1-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟ العلمانية

1-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟ العلمانية


07-29-2026, 05:34 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785342879&rn=0


Post: #1
Title: 1-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟ العلمانية
Author: خالد كودي
Date: 07-29-2026, 05:34 PM

05:34 PM July, 29 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر



1-2-د. عبد الله علي إبراهيم والعلمانية: لماذا ترتبك النخب أمام مبدأ المواطنة المتساوية؟
العلمانية ليست فكرة مستوردة، بل ضمانة دستورية للمواطنة

29/7/2026 خالد كودي،

في سياق حملة فكرية وسياسية متواصلة تستهدف مشروع السودان الجديد، ورؤيته لدولة تقوم على المواطنة المتساوية القائمة علي العلمانية وحياد الدولة تجاه الأديان، نشر د. عبد الله علي إبراهيم، في 27 يوليو 2026، مقالاً بعنوان: "250 أمريكا وأبكر آدم إسماعيل: هل العلمانية مُسلَّمة؟". وعبد اللع علي ابراعيم من دهاقنة السودان القديم وبنيته، ويأتي مقاله هذا امتداداً لموقف فكري ظل يتبناه الكاتب في معاداة الحركة الشعبية، قياداتها ورموزها، ومشروعها الدستوري، ولا سيما مطالبتها بتضمين علمانية الدولة ضمن المبادئ فوق الدستورية التي لا يجوز لأي سلطة أو أغلبية سياسية أيا كانت الانتقاص منها.
ويمكن تلخيص أطروحة المقال في النقاط الآتية:
١/ يرى أن دعاة العلمانية في السودان، وعلى رأسهم الحركة الشعبية د. أبكر آدم إسماعيل، وهو من قيادات الحركة الشعبية يتعاملون مع العلمانية بوصفها حقيقة مكتملة أُنتجت في الغرب، وأن المطلوب هو استنساخها في السودان "بالكربون".
٢/ "يسخر" و ينتقد مطالبة الحركة الشعبية بالنص على علمانية الدولة كمبدأ فوق دستوري، ويرى أن تحصينها دستورياً يغلق باب النقاش الديمقراطي ويقيد حق الأجيال اللاحقة في مراجعة الخيارات الدستورية.
٣/ يستشهد بالتجربة الأمريكية ليؤكد أن العلمانية نفسها لم تكن مستقرة أو نهائية، وأن الصراع بين الدولة المدنية واليمين المسيحي ظل قائماً عبر التاريخ الأمريكي، مما يدل – في رأيه – على أن العلمانية عملية تاريخية متحركة وليست نموذجاً مغلقاً.
٤/ وينتهي إلى أن العلمانية لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مبدأ دستورياً غير قابل للمراجعة، وإنما خياراً سياسياً يظل خاضعاً للنقاش والتطور والتوافق المجتمعي.
وهذه هي الأطروحة المركزية التي يسعى المقال إلى تأسيسها، والتي سنناقشها معه، ليس من زاوية الدفاع عن العلمانية بوصفها فكرة فلسفية مجردة، وإنما بوصفها الضمانة الدستورية الوحيدة للمواطنة المتساوية في مجتمع متعدد الأديان والثقافات والإثنيات، ومن خلال مقارنتها بالتجارب الدستورية المقارنة، وفي مقدمتها التجربة الأمريكية التي استند إليها الكاتب نفسه!

أولاً: المشكلة ليست في التاريخ الذي رواه، بل في التاريخ الذي تجاهله
لا تكمن المشكلة في لجوء د. عبد الله علي إبراهيم إلى التجربة الأمريكية، فالمقارنة التاريخية من أهم أدوات البحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري. غير أن المقارنة العلمية لا تقوم على انتقاء أحداث تؤيد نتيجة مسبقة، وإنما على مقارنة البنى الدستورية، والسياقات التاريخية، وطبيعة الصراع، والنتائج التي انتهت إليها التجربة.
فالسؤال المنهجي ليس: هل شهدت الولايات المتحدة صراعاً حول الدين؟
بل هو: كيف حسم دستورها هذا الصراع؟
وهنا يكمن الخلل المنهجي في المقال. فهو يسرد تاريخ اليمين المسيحي ومحاولاته المتكررة لإعلان الولايات المتحدة دولة مسيحية، لكنه يتوقف عند الصراع، ولا ينتقل إلى النتيجة الدستورية التي انتهى إليها هذا الصراع.

ثانياً: الانتقائية في قراءة التجربة الأمريكية
يعرض المقال عشرات الوقائع التي تؤكد أن جماعات دينية وسياسية أمريكية سعت، منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، إلى تكريس الهوية المسيحية للدولة. وهذه الوقائع صحيحة تاريخياً، لكنها لا تثبت ما يريد الكاتب إثباته!
فالنتيجة التاريخية الأهم والمثبتة هي أن تلك المحاولات لم تنجح- ولا شنو؟
فلم يتحول التعديل الأول للدستور الامريكي إلى نص يقرر مسيحية الدولة، ولم يصبح للمسيحية وضع دستوري متميز، ولم يُحرم غير المسيحيين من المواطنة الكاملة. وظلت المحكمة العليا، رغم اختلاف اتجاهاتها السياسية عبر العقود، تعمل داخل الإطار الذي رسمه التعديل الأول: لا دين رسمياً للدولة، ولا حرمان لأي مواطن بسبب دينه.
ولو كان المقال يريد تقديم قراءة كاملة وامينة للتجربة الأمريكية، لكان عليه أن يبين أن القيمة الدستورية تقاس بما استقر عليه النظام، لا بعدد المحاولات التي سعت إلى تغييره.

ثالثاً: الخلط بين الصراع الاجتماعي والنتيجة الدستورية
يقع المقال في خطأ منهجي فادح آخر، إذ يخلط بين استمرار الصراع حول مبدأ دستوري وبين سقوط ذلك المبدأ.
فلا يوجد نظام دستوري يخلو من المعارضة. والدساتير لا تُقاس بغياب النزاع، وإنما بقدرتها على تنظيمه ومنع أي جماعة من تحويل رؤيتها إلى قاعدة ملزمة لجميع المواطنين.
ولهذا لم تستطع الجماعات المسيحية المحافظة في الولايات المتحدة، رغم نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إلغاء التعديل الأول أو تجاوزه، بل ظلت تعمل داخله، وتحاول إعادة تفسيره بما يخدم رؤيتها. وهذا في حد ذاته دليل على رسوخ المبدأ، لا على هشاشته.
ولو أخذنا بمنطق المقال، لأصبح استمرار وجود دعاة للفصل العنصري دليلاً على سقوط مبدأ المساواة، وبقاء جماعات تؤمن بالتفوق الأبيض دليلاً على فشل التعديل الرابع عشر، وهو استنتاج لا يقول به أي مؤرخ أو فقيه دستوري (عندو راس).
فالضمانات الدستورية لا تُقاس بوجود خصومها، وإنما بقدرتها على منع هؤلاء الخصوم من تحويل مطالبهم إلى قواعد قانونية تنتقص من حقوق الآخرين.

رابعاً: الدرس الحقيقي للتجربة الأمريكية
التاريخ الأمريكي لا يُختزل في الجدل حول الصلاة في المدارس أو شعار "تحت الرب"...
إن التجربة الأمريكية، في جوهرها، هي تاريخ طويل من توسيع مفهوم المواطنة.
فبعد الحرب الأهلية جاءت تعديلات إعادة الإعمار، ثم نضال الأمريكيين السود، ثم حركة الحقوق المدنية، ثم الأحكام التاريخية للمحكمة العليا التي هدمت البنية القانونية للفصل العنصري...
ولم تمنع المبادئ الدستورية وجود العنصرية، لكنها منحت ضحاياها الأساس القانوني الذي مكنهم من الطعن فيها حتى تفكيكها طوبة بعد الأخرى، ولايزال العمل مستمرا..
وهذا هو الدرس الحقيقي: المبادئ الدستورية لا تُلغى لأنها محل نزاع، بل تصبح أكثر أهمية كلما اشتد النزاع حولها.

خامساً: لماذا وفيم تختلف الحالة السودانية؟
حتى لو سلمنا بسلامة مقارنة الدكتور، فإن نتيجتها لا تخدم ما ذهب إليه المقال.
فالولايات المتحدة، رغم تاريخها في الرق والعنصرية، لم تعرف حرباً أهلية طويلة بسبب فرض دين رسمي على أقاليم واسعة، أو بسبب استخدام الشريعة مصدراً لشرعية الدولة.
أما السودان، فقد ارتبط الصراع حول هوية الدولة مباشرة بالحروب الأهلية منذ الاستقلال والي يومنا هذا.
فقوانين سبتمبر 1983، ومشروعات الدستور الإسلامي، وخطاب الجهاد، وتعريف الدولة بوصفها عربية إسلامية، لم تكن مجرد خيارات ثقافية، بل تحولت إلى أدوات قانونية وسياسية لإقصاء ملايين المواطنين.
ولهذا فإن السؤال السوداني ليس: هل توجد في أمريكا جماعات مسيحية محافظة؟
بل هو: كيف يمكن بناء دولة يتساوى فيها المسلم والمسيحي، وصاحب المعتقد الأفريقي، واللاديني، بعد عقود من الحروب التي استُخدم فيها الدين أساساً للشرعية السياسية؟

سادساً: لماذا يحتاج السودان إلى ضمانات دستورية أقوى؟
ومن هنا تنقلب مقارنة د. عبد الله علب إبراهيم رأساً على عقب:
فالتجربة الأمريكية لا تقول إن استمرار النزاع حول الدين يلغي الحاجة إلى حياد الدولة، وإنما تقول إن وجود إطار دستوري محايد هو الذي منع الأغلبية الدينية، طوال أكثر من قرنين، من تحويل تفوقها العددي إلى امتياز دستوري دائم.
ولهذا فإن المطالبة بتحصين حياد الدولة في السودان ليست استيراداً لنموذج أجنبي، بل استجابة لتجربة سودانية أثبتت أن الدولة المنحازة دينياً وثقافياً كانت أحد أهم أسباب الحرب والانقسام.
فالمبدأ فوق الدستوري لا يعني "كسر الأقلام وطي الصحف"، كما يصوره د. عبد الله علي ابراهيم، وإنما يعني أن بعض الحقوق الأساسية لا يجوز أن تصبح رهينة لتقلبات الأغلبية أو لموازين القوى السياسية. فالأغلبية تستطيع أن تختار الحكومات والسياسات العامة، لكنها لا تملك أن تقرر أن مواطناً أكثر استحقاقاً للوطن من مواطن آخر بسبب دينه، أو ثقافته، أو أصله الإثني.
وبهذا المعنى، فإن العلمانية في السودان ليست موقفاً ضد الدين، وإنما هي الضمانة الدستورية التي تجعل الدولة ملكاً لجميع مواطنيها، لا تعبيراً عن هوية جماعة واحدة أو امتيازها التاريخي.

سابعاً: لماذا يخاف عبد الله علي إبراهيم من العلمانية؟
هذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها الدكتور عبد الله علي إبراهيم موقفاً معادياً لمشروع السودان الجديد.
وهو، مثل عدد كبير من مثقفي الوسط النيلي، ينطلق من افتراض:
أن الدولة السودانية القائمة، رغم كل عيوبها، تمثل الإطار الطبيعي للوطن، وأن المطلوب إصلاحها لا إعادة تأسيسها
وهنا يكمن جوهر الخلاف.

العلمانية تهدد الامتيازات... لا العقائد
وهنا يكمن جوهر الخلاف الذي يغيب عن كثير من النقاش السوداني. فأنصار مشروع السودان الجديد لا يناقشون كيفية تحسين إدارة الدولة التي نشأت بعد الاستقلال أو جعلها أكثر كفاءة، وإنما يطرحون سؤالاً تأسيسياً يسبق كل أسئلة الإدارة والسياسات العامة:
- هل كانت الدولة السودانية، في بنيتها الدستورية وتعريفها للمواطنة، دولة عادلة منذ البداية؟
فإذا كانت الدولة قد تأسست على تمييز ديني أو ثقافي أو إثني، فإن إصلاح إدارتها لا يعالج أصل المشكلة، بل يطيل عمرها في صورة أكثر كفاءة.
ومن هنا يتضح أن الجدل حول العلمانية ليس جدلاً حول الدين، بل حول السلطة والمعني. فالخوف الحقيقي ليس على الإسلام، لأن الإسلام لم يستمد وجوده من الدولة السودانية، بل سبقها بأكثر من أربعة عشر قرناً، وانتشر في السودان قبل قيام الدولة الوطنية الحديثة. وكذلك المسيحية السودانية، التي يعود تاريخها إلى الممالك النوبية المسيحية قبل قرون طويلة من نشوء دولة 1956، كما ازدهرت الطرق الصوفية والمؤسسات الدينية في السودان دون أن تستند إلى دولة تعلن نفسها حارساً رسمياً للدين.
فإذا لم يكن الدين محتاجاً إلى الدولة كي يبقى، فمن الذي يخشى حياد الدولة؟
الذي يخشى ذلك ليس الدين، وإنما النظام السياسي الذي بنى شرعيته على منح امتياز دستوري ورمزي لثقافة دينية بعينها، وجعلها معياراً لتعريف الهوية الوطنية والمواطنة الكاملة. فالعلمانية لا تنزع الدين من المجتمع، ولا تمنع المتدينين من المشاركة في الحياة العامة، وإنما تنزع عن الدولة سلطة تفضيل دين على آخر، أو تحويل عقيدة الأغلبية إلى أساس للحقوق والواجبات.
ولهذا أكد الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه Political Liberalism أن الشرعية في الدولة الديمقراطية لا يمكن أن تُبنى على عقيدة دينية أو فلسفية واحدة، لأن المجتمع الحر يتكون من مواطنين يختلفون في معتقداتهم، لكنهم متساوون في حقوقهم. ولذلك فإن مبادئ العدالة يجب أن تكون مقبولة من الجميع بوصفهم مواطنين، لا بوصفهم أتباعاً لدين أو مذهب بعينه.
وهذا هو جوهر الخلاف في السودان. فالعلمانية لا تطالب بإقصاء الدين، وإنما ترفض أن تُعرّف الدولة نفسها من خلال دين أو ثقافة جماعة واحدة، لأن الدولة التي تفعل ذلك لا تستطيع، مهما أعلنت من شعارات، أن تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة. ولذلك فإن مقاومة العلمانية في السياق السوداني تُفهم، بوصفها مقاومة لفقدان الامتياز السياسي الذي وفرته الدولة التاريخية لبعض النخب، أكثر مما هي دفاع عن العقيدة الدينية نفسها.
.. نواصل في الجزء الثاني...

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)