مقارنة بين تمرد توريت (1955)، وتمرد الكتيبة 105 (1983)، وتمرد قوات الدعم السريع: أوجه الشبه والاختل

مقارنة بين تمرد توريت (1955)، وتمرد الكتيبة 105 (1983)، وتمرد قوات الدعم السريع: أوجه الشبه والاختل


07-28-2026, 10:46 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785275167&rn=0


Post: #1
Title: مقارنة بين تمرد توريت (1955)، وتمرد الكتيبة 105 (1983)، وتمرد قوات الدعم السريع: أوجه الشبه والاختل
Author: وليام كودى
Date: 07-28-2026, 10:46 PM

10:46 PM July, 28 2026

سودانيز اون لاين
وليام كودى-
مكتبتى
رابط مختصر



مقارنة بين تمرد توريت (1955)، وتمرد الكتيبة 105 (1983)، وتمرد قوات الدعم السريع: أوجه الشبه والاختلاف والسيناريوهات المحتملة/ بقلم وليام كودي

شهد السودان منذ استقلاله سلسلة من الصراعات المسلحة التي غيرت مسار تاريخه السياسي والجغرافي. ومن أبرز هذه الصراعات تمرد توريت عام 1955، وتمرد الكتيبة 105 في مدينة بور عام 1983، وأخيرًا تمرد قوات الدعم السريع الذي اندلع في أبريل 2023. ورغم أن هذه الأحداث تبدو متشابهة من حيث كونها تمردات مسلحة ضد السلطة المركزية، فإن لكل منها ظروفًا وأهدافًا ونتائج مختلفة.

أولًا: تمرد توريت (1955)

وقع تمرد توريت في أغسطس 1955، قبل أشهر من إعلان استقلال السودان. قاد التمرد جنود من الفرقة الاستوائية احتجاجًا على ما اعتبروه تهميشًا سياسيًا وإداريًا للجنوب، وخوفًا من هيمنة النخب الشمالية على الدولة الجديدة.

ورغم أن الحكومة تمكنت من إخماد التمرد عسكريًا، فإن جذوره السياسية لم تُعالج، مما أدى إلى استمرار المقاومة المسلحة وتحولها إلى حركة "أنيانيا"، التي استمرت حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972. وقد منحت الاتفاقية الجنوب حكمًا ذاتيًا وأنهت الحرب الأهلية الأولى لمدة قاربت أحد عشر عامًا.

ثانيًا: تمرد الكتيبة 105 (1983)

في مايو 1983 تمردت الكتيبة 105 في مدينة بور بقيادة ضباط وجنود رفضوا قرارات الحكومة المتعلقة بإعادة انتشار القوات، في ظل تصاعد الخلاف حول الحكم الذاتي للجنوب وإلغاء اتفاقية أديس أبابا.

تحول هذا التمرد إلى بداية الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، التي رفعت في البداية شعار "السودان الجديد" القائم على إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قبل أن يتطور الصراع لاحقًا نحو المطالبة بحق تقرير المصير.

استمرت الحرب الأهلية الثانية أكثر من عقدين، وانتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي منحت جنوب السودان حكمًا ذاتيًا لفترة انتقالية، ثم أفضت إلى استفتاء عام 2011 الذي اختار فيه غالبية الجنوبيين الانفصال، لتنشأ دولة جنوب السودان.

ثالثًا: تمرد قوات الدعم السريع (2023)

اندلع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 نتيجة خلافات متراكمة حول عملية دمج الدعم السريع في الجيش، وتوزيع السلطة خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى تنافس عسكري وسياسي بين القيادتين.

وخلافًا لتمردي 1955 و1983، فإن تمرد الدعم السريع لم يقم على أساس مطالب إقليمية أو انفصالية معلنة، بل نشأ من صراع على السلطة والنفوذ داخل الدولة، وإن كانت الحرب قد اتخذت لاحقًا أبعادًا سياسية وإقليمية وإنسانية واسعة.

أوجه الشبه

هناك عدة نقاط تشابه بين التمردات الثلاثة:

جميعها بدأت بتمرد عسكري محدود قبل أن تتحول إلى صراع واسع النطاق.
كشفت كل منها عن أزمة عميقة في بنية الدولة السودانية وعلاقة المركز بالأطراف أو بالقوى المسلحة.
امتدت الصراعات لسنوات، وأدت إلى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة.
لم يكن الحسم العسكري وحده كافيًا لإنهاء النزاع في الحالتين الأولى والثانية، بل جاءت التسويات السياسية بعد سنوات من القتال.
أوجه الاختلاف

في المقابل، توجد اختلافات جوهرية:

تمردا 1955 و1983 ارتبطا بالقضية الجنوبية، بينما يرتبط تمرد الدعم السريع بصراع على السلطة داخل الدولة السودانية.
انتهى التمرد الأول بحكم ذاتي للجنوب، بينما انتهى الثاني باتفاق أفضى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان.
لا يرفع الدعم السريع، في صورته المعلنة، مشروعًا انفصاليًا مماثلًا لما انتهت إليه الحركة الشعبية، وإن كان الصراع قد أدى إلى انقسامات ميدانية وسياسية واسعة.
هل توجد أوجه شبه في النهايات المحتملة؟

يدفع التاريخ بعض المراقبين إلى المقارنة بين هذه التجارب، لكن لا يمكن افتراض أن التاريخ سيكرر نفسه. فكل صراع تحكمه ظروفه الخاصة.

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الحسم العسكري: يتمكن أحد الطرفين من تحقيق تفوق عسكري يؤدي إلى إنهاء قدرة الطرف الآخر على القتال.
التسوية السياسية: يتوصل الطرفان، بوساطة داخلية أو إقليمية أو دولية، إلى اتفاق لوقف الحرب، يتضمن ترتيبات أمنية وسياسية، كما حدث في اتفاقيتي أديس أبابا والسلام الشامل.
استمرار الصراع لفترة طويلة: وهو السيناريو الأكثر كلفة، حيث تستمر المواجهات مع تغير موازين القوى دون حسم واضح، بما يزيد من معاناة المدنيين ويعقد فرص التسوية.
خاتمة

تكشف المقارنة بين تمرد توريت، وتمرد الكتيبة 105، وتمرد قوات الدعم السريع أن السودان واجه عبر تاريخه تحديات متكررة تتعلق ببناء الدولة وإدارة التنوع والعلاقة بين السلطة المركزية والقوى المسلحة. غير أن التشابه في البدايات لا يعني بالضرورة تشابهًا في النهايات. فقد انتهت الحرب الأولى بالحكم الذاتي، وانتهت الثانية باتفاق سياسي أعقبه انفصال جنوب السودان، أما الحرب الحالية فلا تزال نتائجها مفتوحة على عدة احتمالات، وسيعتمد مسارها على التطورات العسكرية، والقدرة على التوصل إلى تسوية سياسية، ومواقف القوى السودانية والإقليمية والدولية.