شاكيرا.. وأنصاف المواهب كتبه كمال الهِدَي

شاكيرا.. وأنصاف المواهب كتبه كمال الهِدَي


07-30-2026, 04:49 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785426546&rn=0


Post: #1
Title: شاكيرا.. وأنصاف المواهب كتبه كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 07-30-2026, 04:49 PM

04:49 PM July, 30 2026

سودانيز اون لاين
كمال الهدي-عمان
مكتبتى
رابط مختصر



تأمُلات





خلال أيام كأس العالم، استوقفتني مشاهد ومواقف كثيرة كتبت عنها وقتها باعتبارها دروساً تستحق التأمل، لا مجرد لحظات عابرة للإعجاب والانبهار.

فما أكثر ما ننبهر بتجارب الآخرين وإبداعاتهم، ثم لا نلبث أن نطويها مع انتهاء الحدث، وكأنها لم تكن. أما الاستفادة منها، وتحويلها إلى ثقافة وسلوك، فذلك ما لا نجيده. ولذلك نظل ــ بدءاً من مسؤولينا، مروراً بإعلامنا، وانتهاءً بجمهورنا ــ نكرر الأخطاء نفسها، لأننا لا نمتلك الغيرة الإيجابية التي تدفع الأمم إلى التعلم من نجاحات غيرها.

وكان آخر ما شد انتباهي، بعد إسدال الستار على التظاهرة العالمية، مشهد وداع المغنية العالمية شاكيرا لأطفال الغيتو، أولئك الراقصين اليوغنديين الصغار الذين شاركوها العرض في حفل الختام.

بدت شاكيرا شديدة التأثر وهي تعانقهم. وحين لمست حزنهم لفراقها، سارعت إلى مواساتهم، ووعدتهم بأن تجمعهم بها تجربة فنية جديدة في مدريد. لم يكن الموقف مجرد وداع، بل كان درساً بليغاً في الإنسانية والتواضع.

وأنا أتابع ذلك المشهد، تساءلت: هل يمكن أن يتعلم بعض نجوم مجتمعنا من هذا الدرس؟ وهل يدركون أن قيمة الفنان لا تُقاس بعدد الحراس الذين يحيطون به، ولا بحجم الضجيج الذي يسبقه، وإنما بقدر ما يحمله من إنسانية وتواضع واحترام للناس؟

فالفارق شاسع بين فنانة عالمية تتنافس أكبر المحافل الدولية على استضافتها، وبين نجوم محليين صنعتهم الأضواء قبل أن تصنعهم الموهبة والتجربة.

في المجتمعات المتقدمة، كلما ارتفع شأن الإنسان ازداد بساطة. أما عندنا، فقد أصبحت المبالغة في صناعة الهالة الشخصية جزءاً من المشهد الفني. وكأن التكلف صار بديلاً للموهبة، والاستعراض بديلاً للإبداع.

نجمة بحجم شاكيرا تحتضن أطفالاً أفارقة بمحبة أم تفارق أبناءها، بينما يتصرف بعض أنصاف المواهب عندنا وكأنهم فتحوا العالم فناً وإبداعاً.

تشاهد مطرباً أو مطربة سودانية في بداياتها تتجه إلى قاعة لإحياء حفل، فيخيل إليك أنك أمام مراسم استقبال رئيس دولة. يصطف المستقبلون على جانبي المدخل، وتتقدم هي بخطوات محسوبة، تحمل هاتفها النقال في يدها، ويحيط بها عدد من الحراس الشخصيين. ويبقى السؤال: ما كل هذا التكلف؟ ومن الذي أقنع هؤلاء بأن حمل الهاتف أثناء الدخول، بل وحتى أثناء الغناء، عنوان للأناقة أو مظهر من مظاهر "البرستيج"؟

إنها سلوكيات لا تعكس نجاحاً، بقدر ما تكشف فراغاً في الوعي، وتوحي بأن صاحبها يفتقد الثقة التي تغني المبدع عن كل مظاهر التصنع.

فالفنان الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض حضوره، لأن حضوره تصنعه أعماله. وهو أكثر الناس بساطة في التعامل مع جمهوره، وأقلهم انشغالاً بالمظاهر، لأن وقته وطاقته يذهبان إلى تطوير فنه، لا إلى صناعة صورة زائفة عن نفسه.

والمفارقة أن عمالقة الفن السوداني لم يعرفوا هذا اللون من التكلف. كانوا قريبين من الناس، عفويين في حياتهم، متواضعين في سلوكهم، ولذلك بقيت أعمالهم حية في الوجدان، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.

أما اليوم، فكثير من الشباب يرددون أغنيات أولئك الرواد، لكنهم لا يقتدون بأخلاقهم ولا بتواضعهم؛ فالتراث لا يُورث بالأغنيات وحدها، وإنما يُورث أيضاً بالقيم التي صنعت أصحابه. وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كنتم لا تتأسون بالآباء في السلوك، فلماذا تحرصون على ترديد أغنياتهم؟