرت أحيانًا أن الحضور الكثيف للشعر فيه تجاوز ما يحتمله المشهد الطبيعي، فمال قليلًا إلى الاحتفاء بالأدب على حساب العفوية الاجتماعية.

ولعل أكثر ما أدهشني في هذا الحس التصويري تلك اللحظة التي يصف فيها الشول وهي تتهيأ للنهوض، فتستعدل ثوبها في حركة عابرة لا تكاد تستغرق سوى لحظات. غير أن أحمد الحاج يكتبها بكثافة شعورية ومهارة بصرية تجعل الزمن يتمدد، ويكاد قلب القارئ يقفز من قفصه، فتتلقفه راحتا يديه قبل أن يهدأ. هنا لا يعود الوصف مجرد نقلٍ لحركة جسد، وإنما يصبح كشفًا عن توتر النفس، ولهفة الانتظار، وارتباك المشاعر. إنها من تلك الصفحات التي يتجلى فيها أحمد السينمائي بقدر ما يتجلى أحمد الروائي؛ إذ يحول إيماءة صغيرة إلى مشهد كامل، نابض بالحياة، لا يُرى بالعين وحدها، وإنما يُعاش بالقلب أيضًا.

وكان أكثر ما شدني في شخصيته ذلك النبل الإنساني الذي يتسلل بهدوء بين السطور. فهو يلتمس للناس أعذارهم، ويغفر الضعف الإنساني، ويتفهم لحظات الانكسار، لكنه يقف موقفًا لا يعرف المساومة أمام الخيانة. فالخيانة، في عالمه، ليست مجرد خطأ، وإنما انهيار أخلاقي يفقد الإنسان استحقاقه للثقة.

ومن هنا لم تعد الرواية بالنسبة إلي مجرد استعادة لثورة 1924، بل أصبحت مساءلةً للحاضر. فما أكثر ما تبدلت الأسماء، وما أقل ما تبدلت الأسئلة. لماذا يتكرر الغدر بالأوطان؟ ولماذا يُقصى المخلصون بينما يتصدر الانتهازيون؟ وكيف يتحول الانتماء للوطن إلى ولاءات ضيقة للطائفة أو القبيلة أو العرق؟

كانت أورطة النوبة في الرواية مثالًا ناصعًا لأولئك الذين منحوا الوطن أكثر مما أخذوا منه، فلم يحصدوا إلا النكران. ولم تكن تلك الإشارة مجرد استحضار لواقعة تاريخية، بل تذكيرًا مؤلمًا بأن الأمم التي لا تحفظ جميل أوفيائها محكوم عليها بأن تعيد إنتاج مآسيها.

ومن اللفتات البارعة في الرواية إشارة الكاتب إلى أثر تعاقب الأجيال في صناعة التحول الاجتماعي والسياسي. فقد أدرك أن الأبناء لا يرثون بالضرورة طرائق آبائهم في التفكير، وأن الوعي يتقدم ببطء، لكنه حين يتجذر يصبح أقوى من الموروثات الجامدة. وفي ذلك دعوة صريحة إلى بناء وطن يقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن كل أشكال التمييز.

ومع اتفاقي مع كثير من الأسئلة التي يثيرها الكاتب، فقد وجدت نفسي، في بعض المواضع، أختلف مع بعض خلاصاته. فقد بدا لي أن الرواية تميل إلى توجيه القارئ نحو تبني تفسير محدد لثورة 1924، وتمنح علي عبد اللطيف موقع الذروة النهائية في تشكل الوعي الوطني، بينما أميل إلى النظر إلى تجربته بوصفها محطة مفصلية في مسار أطول وأعقد. كما أن تصوير العلاقة بين الحركة الوطنية والقوى التقليدية جاء حادًا إلى حد كبير، في حين أن قراءة تلك المرحلة تحتمل زوايا أخرى، خاصة إذا استحضرنا طبيعة الصراع الإقليمي آنذاك، وما كانت تمثله مصر، في نظر كثير من القيادات السودانية، من تحدٍ استراتيجي لا يقل خطورة عن الاستعمار البريطاني. غير أن قيمة الرواية، في تقديري، لا تكمن في أن نتفق مع كل أحكامها، وإنما في أنها تدفعنا إلى إعادة التفكير في تاريخنا، وهو ما ينجح الأدب الكبير في فعله دائمًا.

لقد بدأ أحمد الحاج روايته صارمًا في أحكامه، لكنه أنهاها أكثر إيمانًا بالإنسان. وكأن الكاتب نفسه كان يخوض رحلة داخلية، ينتقل فيها من محاكمة التاريخ إلى مصالحة الإنسان مع ضعفه، دون أن يتنازل لحظة واحدة عن إدانة الخيانة أو تبرير الظلم.

عندما أغلقت الرواية، لم يكن أكثر ما بقي في ذاكرتي أحداثها، ولا شخصياتها، ولا حتى لغتها الباذخة، وإنما بقي أحمد الحاج نفسه. ذلك الإنسان الذي حاولت قسمات وجهه أن توحي بالصرامة، بينما كانت روايته تبوح بقلب لا يعرف إلا الانحياز للإنسان، والوفاء للوطن، والرحمة بالضعفاء.

لهذا خرجت من الرواية وأنا أكثر يقينًا بأن الأدب العظيم لا يطلب من قارئه أن يوافقه في كل شيء، وإنما ينجح أولًا في أن يجعله يفكر، ويعيد النظر، ويحاور نفسه. وأحسب أن أحمد الحاج، حتى حين يبالغ في الدفاع عن بعض أطروحاته، يظل وفيًا لقيمته الكبرى: الانتصار للإنسان، والسعي إلى وطن يتجاوز ميراث العنصرية والتمييز، ويعيد الاعتبار للكرامة والعدالة بوصفهما أساس كل مشروع وطني.

ولعل هذا هو الإرث الحقيقي الذي يتركه الأدباء الكبار؛ فهم لا يورثوننا الكتب وحدها، بل يورثوننا طريقة أرقى في النظر إلى الإنسان والوطن والتاريخ.