صراع الظل مع الأصل: ماذا سيسجل التاريخ الأسود عن البرهان وحميدتي؟ كتبه يحيى أبنعوف

صراع الظل مع الأصل: ماذا سيسجل التاريخ الأسود عن البرهان وحميدتي؟ كتبه يحيى أبنعوف


07-28-2026, 10:32 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785274331&rn=0


Post: #1
Title: صراع الظل مع الأصل: ماذا سيسجل التاريخ الأسود عن البرهان وحميدتي؟ كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 07-28-2026, 10:32 PM

10:32 PM July, 28 2026

سودانيز اون لاين
يحيى ابنعوف-كندا
مكتبتى
رابط مختصر





​لم تكن الحرب في السودان يوماً مجرد مجابهة عسكرية بين بندقيتين، بل كانت لحظة الحقيقة المرة التي انكشفت فيها الأقنعة عن وجوهٍ نبتت في حقلٍ واحد، ورضعت من ثدي سلطةٍ أيديولوجية واحدة امتدت لثلاثة عقود. إنها الحكاية التي بدأتها الحركة الإسلامية حين أرادت احتكار السماء والأرض، فصنعت بقلم الساسة وسلاح الجيش مأساةً، ثم هيأت في الصحراء ظلاً مدججاً بالذهب والبندقية ليحمي عرشها، حتى جاء يومٌ أدرك فيه الظل أنه يستطيع ابتلاع أصله، فاشتعلت الحرائق في جسد الوطن.
​لقد توهم الطرفان أن بوسعهما ارتداء ثيابٍ جديدة؛ أراد الأول أن يتلفح برداء المؤسسية وحماية حياض الدولة وهو الشريك في تكبيلها، وسعى الثاني إلى صبغ بندقيته بطلاء الديمقراطية ومناصرة الهامش وهو الذي تسلق على جراح الهامش وزواياه. لكن التاريخ لا يخدعه الطلاء الناعم، ولا تغسل المساحيقُ دماً أُهرق على أعتاب السلطة. لقد فشلت كل محاولات إعادة إنتاج الذات، لأن النبتة التي غُرست في تربة الشمولية لا تثمر إلا خذلاناً، ولأن السلاح الذي لم يُصنع لحماية الإنسان، لا يمكن أن يبني وطنًا.
​سيذكر التاريخ أسوأ رجلين: الرئيس ونائب الرئيس؛ سيسجل عن البرهان وحميدتي أنهما كانا وجهين لعملة واحدة من التناقض والخراب. أحدهما توهّم أن العباءة العسكرية تمنح صكوك الغفران للخطايا السياسية، والآخر ظنّ أن تراكم الذهب وحشود البنادق يصنعان شرعية من العدم. سيسجل التاريخ عنهما أنهما التقيا على تقاسم السلطة واختلفا على تقسيم الغنيمة، وبدلاً من أن يكتبا اسميهما في سجل البناة، اختارا أن يُخلّدا كشركاء في أكبر جريمة تفكيك لكيان الدولة السودانية.
​ولم تقف آثار هذا الفشل الذريع عند خطوط النار في الوسط والغرب، بل امتدت لتخنق أقاليم الشمال والشرق التي وجد أهلها أنفسهم يكتوون بنار هذا العبث؛ فغدت رئة البلاد الاقتصادية وموانئها ومواردها الزراعية تحت وطأة الشلل والإنهاك، ودفع المواطن هناك فاتورة الغلاء والنزوح وضياع سبل العيش. وفي غمرة هذا الانكسار الداخلي، انتصبت دول الجوار والإقليم كترصدٍ نفعي بارد؛ استثمرت هذه الظروف القاسية لاقتناص الموانئ، والسيطرة على الأراضي، ونهب الثروات، واسترخاص مقدرات السودان بعد أن جرّده أبناؤه المتصارعون من غطائه السيادي.
​سيكتب التاريخ، بأقلامٍ لا تعرف المحاباة، أن هذه الحقبة كانت العصر الأشد قسوة في ذاكرة وادي النيل؛ حقبة التقت فيها مطامع الداخل المعطوبة مع أطماع الخارج الخبيثة. سيكتب أن رجلين خرجاً من عباءة الحركة الإسلامية وتقاسما الخيبة، وأهديا لشعبٍ علّم العالم معنى الثورات السلمية، أكبر حركة نزوحٍ ومجاعةٍ في تاريخه الحديث.
​لكن التاريخ، الذي سجل اندحار الغزاة وانكسار الطغاة على هذه الأرض الطيبة، سيسجل أيضاً أن السودان أعمق جذراً من عبث العابرين، وأن الشعوب قد تمرض بالخذلان، لكنها لا تموت.