Post: #1
Title: حرب السودان والرهانات الخاطئة كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 07-28-2026, 01:08 AM
01:08 AM July, 27 2026 سودانيز اون لاين كمال حامد بكري-Sudan مكتبتى رابط مختصر
كتبه / منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، والسودان يرزح تحت نيران حربٍ لم تُبقِ حجراً على حجر، ولم تُبقِ للمواطن سوى الخوف والجوع والنزوح. حربٌ اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنها سرعان ما تجاوزت كونها مواجهة عسكرية إلى كارثة وطنية شاملة، دفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والسياسية والاقتصادية في تاريخها الحديث. المؤلم في هذه الحرب أنها قامت، منذ بدايتها، على سلسلة من الرهانات الخاطئة. فقد راهن كل طرف على أن المعركة ستكون خاطفة، وأن الحسم العسكري لن يحتاج سوى أسابيع قليلة. لكن الأيام تحولت إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات، بينما كانت المدن تتهاوى، والبنية التحتية تُدمر، وملايين السودانيين يُقتلعون من ديارهم، ويغدو الوطن نفسه هو الخاسر الأكبر. وراهن بعض قادة الصراع على أن القوة المسلحة وحدها قادرة على صناعة الشرعية، متناسين أن الشرعية الحقيقية لا تُنتزع من فوهات البنادق، وإنما تُبنى على رضا الشعب، واحترام مؤسسات الدولة، وصيانة حياة المواطنين. وعندما يصبح المدنيون وقوداً للحرب، تفقد أي معركة مبرراتها الأخلاقية والسياسية مهما كانت الشعارات التي تُرفع. كما راهنت أطراف داخلية على أن الدعم الخارجي سيمنحها التفوق، وأن التحالفات الإقليمية والدولية ستقلب موازين المعركة لصالحها. لكن التجارب أثبتت أن القوى الخارجية تتحرك وفق مصالحها، لا وفق مصالح السودان. وما إن تتغير تلك المصالح حتى يكتشف المتحاربون أنهم كانوا مجرد أدوات في صراعات أكبر منهم. أما الرهان الأكثر خطورة، فكان الاعتقاد بأن السودان قادر على تحمل حرب طويلة. لقد أثبتت الوقائع أن الدولة هي أول الضحايا. الاقتصاد انهار، والاستثمار هرب، والمؤسسات تعطلت، والخدمات الأساسية تراجعت بصورة مأساوية، بينما أصبحت معاناة المواطن اليومية هي العنوان الأبرز للمشهد السوداني. ولم تكن الخسائر مادية فحسب، بل أصابت النسيج الاجتماعي في مقتل. فقد زرعت الحرب الشكوك بين أبناء الوطن الواحد، وأعادت إنتاج خطاب الكراهية والانقسامات الجهوية والقبلية، وهي جراح قد تستغرق سنوات طويلة حتى تندمل، إن وجدت الإرادة الوطنية الصادقة لذلك. اليوم، وبعد كل هذا الدمار، لم يعد السؤال: من سيربح الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا تبقى من السودان بعد الحرب؟ فلا وجود لانتصار حقيقي فوق أنقاض المدن، ولا مجد يُبنى على دماء الأبرياء، ولا مستقبل لوطن يستنزف أبناءه في معركة بلا أفق. لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن الرهان على السلاح كان رهاناً خاسراً، وأن الرابح الوحيد هو الخراب. وما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من البنادق، بل مشروعاً وطنياً يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون، ويمنح السودانيين أملاً في مستقبل يستحقونه بعد سنوات الألم. إن التاريخ لا يخلد من أشعلوا الحروب، بل يذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لإيقافها. والسودان، الذي أنهكته الرهانات الخاطئة، يستحق أخيراً رهاناً واحداً صحيحاً: رهان السلام، والدولة المدنية، وإرادة الشعب. bakrikamal26@gmail.com Image
|
|