قراءة متحفظة في تداعيات تقرير "أفريكا إنتليجنس" بشأن زيارة صمود المزعومة إلى إسرائيل # زهير عثمان

قراءة متحفظة في تداعيات تقرير "أفريكا إنتليجنس" بشأن زيارة صمود المزعومة إلى إسرائيل # زهير عثمان


07-28-2026, 03:54 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785207255&rn=0


Post: #1
Title: قراءة متحفظة في تداعيات تقرير "أفريكا إنتليجنس" بشأن زيارة صمود المزعومة إلى إسرائيل # زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-28-2026, 03:54 AM

03:54 AM July, 27 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






هل تعيد "صمود" رسم خريطة العلاقات الخارجية في السودان؟

في علم السياسة، لا تقتصر أهمية الأحداث على وقوعها الفعلي فحسب، بل تمتد إلى ما تحملهُ من رسائل وما تكشف عنه من اتجاهات , من هذا المنطلق، يتجاوز التقرير الذي نشره موقع "أفريكا إنتليجنس" في 27 يوليو 2026—والذي تحدث عن زيارة وفد من قيادات تحالف "صمود" إلى إسرائيل أواخر يونيو الماضي—حدود الخبر الإخباري العابر، ليصبح مؤشراً محتملاً على تحولات أعمق في تفكير القوى المدنية السودانية حيال إدارة علاقاتها الخارجية
بحسب التقرير، ضم الوفد كلاً من خالد عمر يوسف، بابكر فيصل، وطه عثمان إسحاق، مع الإشارة إلى علم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك بالزيارة واعتذاره عن المشاركة، فضلاً عن تعرض بابكر فيصل للاحتجاز ساعات بمطار القاهرة في طريق عودته
في المقابل، أصدر تحالف "صمود" نفياً قاطعاً لهذه الرواية، ونفى بابكر فيصل شخصياً زيارته لإسرائيل قطعيّاً، ولم يصدر عن الجانب الإسرائيلي أي تأكيد رسمي
وعليه، تظل قراءة هذا الملف محصورة في إطار "التحليل الافتراضي" بعيداً عن التسليم بوقائع لم تثبت أدلتها
من المبادرات إلى الدبلوماسية المباشرة
إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تمثل نقلة نوعية لتحالف "صمود" من مرحلة طرح المبادرات السياسية إلى مرحلة الانخراط المباشر في دهاليز الدبلوماسية الإقليمية والدولية، والتواصل مع أطراف فاعلة في الأزمة السودانية
ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في تجاوز حدود الخطاب الموجه للداخل أو للوسطاء التقليديين، نحو بناء قنوات اتصال مباشرة مع مراكز النفوذ الخارجي

من خطاب الثورة إلى براغماتية الدولة
قد يكمن البعد الأهم في هذه الخطوة في دلالاتها على طبيعة المشروع السياسي للتحالف؛ فبينما تتمحور حركات المعارضة عادة حول التعبئة الجماهيرية والخطاب المبدئي، تتغير الأولويات فور الانتقال إلى التفكير في إدارة الدولة أو المشاركة في السلطة، لتصبح السياسة الخارجية ركيزة أساسية من ركائز المشروع السياسي
ومن هذه الزاوية، لا تُقرأ الزيارة - إن وقعت - كلقاء عابر مع إسرائيل، بل كمؤشر على تبني "صمود" لعقلية الفاعل السياسي الساعي للاعتراف الدولي وتوسيع شبكة تحالفاته

إعادة فتح ملف معلّق
تُعد الخطوة، في حال صحتها، محاولة لإعادة تحريك أحد أكثر الملفات حساسية منذ حقبة الفترة الانتقالية؛ ملف العلاقة مع إسرائيل. ففي حين مضى المكون العسكري منفرداً في اتصالاته بعد لقاء عنتيبي عام 2020، تمسكت الحكومة المدنية السابقة برئاسة حمدوك بأن قراراً بهذه الخطورة يجب أن يصدر عن مؤسسات دستورية منتخبة، وهو ما أبقى الملف مجمداً. وإنْ كانت "صمود" قد باشرت بفتح قناة تواصل، فإنها تسعى لكسر هذا الجمود، بغض النظر عن مدى وصولها إلى تفاهمات سياسية عملية
رسائل متعددة الاتجاهات
لا يبدو أن الرسالة السياسية - إن صحت الزيارة - موجهة لإسرائيل وحدها، بل تتعداها لتصل إلى عواصم إقليمية ودولية وازنة مثل واشنطن، أبوظبي، الرياض، والقاهرة
يسعى التحالف من خلال هذا المسار لتقديم نفسه كشريك سياسي فاعل وقادر على الاندماج في المنظومة الإقليمية والدولية، متجاوزاً عباءة التحالف المعارض المكتفي بالمواقف الاحتجاجية
الحسابات الدولية وموازين القوة الداخلية
البعد الغربي والأمريكي- تمثل إسرائيل مدخلاً مؤثراً داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، مما قد يعزز حضور أي طرف سوداني في النقاشات المتعلقة بمستقبل البلاد
كما أن الانفتاح الدبلوماسي الناجح ينعكس إيجاباً على علاقات التحالف بالعواصم الأوروبية الفاعلة في ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار
ورقة الجيش- منذ لقاء البرهان ونتنياهو في عنتيبي، احتكرت المؤسسة العسكرية ورقة العلاقة مع إسرائيل
ونجاح قوة مدنية في بناء قناة اتصال مماثلة قد يكسر هذا الاحتكار ويعيد توزيع موازين النفوذ الخارجي، حتى من دون إحداث انقلاب جذري في طبيعة الدعم الدولي
الحرب وسقوط المحرمات السياسية
تكشف هذه الواقعة - حال ثبوتها - عن تحول أعمق أفرزته الحرب الحالية؛ حيث تراجعت الكثير من المحرمات والخطوط الحمراء التي حكمت السياسة السودانية لعقود
وباتت البراغماتية السياسية تتغلب على الشعارات التقليدية لدى مختلف الأطراف، مما يجعل الجدل حول إسرائيل جزءاً من عملية إعادة هندسة شاملة لأدوات العمل السياسي والدبلوماسي في السودان
الكلفة الداخلية هي معادلة شديدة الحساسية
في المقابل، يحمل أي تقارب مع إسرائيل كلفة داخلية باهظة؛ إذ سيواجه برفض حاد من التيارات الإسلامية، واعتراضات من قوى يسارية وقومية، فضلاً عن احتمالية حدوث انقسامات داخل قطاعات من لجان المقاومة والرأي العام. وستجد "صمود" نفسها أمام معادلة معقدة
فكلما اتسعت آفاق علاقاتها الخارجية، تعاظم حجم الضغوط والانتقادات في الجبهة الداخلية
حدود الاتصال وطبيعة التسريب
يظل من الضروري التمييز بين "فتح قنوات الاتصال" وبين "الوصول إلى تفاهمات استراتيجية"؛ فاللقاءات الدبلوماسية قد تكون مجرد استكشاف للمواقف وتبادل للرؤى
وعلى النقيض، حتى لو ثبت بطلان التقرير برمته، فإن مجرد تداوله يعد حدثاً سياسياً يستوجب التأمل , فلماذا ظهر الخبر الآن؟
وهل هو خطأ صحفي، أم تسريب مقصود لاختبار ردود الفعل، أم رسالة موجهة لجهات محددة؟ إن هذه الأسئلة قد تكون أهم بكثير من صحة الخبر تفصيلياً، لكونها تكشف حجم التشابك المعقد بين الصراع الداخلي والتنافس الإقليمي

سواء أكدت الأيام صحة هذه المعلومات أو نفيتها، فإن الجدل الذي أثارته يكرس حقيقة كبرى , و لقد أصبحت السياسة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من الصراع على مستقبل السودان
ولم يعد التنافس مقصوراً على حيازة الشرعية في الداخل، بل امتد ليشمل القدرة على بناء شبكة العلاقات الإقليمية والدولية الأكثر تأثيراً، في وقت تُعيد فيه الحرب صياغة قواعد اللعبة السياسية والدبلوماسية من أساسها.