السودان لم يعد يحتمل الحرب أوقفوا نزيف الدم كتبه محمد عبدالرحيم أبوه

السودان لم يعد يحتمل الحرب أوقفوا نزيف الدم كتبه محمد عبدالرحيم أبوه


07-28-2026, 10:47 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785275253&rn=0


Post: #1
Title: السودان لم يعد يحتمل الحرب أوقفوا نزيف الدم كتبه محمد عبدالرحيم أبوه
Author: محمد عبدالرحيم أبوه
Date: 07-28-2026, 10:47 PM

10:47 PM July, 28 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




وفي مثل هذه المنعطفات التاريخية، ينهض الواجب على أهل الحكمة ورجاحة العقل، وأهل الرأي والضمائر الحية، أن يتقدموا الصفوف، وأن يجعلوا صوت الحكمة أعلى من هدير البنادق، وصوت الوطن أعلى من صخب المصالح. فالأمم لا تنجو في أوقات المحن إلا بعقلائها الذين يغلِّبون المصلحة العامة على نوازع الانتقام، فأطفؤوا نيران الفتنة، ومدوا جسور التوافق، وأنقذوا أوطانهم من هاوية الانقسام والضياع. إن التسويات العادلة ليست عنوانًا للضعف، بل ذروة القوة السياسية والأخلاقية، لأنها تحفظ الأرواح، وتصون الأوطان، وتفتح أبواب المستقبل.

لم يعد السودان قادرًا على احتمال مزيد من النزيف، فقد استنفدت الحرب أرواح الناس وأرهقت الأرض، حتى غدا الحديث عن منتصرٍ ومهزومٍ ضربًا من الوهم، فما خلّفته سنوات الاقتتال لم يكن سوى وطنٍ مثخن بالجراح، وشعبٍ أنهكته المآسي، وملايين النازحين الذين افترشوا الغربة، وآلاف الضحايا الذين ابتلعتهم رحى الصراع، واقتصادٍ يتهاوى تحت وطأة الانهيار، ومدنٍ تحولت من منارات للحياة إلى أطلال يلفها الخراب. وفي خضم هذا المشهد القاتم، ظل المواطن السوداني وحده يدفع فاتورة حربٍ لم يخترها، يرزح تحت وطأة الفقر والخوف والتشرّد، بينما تتبدد أحلامه في غبار البنادق. لقد أثبتت هذه الحرب بما لا يدع مجالًا للشك أن الخاسر الحقيقي ليس طرفًا سياسيًا أو عسكريًا، بل السودان بأسره، وأن استمرار تبادل الاتهامات لن يبعث روحًا أُزهقت، ولن يشيد دارًا تهدمت، ولن ينتشل طفلًا من براثن الجوع.

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني جامع يسمو فوق الاصطفافات الحزبية والانقسامات الضيقة، ويجعل مصلحة الوطن والمواطن البوصلة التي لا تنحرف. قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وهي دعوة ربانية تعلي شأن الإصلاح وتقدمه على الخصومة والنزاع. ومن هذا المنطلق فإن كل من يؤجج أوار الحرب، أو يعرقل مساعي السلام، أو يتخذ من معاناة الأبرياء سلّمًا لمكاسب سياسية، إنما يسهم في إطالة أمد الكارثة وتعميق جراح الوطن، ويؤخر لحظة الخلاص التي ينتظرها السودانيون. ولن يُكتب للسودان مستقبلٌ مستقر إلا بقيام دولةٍ راسخة المؤسسات، يكون فيها جيشٌ وطني مهني يحتكر حمل السلاح، ويضم في إطاره جميع التشكيلات العسكرية، متفرغًا لصون السيادة وحماية الحدود، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والتنافس على السلطة. فاستقامة الدول لا تتحقق إلا حين تُدار السياسة عبر المؤسسات المدنية، ويظل الجيش درعًا للدستور والوطن، لا طرفًا في معترك السياسة، بينما يبقى الشعب السوداني وحده صاحب الحق الأصيل في تقرير مصير بلاده، واختيار من يقوده بإرادته الحرة، في ظل نظام يكفل العدالة والمواطنة وسيادة القانون.

إن كل يومٍ تستدام فيه هذه الحرب يضيف سجلًا جديدًا من الفواجع؛ أرواحٌ تُزهق، وأطفال يسلبون مستقبلهم، وأسر تقتلع من جذورها، وأحلام تدفن تحت أنقاض البيوت. فلا طلقة تطلق إلا وتحمل معها تهديدًا لحياة بريء، ولا قذيفة تسقط إلا وتخلف مأساة جديدة. لقد آن الأوان لأن ينتصر الجميع للسودان قبل أن ينتصروا لأنفسهم، وأن يصبح السلام خيارًا لا يقبل التأجيل، فالأوطان لا تشيد بفوهات البنادق، وإنما تُبنى بالحكمة والعدل والتوافق وصدق الإرادة. وإن أعظم انتصار يمكن أن يحققه السودانيون اليوم هو أن يوقفوا هذا النزيف، ويعيدوا لوطنهم حقه في الأمن والحياة، ويمنحوا الأجيال القادمة فرصة لبناء سودانٍ يتسع لجميع أبنائه.