Post: #1
Title: 2-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟ العلمانية
Author: خالد كودي
Date: 07-30-2026, 01:26 PM
01:26 PM July, 30 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
2-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟ العلمانية ليست فكرة مستوردة، بل ضمانة دستورية للمواطنة
30/7/2026 خالد كودي،
ثامناً: لماذا تصبح كل أفكار الحداثة مقبولة... إلا المساواة؟ من أكثر المفارقات لفتًا للانتباه في مقال د. عبد الله علي إبراهيم أنه يشكك في العلمانية لأنها، في نظره، فكرة مستوردة تعاملت معها الحركة الشعبية وبعض النخب السودانية كما لو كانت "نسخة كربونية" من التجربة الغربية. غير أن هذا الاعتراض يثير سؤالًا أبسط وأكثر إحراجًا: إذا كان مصدر الفكرة هو معيار قبولها أو رفضها، فلماذا لا يُطبَّق هذا المعيار إلا على العلمانية؟ فالدولة التي يدافع عنها د. عبد الله نفسها ليست نتاجًا سودانيًا خالصًا. فالبرلمان، والدستور المكتوب، والوزارات، والقضاء الحديث، والانتخابات، والأحزاب السياسية، والجامعات، والجيش النظامي، والقانون المدني، والقانون الجنائي، والبنك المركزي، والدولة القومية ذات السيادة والحدود، كلها مؤسسات تشكلت في سياق الحداثة الأوروبية ثم انتقلت إلى بقية العالم. ومع ذلك لا يصفها أحد بأنها أفكار "دخيلة" ينبغي رفضها حفاظًا على الأصالة، ولا يدعو أحد إلى هدمها لأنها لم تولد في السلطنة الزرقاء أو دولة المهدية.. ولا يقف الأمر عند مؤسسات الدولة الحديثة. فحتى المشروع الإسلامي السياسي الذي يُقدَّم بوصفه بديلاً أصيلًا للعلمانية هو نفسه مشروع حديث، صاغه مفكرون مثل حسن البنا، وأبي الأعلى المودودي، وسيد قطب في ظل الدولة القومية الحديثة، واستعار كثيرًا من مفاهيمها الأساسية في السيادة، والدستور، والتنظيم، والحزب، والإدارة المركزية. فهو ليس استمرارًا بسيطًا للنموذج الإسلامي التاريخي، بل اجتهاد سياسي معاصر تشكل في حوار مباشر مع الحداثة، لا خارجها. وهذا ليس استثناءً في تاريخ الحضارات، بل هو القاعدة. فالفكر الإسلامي الكلاسيكي اقتبس من الفلسفة اليونانية، واستفاد من التراث الفارسي والإدارة البيزنطية، كما اقتبست أوروبا نفسها من العلوم العربية والإسلامية. ولم يكن تبادل الأفكار يوماً عيباً، بل كان أحد أهم محركات التقدم الإنساني. فالحضارات لا تتطور بالعزلة، وإنما بالتفاعل والنقد وإعادة إنتاج المعرفة في سياقات جديدة. ولذلك لم يكن السؤال التاريخي يومًا: من أين جاءت الفكرة؟ بل: هل هي صالحة لتحقيق العدالة وحل مشكلات المجتمع؟ بل إن كثيرًا من الرافضين للعلمانية لا يكتفون باستيراد مؤسسات الدولة الحديثة، وإنما يستندون أيضًا إلى اجتهادات فقهية وسياسية معاصرة جاءت من خارج السودان، سواء من الجزيرة العربية أو شبه القارة الهندية، ويتعاملون معها بوصفها التعبير الطبيعي عن الإسلام السوداني. وهنا يفقد اعتراض "الاستيراد" أي اتساق منطقي؛ إذ لا يصبح الاقتباس من الخارج مشكلة إلا عندما يتعلق بمبدأ المساواة بين المواطنين. ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: هل جاءت العلمانية من الغرب؟ بل: لماذا لا يُكتشف خطر "الأفكار المستوردة" إلا عندما تكون الفكرة هي المساواة في المواطنة؟ فالاعتراض، في حقيقته، لا يبدو موجهًا إلى مصدر الفكرة، بقدر ما هو موجه إلى نتائجها السياسية. فالدولة الحديثة مقبولة، والبرلمان مقبول، والدستور مقبول، والجامعة مقبولة، والاقتصاد الرأسمالي مقبول، ومناهج البحث الأكاديمي مقبولة، بل حتى الأدوات الفكرية التي يستخدمها د. عبد الله نفسه في قراءة التاريخ تنتمي إلى الحداثة الغربية. لكن عندما تصل الحداثة إلى أهم نتائجها الأخلاقية والسياسية، وهي أن المسلم والمسيحي، وصاحب المعتقد الأفريقي، واللاديني، والعربي، والنوباوي، والرباطابي، والفوراوي، والبجاوي، جميعهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، ولا يملك أحد امتيازًا دستوريًا بسبب دينه أو إثنيته، تستيقظ فجأة حساسية "الاستيراد"، ويصبح الاقتباس من الغرب تهديدًا للهوية! وهنا تنكشف طبيعة الخلاف الحقيقي. فالمشكلة ليست في أن العلمانية جاءت من الغرب، لأن معظم مؤسسات الدولة التي يدافع عنها خصومها جاءت من الغرب أيضًا. وليست المشكلة في الاقتباس، لأن الاقتباس كان دائمًا أحد شروط تطور الحضارات. وإنما تكمن المشكلة في أن العلمانية، بخلاف البرلمان أو الوزارة أو الجامعة، تنهي الامتيازات القانونية والرمزية التي تمتعت بها النخب المهيمنة تاريخيًا باسم الدين والثقافة والهوية، وتحول الدولة من ملكية سياسية لجماعة بعينها إلى إطار دستوري يتساوى فيه جميع المواطنين. ولهذا فإن وصف العلمانية بأنها "فكرة مستوردة" لا يفسر سبب رفضها، بل يكشف أن معيار القبول ليس مصدر الفكرة، وإنما أثرها في بنية السلطة. فكل فكرة تساعد على استمرار الدولة المنحازة تمر بسهولة وتصبح جزءًا من "الأصالة"، أما الفكرة التي تجعل الدولة محايدة، وتجعل جميع المواطنين متساوين أمام القانون، فإنها تُتهم فورًا بأنها وافدة وغريبة ومستوردة ولو كان د. عبد الله علي إبراهيم منسجمًا مع منطقه، لكان عليه أن يبدأ برفض الدولة الحديثة نفسها ومؤسساتها وقوانينها ومناهجها، لأنها جميعًا نتاج تاريخي خارج السودان. أما أن يقبل معظم منتجات الحداثة السياسية، ثم يستثني منها المبدأ الذي يضمن المساواة الكاملة بين المواطنين، فذلك لا يكشف عن مشكلة في مصدر الفكرة، وإنما عن انتقائية في التعامل مع الحداثة نفسها؛ انتقائية تقبل منها ما يحافظ على بنية السلطة القائمة، وترفض منها ما ينهي الامتيازات التاريخية ويجعل الدولة ملكًا لجميع مواطنيها على قدم المساواة.
تاسعاً: هل فهم د. عبد الله علي إبراهيم العلمانية حقاً؟ بعد عقود طويلة قضاها د. عبد الله علي إبراهيم في البحث والكتابة، يحق للقارئ أن يتساءل: هل يعكس مقاله فهماً معاصراً لمفهوم العلمانية كما تطور في الفلسفة السياسية والقانون الدستوري، أم أنه يقدم صورة مبسطة تختزلها في تجربة تاريخية واحدة وصراع أوروبي بين الكنيسة والدولة؟ تثير هذه التساؤلات لأن المقال لا يناقش العلمانية كما يفهمها كبار منظري الفكر السياسي الحديث النبهاء، وإنما يقدمها وكأنها عقيدة أيديولوجية جامدة أو "منتج غربي" مكتمل جرى تصديره إلى بقية العالم. وهذه ليست القراءة السائدة اليوم في الأدبيات الأكاديمية. فأول ما يغيب عن المقال هو التمييز بين ثلاثة مفاهيم مختلفة كثيراً ما تُخلط في النقاش العربي: Secularization - (العَلمنة) وهي عملية اجتماعية تاريخية تشير إلى تراجع النفوذ المؤسسي للدين في بعض مجالات الحياة العامة، وهي عملية وصفية وليست مبدأً دستورياً. Secularism- (العلمانية الدستورية أو السياسية): وهي مبدأ قانوني ينظم علاقة الدولة بالأديان، ويضمن حياد مؤسسات الدولة تجاه معتقدات المواطنين، دون أن يفرض الإيمان أو الإلحاد. Laïcité- (اللائكية الفرنسية): وهي نموذج فرنسي خاص نشأ في ظروف تاريخية محددة اتسمت بصراع طويل مع الكنيسة الكاثوليكية، ولا يمثل النموذج الوحيد للعلمانية. إن الخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة يؤدي إلى بناء نقد على تصور غير دقيق للموضوع نفسه. فالدكتور على طول تاريخ تشويشه هنا يصبح "محتال وامسك بماسورة" بمحض ارادته! منذ القرن السابع عشر، لم تنشأ العلمانية بوصفها إعلاناً للحرب على الدين، بل بوصفها وسيلة لإنهاء الحروب الدينية. فقد دافع جون لوك في رسالته الشهيرة رسالة في التسامح (1689) عن ضرورة الفصل بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة، لأن وظيفة الدولة حماية الحقوق المدنية، لا خلاص الأرواح. أما باروخ سبينوزا فقد رأى في الرسالة اللاهوتية السياسية أن حرية التفكير شرط لاستقرار الدولة، وأن احتكار التأويل الديني بواسطة السلطة السياسية يقود حتماً إلى الاستبداد. ثم جاء توماس جيفرسون ليتحدث عن "الجدار الفاصل بين الكنيسة والدولة"، وهو التعبير الذي أصبح لاحقاً من أكثر المبادئ تأثيراً في الفقه الدستوري الأمريكي، وصاغ جيمس ماديسون دفاعاً فلسفياً وقانونياً متاح عن حرية الضمير، معتبراً أن أخطر أشكال الطغيان هو أن تتبنى الدولة ديناً بعينه، لأن ذلك يحول المواطنة إلى امتياز يمنح على أساس العقيدة. وفي القرن العشرين، تجاوز النقاش سؤال الفصل المؤسسي إلى سؤال العدالة السياسية. فاعتبر جون رولز أن الدولة العادلة لا يمكن أن تستند إلى عقيدة دينية أو فلسفية واحدة، وإنما إلى مبادئ سياسية يقبلها المواطنون على اختلاف معتقداتهم. أما يورغن هابرماس فقد رفض القراءة المتشددة للعلمانية، مؤكداً أن المتدين وغير المتدين شريكان في المجال العام، شرط ألا تحتكر الدولة تفسير الحقيقة الدينية أو تفرضها على الجميع. ويذهب تشارلز تايلور الذي استدلينا به مرارا في مقالاتنا إلى أن جوهر العلمانية ليس إقصاء الدين، وإنما تحقيق ثلاثة أهداف متلازمة: حماية حرية الضمير، والمساواة الكاملة بين المواطنين، وضمان حياد الدولة تجاه جميع المعتقدات. في ضوء هذه الأدبيات، يصبح اختزال العلمانية في كونها "منتجاً غربياً" أو "مسلمة فكرية" لا يعكس التطور الحقيقي لهذا المفهوم، الذي أصبح اليوم جزءاً من فلسفة الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان أكثر من كونه امتداداً لتجربة أوروبية بعينها.
عاشراً: لماذا تصبح المساواة وحدها "مستوردة"؟ هنا نصل إلى لب القضية مع د. عبد الله علي إبراهيم ومايمثل. فالنقاش في السودان لم يكن يوماً حول مصدر الأفكار، وإنما حول نتائجها السياسية. كما اسلفنا: إذا كانت الدولة الحديثة نفسها مستوردة؛ والدستور، والبرلمان، والانتخابات، والجامعة، والقضاء الحديث، والوزارات، والبنوك المركزية، والحدود الوطنية، ومفهوم الجنسية، والأحزاب السياسية، كلها مؤسسات نشأت خارج السودان، فلماذا لا توصف بأنها أفكار أجنبية لايجوز ان يتم "شفها بالكربون"؟ ولماذا تستيقظ حساسية "الاستيراد" فقط عندما يتعلق الأمر بالمواطنة المتساوية؟ الإجابة تكمن في أن العلمانية لا تهدد الدين، وإنما تهدد الحظوة، والامتياز السياسي المبني على الدين. فالعلمانية تعني ببساطة أن المسلم، والمسيحي، وأتباع المعتقدات الأفريقية، واللاديني، جميعهم يقفون أمام الدولة بالحقوق والواجبات نفسها، دون أن تمنح الدولة أحدهم مكانة دستورية أعلى من الآخر. وهنا تمس العلمانية البنية العميقة التي تأسست عليها الدولة السودانية منذ الاستقلال، والتي قامت ــ عملياً على افتراض أن الثقافة العربية الإسلامية ليست إحدى ثقافات السودان، بل هي التعبير الطبيعي عن الدولة ذاتها. ونتيجة لذلك، ظل المطلوب من بقية المجموعات أن تندمج في ثقافة الأغلبية، لا أن تتساوى معها- (وهذا تفكير قديم سنعالجه في مقالات اخري.) وقد شرح الفيلسوف الكندي ويل كيمليكا هذه الإشكالية بدقة عندما بيّن أن الدولة قد تدعي الحياد، لكنها في الواقع تمنح ثقافة الأغلبية امتيازات قانونية ورمزية تجعلها معيار الوطنية ذاته. وعندئذ لا يعود المواطن المختلف شريكاً كاملاً، بل يصبح مطالباً دائماً بالتكيف مع ثقافة لم يخترها. ومن هنا فإن معاداة العلمانية في السودان لا يمكن فهمها باعتبارها دفاعاً عن الدين وحده، بل هي أيضاً دفاع عن ترتيب تاريخي للسلطة منح جماعة بعينها حق تعريف هوية الدولة وحدود الانتماء إليها.
حادي عشر: لماذا يعادي د. عبد الله علي إبراهيم المبادئ فوق الدستورية؟ يصور د. عبد الله علي إبراهيم النصوص فوق الدستورية وكأنها إلغاء للديمقراطية أو مصادرة لإرادة الشعب. غير أن هذا التصور يجهل ويتجاهل واحداً من أهم التطورات التي شهدها الفكر الدستوري بعد الحرب العالمية الثانية. فالديمقراطية الحديثة لم تعد تقوم على مبدأ حكم الأغلبية وحده يا دكتور، بل على التوازن بين حكم الأغلبية وحماية الحقوق الأساسية التي لا يجوز للأغلبية نفسها إلغاؤها! ولهذا السبب تبنت كثير من الديمقراطيات الدستورية مبادئ محصنة لا يجوز تعديلها حتى بإجماع برلماني (Ewigkeitsklausel) ففي ألمانيا، تنص المادة (79/3) من القانون الأساسي على "بند الأبدية" الذي يمنع أي تعديل يمس الكرامة الإنسانية، أو النظام الديمقراطي، أو الفيدرالية، أو المبادئ الجوهرية للدستور، وذلك حتى لا تتكرر تجربة انهيار جمهورية فايمار وصعود النازية عبر الوسائل الدستورية نفسها. وفي الهند، أرست المحكمة العليا في حكمها التاريخي... Kesavananda Bharati (1973) (Basic Structure Doctrine) مبدأ البنية الأساسية للدستور... مؤكدة أن البرلمان، رغم سلطته الواسعة، لا يملك تعديل الخصائص الجوهرية للنظام الدستوري، مثل الديمقراطية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء. أما جنوب أفريقيا، فقد بُني دستور ما بعد الفصل العنصري على مبادئ تأسيسية ملزمة، خضعت لها عملية كتابة الدستور كلها، لمنع أي أغلبية مستقبلية من إعادة إنتاج نظام التمييز العنصري في صورة جديدة. ومن ثم فإن تحصين بعض المبادئ ليس خروجاً على الديمقراطية، بل حماية لها من أن تتحول إلى أداة لإلغاء الحرية والمساواة. وفي الحالة السودانية، لا يمثل تحصين حياد الدولة تجاه الأديان انتصاراً لفلسفة مجردة، وإنما يمثل استجابة مباشرة لواقع تاريخي أثبت، عبر عقود من الحروب والانقسام، أن استخدام الدولة لترجيح دين أو هوية واحدة كان ولايزال أهم أسباب النزاع الوطني. ومن ثم فإن النص فوق الدستوري هنا ليس امتيازاً للعلمانية، بل ضمانة لعدم عودة الدولة إلى إنتاج التمييز باسم الدين أو الثقافة أو الأغلبية السياسية.
خاتمة: المشكلة ليست في العلمانية... بل في المساواة التي تفرضها بعد تتبع حجج د. عبد الله علي إبراهيم، يتبين أن القضية ليست في العلمانية بقدر ما هي في النتائج الدستورية التي تترتب عليها. فمقاله يستدعي التجربة الأمريكية ليشكك في مبدأ حياد الدولة، لكنه يتجاهل الحقيقة الأهم التي انتهت إليها تلك التجربة: لم تصبح الولايات المتحدة مجتمعاً يتسع لتعدد الأديان والمعتقدات لأنها منحت المسيحية مكانة دستورية متميزة، بل لأنها رفضت، رغم قرنين من الضغوط والصراعات، أن تسمح لأي أغلبية دينية باحتكار الدولة أو تعريف المواطنة على أساس العقيدة. وهنا تكمن المفارقة المنهجية. فوجود حركات دينية سعت إلى تديين الدولة لا ينقض علمانيتها، وإنما يؤكد الحاجة إليها. فالضمانات الدستورية لا تُقاس بغياب من يعارضها، وإنما بقدرتها على منع خصومها من تحويل مطالبهم إلى قواعد قانونية دائمة تنتقص من حقوق الآخرين. ولهذا لم يكن انتصار الدستور الأمريكي انتصاراً للعلمانيين على المتدينين، بل انتصاراً لمبدأ أن الدولة ليست ملكاً لأي عقيدة، وأن الحرية الدينية لا تُحمى إلا بدولة لا تمنح امتيازاً دستورياً لدين دون غيره. أما في السودان، فالمسألة ليست أن العلمانية فكرة جاءت من الغرب، لأن الدولة الحديثة نفسها، بمؤسساتها وقوانينها ودساتيرها، ليست نتاجًا سودانيًا خالصًا. وإنما تكمن الإشكالية في أن العلمانية تنهي الامتياز السياسي والدستوري الذي أتاح، تاريخيًا، لجماعة دينية وثقافية بعينها أن تحتكر تعريف هوية الدولة، وأن تجعل مواطنة بعض السودانيين كاملة بحكم انتمائهم، بينما ترتبط مواطنة الآخرين بمدى قبول الأغلبية أو تسامحها، لا بحقهم الأصيل في المساواة. ولهذا فإن مقاومة العلمانية في السودان لا يمكن فهمها بوصفها دفاعاً عن الدين وحده، بل هي، في اهم جوانبها، دفاع عن بنية تاريخية للسلطة تقوم على تفاوت المواطنة. فالعلمانية لا تنتزع الدين من المجتمع، ولا تمنع المتدينين من ممارسة شعائرهم أو المشاركة في المجال العام، وإنما تمنع الدولة من أن تجعل ديناً معيناً معياراً للحقوق، أو ثقافة بعينها تعريفاً للوطن، أو هوية جماعة واحدة أساساً للشرعية السياسية. ومن هنا فإن السؤال الذي لم يجب عنه د. عبد الله علي إبراهيم، كما لم تجب عنه قطاعات واسعة من النخب السودانية، ليس ما إذا كانت العلمانية فكرة مستوردة، بل سؤال أكثر جوهرية: بأي مبدأ دستوري يمكن تبرير أن تمنح الدولة امتيازاً لدين، أو ثقافة، أو جماعة إثنية، دون أن تنتهك مبدأ المساواة بين المواطنين؟ ولا توجد إجابة دستورية مقنعة عن هذا السؤال سوى واحدة من اثنتين: إما دولة تقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين، بحيث لا يكون الدين أو الثقافة أو الأصل مصدراً لأي امتياز قانوني، وإما دولة تعترف، صراحة أو ضمناً، بأن بعض مواطنيها أكثر استحقاقاً للوطن من غيرهم. وهذه هي الدولة التي عرفها السودان منذ الاستقلال، والتي أثبتت التجربة أنها لم تنتج سوى الحروب، والاستقطاب، والانقسام، وعدم الاستقرار. وفي نهاية المطاف، لن يُحسم مستقبل السودان بالجدل النظري حول مصطلح العلمانية، بل بالإجابة عن سؤال الدولة نفسها: هل تكون الدولة ملكاً لجميع مواطنيها على قدم المساواة، أم تظل معبّرة عن هوية جماعة بعينها تمنح الآخرين مكانتهم بقدر اقترابهم منها؟ فهذه هي القضية الحقيقية التي يدور حولها الخلاف، وهي أيضاً القضية التي تكشف أن المشكلة ليست في العلمانية، وإنما في المساواة التي تفرضها، لأنها تنهي امتيازات اعتادت بعض النخب أن تقدمها بوصفها جزءاً من النظام الطبيعي للأشياء، بينما هي، في حقيقتها، جوهر الأزمة السودانية ومصدرها التاريخي.
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|