Post: #1
Title: من إعادة التأسيس الخطابية إلى إعادة التأسيس الإجرائية قراءة نقدية في مقال خالد كودي حول مبادرة السف
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 07-27-2026, 03:57 PM
03:57 PM July, 27 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
من إعادة التأسيس الخطابية إلى إعادة التأسيس الإجرائية قراءة نقدية في مقال خالد كودي حول مبادرة السفير نور الدين ساتي، من منظور ميثاق النجاة وبناء الدولة
د. على عبدالله الخليفة طه
أولاً: مكمن الصواب في التشخيص
يصيب خالد كودي حين يميز بين مدرستين في التفكير بأزمة الدولة السودانية: مدرسة ترى الأزمة أزمة سوء إدارة وتوزيع سلطات داخل الدولة القائمة، ومدرسة ترى أن الأزمة أزمة تأسيسية تمس شرعية العقد السياسي نفسه منذ الاستقلال. وهذا التمييز، في جوهره، يتقاطع مع ما استقر عليه ميثاق النجاة وبناء الدولة منذ صياغته الأولى: أن الشرعية الوظيفية التصاعدية لا يمكن أن تُبنى فوق هيكل الدولة الموروث كما هو، بل تستلزم إعادة تعريف علاقة المركز بالأطراف، ومصدر السلطة، وموقع الجيش من الدولة لا من النظام. غير أن الإقرار بصحة التشخيص لا يعني الإقرار بمنهجية المعالجة. فالمقال، رغم قوة تحليله النظري، يقع في ثغرة منهجية واحدة تتكرر في أغلب المبادرات التي يستعرضها: الانتقال من التشخيص الصحيح إلى الشعار السياسي، دون المرور بالمحطة الوسيطة الحاسمة: الآلية المؤسسية المسماة.
ثانياً: نقد الآلية لا نقد النية
يصنّف كودي وثيقة السفير ساتي بأنها 'إصلاحية' لأنها تكتفي بإعادة توزيع السلطات داخل الدولة القائمة، ويصنّف وثائق تحالف تأسيس بأنها 'تأسيسية' لأنها تطرح العلمانية والمواطنة والعدالة التاريخية. لكن حين يُفحص المحتوى الفعلي لوثائق تأسيس كما يعرضها المقال نفسه، نجدها قائمة مبادئ لا هيكل إجرائياً: علمانية، مواطنة، لامركزية، حق تقرير مصير، معالجة قضية الأرض. وهذه، رغم مشروعيتها، مطالب من الطراز نفسه الذي وصف كودي وثيقة ساتي بأنه 'مكرر منذ مؤتمر المائدة المستديرة 1965'. السؤال الحقيقي ليس: هل يعلن المشروع نفسه إصلاحياً أم تأسيسياً؟ بل: هل يسمّي آلية تنفيذية واحدة تُترجم المبدأ إلى مؤسسة قابلة للمساءلة؟ هنا يفترق الميثاق عن الطرفين معاً. فحين يطرح الركيزة الرابعة، لا يكتفي بالقول إن 'الأقاليم يجب أن تُمثَّل'، بل يحدد آلية التمثيل الموزون وتوافقاته الإجرائية. وحين يطرح العدالة الانتقالية، لا يكتفي بشعار 'العدالة التاريخية'، بل يحدد بنية ثلاثية الطبقات: مجالس المصالحة المحلية، ولجنة الحقيقة والتعويض، وغرفة الجرائم الكبرى، بحيث يُترجم كل مستوى من مستويات الجرح الاجتماعي إلى آلية مقابلة له.
ثالثاً: التناظر التاريخي ينقض الثنائية الحادة لا يخدمها
يستشهد كودي بالتعديلات الدستورية الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر في الولايات المتحدة، وبتجربة جنوب أفريقيا، ليبرهن أن اللحظات التأسيسية الكبرى تتطلب قطيعة مع الدولة القديمة. لكن كلتا التجربتين تكشفان العكس مما يريد: فالولايات المتحدة لم تُنشئ جمهورية ثانية، بل استخدمت آلية التعديل الدستوري القائمة نفسها لإعادة تعريف المواطنة جذرياً؛ وجنوب أفريقيا انتقلت عبر مفاوضات دستورية (لا عبر إسقاط الدولة) أنتجت وثيقة انتقالية عام 1993 قبل الدستور النهائي عام 1996. هذا يعني أن الحد الفاصل ليس بين 'إصلاح' و'تأسيس' كخطابين متقابلين، بل بين آلية تحمل قدرة فعلية على إعادة توزيع السلطة والثروة والاعتراف، وآلية لا تحملها ، بصرف النظر عن التسمية التي تُطلق على نفسها. وهذا بالضبط ما يسعى الميثاق إلى تجاوزه: لا خطاب قطيعة كلية بلا آلية، ولا إصلاح جزئي يُبقي فلسفة الدولة القديمة على حالها، بل مسار ثالث يعيد بناء العقد من أساسه عبر مؤسسات مسماة وقابلة للتفعيل.
رابعاً: الافتقار كأساس فلسفي للمسار الثالث
يستدعي هذا الموقف مفهوم الافتقار المتبادل بوصفه الأساس الفلسفي الذي يوازن بين نقيضين كثيراً ما يُطرحان كخيارين حصريين: الاستقلال الكامل للأطراف من جهة، والمركزية الكاملة من جهة أخرى. فكما يرى هايدغر أن الكينونة تتحقق أصلاً في صيغة الوجود المشترك (Mitsein) لا في العزلة الفردية، وكما يؤسس ليفيناس المسؤولية الأخلاقية على الاعتراف بحاجة الآخر قبل أي عقد تعاقدي، فإن أي مشروع لإعادة بناء الدولة السودانية، سواء سُمّي إصلاحاً أو تأسيساً، لا يستقيم إلا إذا اعترف بأن المركز والأطراف كليهما في حالة افتقار متبادل: لا يستطيع أحدهما الاستغناء عن الآخر دون أن تنهار شرعية الكل. وهذا ما تؤكده أيضاً تجربة إلينور أوستروم في إدارة الموارد المشتركة: أن الحلول المستدامة لا تُفرض من مركز واحد ولا تُترك للتفكك اللامركزي الكامل، بل تُبنى عبر قواعد تعاقدية متدرجة قابلة للمراقبة والمساءلة المتبادلة على مستويات متعددة في آن واحد، وهو ما يعكسه هيكل السيادة المالية في الميثاق.
خامساً: الخلاصة
مقال خالد كودي يستحق التقدير لأنه يضع إصبعه على سؤال حقيقي: هل يكفي إصلاح الدولة الموروثة، أم أن اللحظة السودانية الراهنة تستوجب إعادة تأسيسها؟ لكن جوابه يبقى في مستوى التشخيص، ولا يقدّم آلية تفوق ما ينتقده. فالفارق الحاسم ليس بين مدرستين خطابيتين، بل بين مشروع يسمّي مؤسساته وآلياته وحدود صلاحياتها، ومشروع يكتفي بإعلان القطيعة مع الماضي دون أن يحدد كيف تُبنى المؤسسات البديلة عملياً. وهذا هو الاختبار الذي يطرحه ميثاق النجاة وبناء الدولة على نفسه أولاً، قبل أن يطرحه على غيره: أن كل مبدأ فيه، الركيزة الرابعة، العدالة الانتقالية الثلاثية، السيادة المالية، النفير ، قابل للتفعيل عبر آلية مسماة، لا مجرد شعار قابل للاستهلاك في أي وثيقة تالية.
|
|