تاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد حسمًا عسكريًا.. فهل تنجح تحركات الجيش اليوم في هندسة المشهد السودان

تاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد حسمًا عسكريًا.. فهل تنجح تحركات الجيش اليوم في هندسة المشهد السودان


07-28-2026, 01:11 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785197515&rn=0


Post: #1
Title: تاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد حسمًا عسكريًا.. فهل تنجح تحركات الجيش اليوم في هندسة المشهد السودان
Author: أواب عزام البوشي
Date: 07-28-2026, 01:11 AM

01:11 AM July, 27 2026

سودانيز اون لاين
أواب عزام البوشي-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



تاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد حسمًا عسكريًا.. فهل تنجح تحركات الجيش اليوم في هندسة المشهد السوداني؟

أواب عزام البوشي

أسبوع بالغ الحساسية بين البرهان وواشنطن :-

شهدت العلاقة بين قيادة الجيش السوداني والإدارة الأمريكية، خلال الأسبوع الماضي، توتراً لافتاً بلغ حد الحساسية الواضحة. ففي مشهد دبلوماسي مشحون، تصاعدت الضغوط الدولية على البرهان بشكل غير مسبوق، وتحديداً من واشنطن التي سارعت إلى تشديد الخناق في ملفات حساسة للغاية، على رأسها ملف الكيماوي والعقوبات المرتبطة به، إلى جانب الموقف الدولي الرافض لأي ترتيبات سياسية تقودها حكومة عسكرية.

هذه الضغوط التي جاءت في توقيت دقيق للغاية، وضعت البرهان في موقف حرج، وأظهرت وجود حساسية واضحة بين الطرفين، تجسدت في بيانات متبادلة ومواقف متصلبة، جعلت المشهد الدولي أكثر تعقيداً مما كان عليه . فالتحديات التي واجهها البرهان من واشنطن لم تكن مجرد إنذارات عابرة، بل كانت رسائل حادة تعكس إصرار المجتمع الدولي على تغيير مسار الأزمة السودانية، ورفضه القاطع لأي محاولة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية تحت أي مسمى.

عقوبات وضغوط.. ثم تحرك عسكري مفاجئ :-

في خضم هذه الأجواء المشحونة، وبعد أيام من التهديدات والإنذارات الدولية، تحرك الجيش السوداني بقوة في ولاية شمال كردفان، حيث شنت قواته معارك عنيفة في مناطق جبرة الشيخ وبارا وأم سيالة، في محاولة لتأمين الطريق الاستراتيجي الرابط بين الخرطوم ومدينة الأبيض.

لكن هذه التحركات، رغم أهميتها الميدانية، حملت في طياتها أكثر من مجرد هدف عسكري. إذ بدت وكأنها محاولة من البرهان لتحقيق أهداف متعددة في وقت واحد:

· استعادة حماس القوات الميدانية التي أنهكتها الحرب الطويلة، وأصبحت تعاني من الإرهاق ونقص الإمدادات.
· إرسال رسالة إلى الداخل بأن القيادة ما زالت قادرة على المبادرة، وأن النصر لا يزال ممكناً.
· إرسال رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الجيش لم ينهار بعد، وأن أي ضغوط أو عقوبات لن تثنيه عن مواصلة الحرب.

وهذا النمط من التحرك ليس جديداً على البرهان وكيزانه، فهو استراتيجية قديمة تتكرر كلما تضيقت الخناق: إشعال الجبهات كوسيلة للهروب من الضغوط، وتحويل الأنظار من الملفات السياسية الشائكة إلى ساحات القتال.

الحقيقة المرة.. التاريخ يتحدث :-

غير أن الحقيقة التي يجب التوقف عندها، هي أن هذه التحركات، مهما بلغت من شراسة وقوة، لم تحقق حتى الآن أي اختراق حاسم في المعادلة الميدانية. فالمعارك ما زالت دائرة، والدعم السريع لم ينكسر، والجيش لم يتمكن من تحقيق نصر حاسم يغير مسار الصراع.

وهذا يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل هذه التحركات، التي أتت كرد فعل على الضغوط الدولية، قادرة على قلب الطاولة؟ أم أنها مجرد محاولة يائسة للهروب من استحقاقات السلام والعقوبات التي تتربص بالدولة؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي العودة إلى التاريخ، وإلى درس لم يتعلمه الكيزان طوال عقود. فتاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد أي حسم عسكري حقيقي، بل كان النمط ذاته يتكرر في كل مرة:

من الجنوب إلى دارفور.. دروس لا تنسى :-

حرب الجنوب: انفصال وخسارة ثلث المساحة :

عندما فتح البشير الحرب على جنوب السودان، كانت النتيجة مروعة: مئات الآلاف من القتلى، وتدمير شامل للبنية التحتية، وإفقار للشعب السوداني. وفي النهاية، لم يحقق الجيش أي حسم عسكري، بل انتهى الأمر بانفصال جنوب السودان وخسارة ثلث مساحة البلاد وأغنى مواردها النفطية. كانت تلك هزيمة سياسية كبرى لم تعوضها أي انتصارات ميدانية.

حرب دارفور: تفاوض بعد سنوات من الاستنزاف :

أما حرب البشير مع الحركات المسلحة في دارفور، فقد استمرت سنوات طويلة، تكبد خلالها الاطراف خسائر فادحة، واستنزفت الدولة مواردها، وراح ضحيتها آلاف السودانيين. ومع كل ذلك، لم يحقق الجيش نصراً حاسماً، وانتهت الحرب في النهاية بطاولة المفاوضات، وجاءت اتفاقيات سلام لم توقف نزيف الدم، لكنها كانت اعترافاً ضمنياً بأن الحل العسكري مستحيل.

المقارنة الحاسمة: خصم اليوم أقوى بعشر مرات :-

المقارنة هنا حاسمة ومهمة في آن واحد: الحركات المسلحة التي حاربها البشير كانت في مجملها لا تمثل أكثر من عشرة بالمئة من قوة الدعم السريع اليوم، من حيث التمويل والتسليح والتدريب والامتداد والقدرة على المناورة. فإذا كان الكيزان عاجزين عن حسم تلك الحروب رغم تفوقهم العسكري الواضح وضعف خصومهم النسبي، فكيف يمكن تصور أن البرهان، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وحرب استنزاف طويلة ودعم إقليمي للدعم السريع، قادر اليوم على تحقيق حسم عسكري؟

الحرب استنزفت الجميع.. والحديث عن الحسم وهم خطير :-

الحقيقة أن الحرب الحالية استنزفت الجميع: الجيش والدعم السريع والشعب السوداني. فالدولة في حالة انهيار، والجيش يعاني من نقص في الإمدادات والمعدات، والقوات المسلحة أصبحت منهكة بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال المستمر. وفي هذا السياق، الحديث عن حسم عسكري ليس أكثر من وهم خطير يضلل الشعب ويطيل أمد المعاناة.

فالمدافع لا تنتج قمحاً، والصواريخ لا تجلب دولاراً، والمعارك في الميدان لا تفتح مصانع مغلقة. اقتصاد السودان تحول إلى جثة هامدة، تضاعفت فيه معدلات التضخم، وانهار سعر العملة، وتوقفت المصانع، وهُجرت المزارع، وتشرد الملايين. وحتى لو نجح الجيش في استعادة كل مدن السودان غداً، فإن الإنتاج الزراعي لن يعود بين عشية وضحاها، والذهب يبقى محاصراً بقرارات أوروبية، والاستثمار الخارجي يرفض العودة في ظل عدم الاستقرار.

المجتمع الدولي يتحرك بسرعة الضوء والوقت ليس في صالح البرهان :-

على الجانب الآخر من المشهد، المجتمع الدولي لا ينتظر. فبينما يراهن البرهان على المدافع، يتحرك العالم بسرعة مذهلة نحو حسم ملفات حساسة، وفي مقدمتها ملف الكيماوي.

في شهر واحد فقط تغير كل شيء :

شهدنا خلال الأسابيع الماضية تطورات دولية متسارعة غيرت قواعد اللعبة:

· تحديثات يومية للموقف الدولي من ملف الكيماوي السوداني، مع ضغوط متزايدة لتفتيش المواقع والتخلص من الترسانات.
· تشديد الخناق على تجارة الذهب السوداني في الأسواق الأوروبية، وهو المصدر الرئيسي لتمويل الحرب.
· تحركات دبلوماسية مكثفة من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، مع إعلان واضح برفض أي حكومة عسكرية مهما كانت تحركاتها الميدانية.

عقارب الساعة الدولية لا تتوقف عند كردفان :-

هذه التحركات السريعة تؤكد أن الوقت ليس في صالح البرهان. فكل يوم يمر دون تقدم سياسي حقيقي يُقرأ دولياً كدليل على تعنت القيادة العسكرية واستمرارها في نهج الحرب. والعقوبات لن تتراخى، بل ستتوسع، لأن المجتمع الدولي يدرك أن ملف الكيماوي والاستقرار في السودان لا يحتملان التأجيل.

الجنرال يريد أن يظهر بمظهر المنتصر في الميدان، لكن الحقيقة أن ساعة السباق الدولي تدق بسرعة، وعقاربها لا تتوقف عند جبرة الشيخ أو أم سيالة، بل عند واشنطن . وهناك، لا قيمة للتحركات الميدانية إذا لم ترافقها تسوية سياسية حقيقية.

الهروب من السلام.. لعبة الكيزان القديمة:-

في خضم هذه المعارك، يحاول البرهان إعادة هندسة السلطة المدنية عبر تعديلات حكومية مرتقبة وإعفاء ولاة وصناعة واجهة سياسية جديدة يقدمها للمجتمع الدولي كدليل على تقدمه نحو الاستقرار.

لكن هذه الخطوات، كما وصفها مراقبون، قد تكون تمهيداً لأقصر مرحلة سياسية في تاريخ السودان، لأنها محاولة لإعادة إنتاج السلطة في توقيت خاطئ تماماً. وهذا ليس بجديد على البرهان وكيزانه، فعندما تضيق بهم الخناق يواصلون حربهم، مثلما حدث في الاتفاق الإطاري عندما هربوا من التسوية السياسية بإشعال الحرب والفوضى.

فالمجتمع الدولي لا يخدعه تغيير الوجوه أو تعديل الحكومة، إنه يريد حلاً سياسياً شاملاً يعيد بناء الدولة على أسس مدنية، ويوحد الجيش في مؤسسة وطنية واحدة، ويعيد الثقة بين السودانيين والعالم. وأي محاولة للالتفاف على هذا المطلب، سواء بالحرب أو بالترميمات الشكلية، ستكون قصيرة العمر، وستصطدم بحقيقة أن الزمن الدولي لا يسعف البرهان.

الجذور أعمق من الحرب.. الكيزان والانقلاب :-

والحقيقة الأكثر إيلاماً أن الأزمة السودانية ليست وليدة الحرب الحالية، بل تمتد لعقود من:

· حكم الكيزان: الذي أسس لدولة أمنية وعسكرية مهمشة للآخرين، وأوجد بيئة خصبة لتعدد المليشيات والتمردات.
· الانقلاب على الديمقراطية: في 25 أكتوبر 2021، الذي قاده البرهان نفسه وأغلق الطريق أمام انتقال مدني وسلمي، وكان الشرارة التي فتحت الباب لكل الكوارث التي تلته.

فالحرب التي نشبت في أبريل 2023 لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة حتمية لتعطيل المسار المدني، وتهميش القوى السياسية، واحتكار السلطة عبر أدوات عسكرية وأمنية. فالبرهان يقاتل اليوم ليس لتحرير السودان، بل لحماية ما تبقى من مشروع الكيزان العسكري، وهذا هو السر الذي يجعله غير قادر على كسب ثقة المجتمع الدولي، مهما حقق من تقدم ميداني.

التاريخ يعيد نفسه.. والتفاوض هو النهاية :-

التحركات العسكرية في جبرة الشيخ وبارا وأم سيالة هي محاولات تكتيكية مهمة تمنح الجيش أفضلية في الميدان وتغير خريطة المواجهة، لكنها وحدها لا تغير شيئاً في معادلة الدولة والعقوبات.

فالاقتصاد لا يصلح بالمدافع، والعقوبات لا تسقط بالرصاص، والدعم السريع والجيوش المتعددة لن تنتهي بقوة السلاح وحدهما، والجذور السياسية المرتبطة بتركة الكيزان والانقلاب على الديمقراطية تحتاج إلى حلول سياسية وليس إلى مدافع.

تاريخ الكيزان مع الحروب لم يشهد حسمًا عسكريًا، وتجربة البشير مع الجنوب والحركات المسلحة خير دليل على أن التفاوض هو المحطة النهائية، وليس الحسم العسكري. فالبرهان قد يحرز تقدماً اليوم في أم سيالة، ، لكنه سيخسر في النهاية إذا لم يدرك أن مشكلة السودان ليست عسكرية بل سياسية.

فهل يدرك البرهان هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟ أم أنه سيواصل لعبة الكيزان القديمة ويوهم نفسه بأن القوة العسكرية ستحقق ما فشل فيه البشير خلال عقود من الحروب؟