حامد فضل الله القرشي... طبيب برلين الذي ترجم الألمانية وناضل من أجل الإنسان كتبه جعفر سعد

حامد فضل الله القرشي... طبيب برلين الذي ترجم الألمانية وناضل من أجل الإنسان كتبه جعفر سعد


07-27-2026, 03:52 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1785163945&rn=0


Post: #1
Title: حامد فضل الله القرشي... طبيب برلين الذي ترجم الألمانية وناضل من أجل الإنسان كتبه جعفر سعد
Author: جعفر سعد
Date: 07-27-2026, 03:52 PM

03:52 PM July, 27 2026

سودانيز اون لاين
جعفر سعد-المانيا-برلين
مكتبتى
رابط مختصر





برلين

يوم السبت المواقف ٢٥ من شهر يوليو ٢٠٢٦ احتفل صديقي الدكتور حامد فضل الله القرشي، استشاري أمراض النساء والولادة بعيد ميلاده التسعين. دكتور قضى عشرة أعوام في المستشفيات العامة ببرلين ثم افتتح عيادته الخاصة، . لم تكن عيادته في قلب برلين مجرد عيادة طبية عابرة، بل كانت “قبلة الجالية العربية والأفريقية والمسلمين” على حد وصف الصديق، المكان الذي لم يقتصر فيه العلاج على وصف الدواء فقط، بل كان امتدادًا طبيعيًا لرجل ظل طوال عقود جسرًا بين الطب والأدب، وبين الثقافة الألمانية والعربية، وبين قضايا الإنسان أينما كان.

في عام 1957، تحديدًا بعد استقلال السودان بوقت قصير، دخل حامد فضل الله القرشي ألمانيا الشرقية حاملاً حلم دراسة الطب. كانت البداية من جامعة الخرطوم ثم القاهرة، حيث درس في المدرسة الثانوية المصرية التي يتذكرها دائمًا ببنائها الحديث وميادينها الفسيحة، قبل أن تشدّه الوجهة إلى لايبزيغ في ألمانيا لمواصلة المسيرة الأكاديمية. طاف في دراسته بين مدن (هاله) وبرلين، وعاد إلى السودان طبيبًا امتيازًا في أم درمان والخرطوم وجوبا بعد ثورة أكتوبر 1964، قبل أن يعود إلى ألمانيا عام 1967 ليتخصص في طب النساء والولادة في منحة من وزارة الصحة السودانية. تناوبت إقامته بين السودان وألمانيا، لكنه استقر في برلين حيث ظل حتى تقاعده في عام 2004.

على مدى ستين عامًا، جسّد الدكتور حامد فضل الله النموذج الإرشادي للمواطن والمثقف الكوكبي. إنه الطبيب الذي تعالج على يديه آلاف المرضى من الجاليات العربية والإفريقية، والقاص الذي يكتب القصة القصيرة، والمترجم الذي نقل باقة من الآداب والعلوم الألمانية إلى لغته العربية. كما أنه الناشط الحقوقي البارز الذي رسّخ اسمه في المنظمات الحقوقية الدولية عضوًا مؤسسًا ومنفذًا في عدد من منظمات المجتمع المدني. وقد أسهم إسهامًا فاعلًا في تأسيس منظمة المجتمع المدني والعمل على قضايا الاندماج التي شغلت الجالية العربية في المهجر الأوروبي منذ سبعينيات القرن الماضي.

على صفحات "سودانايل" وغيرها من المنابر السودانية والعربية، نشر الدكتور حامد فضل الله القرشي أكثر من ٤٠٠ مقال وترجمة وتحليل وتعليق على الكتب الجديدة على مدى عقد من الزمن

منذ عام ١٩٨٩ آخر أسابيع حكومة الإمام الصادق المهدى وحتى عام ٢٠١٤، كنتُ أنا وصديقي حامد من المواظبين على حضور مؤتمر السودان السنوي. كان المؤتمر يُعقد لمناقشة قضايا البلاد، وعلى رأسها الحرب الأهلية في الجنوب، والنزاعات القبلية في ولايات دارفور.

كان المنتدى يُقام في منتجع بمدينة "Hermannsburg" بولاية سكسونيا السفلى، برعاية منظمة كنسية. وكان الحضور يبدأ ظهر الجمعة حتى الأحد، ليضمَّ كل أطياف الطيف السياسي السوداني، إلى جانب منظمات حقوق الإنسان والعمل المدني (خاصة النسائية)، قادمين من داخل السودان ومن أماكن الشتات في أوروبا وأمريكا.

كان المنتجع مهيَّأً بالسكن وقاعات الحوار وورش العمل. وكنا نلتقي هناك بشخصيات سياسية فذَّة: زعماء أحزاب، نقابيين، وأساتذة جامعات. كان التنوع العرقي السوداني ثراءً حقيقياً، أما الأمسيات فكانت الأجمل؛ فبعد يوم شاقٍ من النقاشات والصدامات الفكرية بين الإسلاميين والشيوعيين والليبراليين، كنا نخرج من القاعات متحابين، وكأن الخلاف في الرأي لم يكن ليُفسد ودَّنا. كان الجنوبيون والشماليون يتحاورون ويتعانقون، رغم أن الحرب لم تتوقف بينهم منذ ١٩٥٥.

وكان "بيت المزارع" - ذلك المطعم والمقهى الكبير - قبلة الجميع، وأحب الأماكن إلى قلبي، حيث تعرَّفنا عن قرب على وزراء وسفراء وزعماء أحزاب، وعلى رأسهم الإمام الصادق المهدي، وأقطاب الحزب الشيوعي، والحزب الجمهوري، وقادة حركات دارفور مثل د. خليل وإخوته، ومناوي، وعبدالواحد نور.

لم نغب عن مؤتمر واحد طوال خمسة وعشرين عاماً، وهذه اللقاءات لم تكن مجرد مناسبات سياسية، بل زادت من صلابة علاقتنا وصداقتنا، وجمّلت غربتنا عن أرض الوطن.
. د.حامد ما زال يواصل النشر الأسبوعي حتى الآن، من مقالات تحليلية حول قضايا حقوق الإنسان والأوضاع المحزنة في السودان التي "عطّلت أحلامه بالتنمية".

في هذا العيد التسعين، يقدّم الدكتور حامد فضل الله للقارئ العربي درسًا مميزًا في العطاء المتصل والنضال الهادئ. فهو الطبيب الذي شفى الأجساد، والمفكر الذي شفى العقول بقلمه، والمناضل الذي ظل وفيًا لوطنه السوداني وقضايا الإنسان أينما كان. كل عام وأنت عنوان للإنسانية، وأستاذنا وقدوتنا في حب المعرفة ونبذ التعصب، ومددك الله بالصحة والعافية لتكمل مسيرة العطاء التي أضاءت الطريق لأجيال وأجيال.