Post: #1
Title: حين تجاهلنا نُذر الفتنة كتبه كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 07-28-2026, 12:45 PM
12:45 PM July, 28 2026 سودانيز اون لاين كمال الهدي-عمان مكتبتى رابط مختصر
تأمُلات
أثناء اعتصام القيادة كتبت أكثر من مقال، مناشداً قوى الثورة آنذاك بعقد ندوات ولقاءات جماهيرية في شتى بقاع السودان، بغرض رفع مستويات الوعي وسد الطريق أمام أي محاولات قد تحدث لاحقاً لبذر الفتنة بين مختلف القبائل. لكن المؤسف أن السياسيين السودانيين غالباً ما تشغلهم المناصب، وتقسيم الحقائب، وتوزيع مراكز القوى بين أحزابهم ومجموعاتهم، ولا يمنحون كل ما يتعلق برفع وعي الناس شيئاً من اهتمامهم.
ومن يتحدثون الآن عن أن بعض أطراف الحرب يحاولون توظيف القبلية في الصراع، ومن يقولون إن حميدتي يبدو شديد الخطورة ويسعى إلى إشعال حرب قبلية لا تُبقي ولا تذر، أتوا متأخرين كثيراً؛ فهذا أمر كان مفروغاً منه، وقد لاحت مؤشراته في وقت مبكر جداً. وكان أول تلك المؤشرات وقيعته المبكرة بين مكونات قوى الحرية والتغيير (قحت)، غير أن ساستنا لم يلتفتوا إليها آنذاك.
لذلك لا يقنعني مبرر أن أهم أسباب فشل حكومة الدكتور حمدوك تمثلت في الأشواك التي وُضعت أمامها؛ فأي زعماء يتصدون لمهمة قيادة حكومة ثورة لا بد أن يتوقعوا الأشواك والضَّرِيسة، وأنهم قد يُفرض عليهم أن يمشوا فوقها حفاة.
فلم نسمع في التاريخ عن جهة انتُزعت منها السلطة ثم فرشت للثوار الورود وقالت لهم: "هلموا إلى القصر ودواوين الحكم". لكننا، نحن السودانيين، هكذا دائماً؛ بمتعلمينا ومستنيرينا وبسطائنا، إن أردنا شخصاً بحثنا له عن الأعذار، وإن كرهنا آخر "حدرنا له في الضلمة". وعموماً، كان من الممكن تجنب كثير من الأمور لو تحسب لها من تصدوا لمهمة قيادة الناس، ووضعوا خططاً استباقية بدلاً من انتظار وقوع المشكلة.
بل إن الحرب نفسها كان من الممكن تفاديها لو لم تصمت قوى الثورة عن مؤامرة جوبا التي خلطت الأوراق، ومنحت كثيراً من الأرزقية وأراذل القوم مناصب ما كانوا يستحقونها. لكن المحزن حقاً أن كتاباتنا ضدها في ذلك الوقت، ومناشداتنا لقادة الحراك والثوار بالخروج في مليونيات لوقفها، لم تجد آذاناً صاغية. بل على العكس، اعتبرنا كثيرون مجرد متشائمين، وكانوا يقولون لنا: "السلام سمح"، و"ما في عاقل بيرفض السلام". فصمت الجميع حتى وقعت الكارثة.
والآن ليس أمامنا سوى مناشدة أهلنا في مختلف مناطق السودان بأن يكبروا عقولهم، ويتوحدوا في مواجهة كل من يريد أن يزرع بينهم الفتنة. فلا خلاص لنا إذا تعلق كل منا بقبيلته أو منطقته، بل إن في ذلك مزيداً من الخراب والهلاك.
قادة المليشيات لا تهمهم سوى أهدافهم العسكرية والسلطة التي يتقاتلون من أجلها، وحميدتي تحديداً أحد أبرز صناع الفتنة، وقد كان يمارس ذلك بنعومة قبل اندلاع هذه الحرب. واليوم، مع تراجع قواته، ليس مستبعداً أن يفعل أي شيء، حتى لو كلفه ذلك أن تقاتل كل قبائل السودان بعضها مع بعض، طالما أن ذلك يخدم أهدافه العسكرية. فكونوا أكثر وعياً وحكمة، يا أهلنا السودانيين، وأفشلوا مخططات كل من يريد بكم شراً، حتى لا يزداد وضع بلدنا تعقيداً.
والأمل الآن معقود على كبار القوم وحكماء المناطق والقبائل، فهم ـ بعد المولى عز وجل ـ الأقدر على درء هذا الخطر المحدق، ومنع انزلاق البلاد إلى مزيد من الفتن، وإطفاء النيران قبل أن تتسع رقعتها ويطول أمدها.
|
|